الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بين الشاشة والواقع.. كيف تصنع وسائل التواصل سقفا جديدا لتوقعاتنا؟


كانت الأسرة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي، لسنوات طويلة، من أبرز المصادر التي يستند إليها الفرد في رسم تصوراته عن الحياة وبناء طموحاته وتوقعاته، انطلاقا من تجارب واقعية ومباشرة تشكلت داخل محيطه القريب.

ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت دائرة التأثير لتشمل عالما افتراضيا يعرض يوميا أنماطا مختلفة من الحياة والنجاح والرفاه والعلاقات، ويضع الأفراد أمام نماذج وتجارب تتجاوز أحيانا واقعهم وإمكاناتهم.

هذا التدفق المتواصل للصور والمحتويات والتجارب قد يدفع إلى رفع سقف التوقعات، خصوصا مع سهولة المقارنة بين الحياة الشخصية وما تعرضه المنصات الرقمية، الأمر الذي يمكن أن يوسّع المسافة بين ما يتطلع إليه الفرد وما يستطيع تحقيقه فعليا.

في هذا الصدد، أفاد رابح كشاد، باحث في علم الاجتماع، بأن مصادر بناء التوقعات لدى الأفراد، قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تستند أساسا إلى الواقع الملموس والمحيط المباشر، على غرار الأسرة والأصدقاء والعلاقات الاجتماعية، موضحا أن الفرد كان يعتمد على التجارب الواقعية في بناء تصوراته وأحلامه وتوقعاته المختلفة، وهو ما جعلها في الغالب أكثر قربا من الواقع.

وسائل التواصل تصنع توقعات تتجاوز أحيانا الواقع

وأوضح كشاد أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أحدث تحوّلا كبيرا في طبيعة العلاقات والتصورات والصور التي تؤثر في بناء توقعات الأفراد، حيث انتقلت هذه العملية تدريجيا من الواقع الملموس والعلاقات المباشرة إلى واقع افتراضي غير ملموس، أصبحت فيه هذه الوسائط من أبرز عوامل التأثير المباشر، خاصة لدى جيل “زد”.

وأشار المتحدث إلى أن هذا التحوّل أدى إلى انتقال الأفراد من بناء توقعات واقعية تستند إلى التجارب المباشرة إلى توقعات قد تكون في كثير من الأحيان افتراضية وتصورية وغير واقعية، موضحا أن الصور والفيديوهات والمحتويات المختلفة التي تصل إلى المستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب المؤثرين، أصبحت تؤدي دورا كبيرا في تشكيل تصوراته عن الحياة ومستقبله.

وأبرز الباحث في علم الاجتماع أن وسائل التواصل الاجتماعي ألغت الحدود الجغرافية، بعدما أصبح الفرد يتلقى صورا ونماذج مختلفة من الحياة من أماكن متعددة حول العالم، وهو ما وسّع دائرة التأثير في تصوراته وتوقعاته، مضيفا أن الذكاء الاصطناعي دخل بدوره كعامل جديد ومهم في هذه العملية، بعدما أصبح بالنسبة إلى كثير من الأفراد بمثابة مستشار افتراضي تتم الاستعانة به في قضايا مختلفة.

واعتبر كشاد أن الذكاء الاصطناعي بدأ تدريجيا يحل في بعض الحالات محل مصادر التأثير الواقعية، مثل الصديق والأب والأخ، إذ أصبح بإمكان الفرد اللجوء إليه للحصول على المعلومات والنصائح وبناء بعض التصورات المتعلقة بمستقبله، وهو ما يجعله عاملا مؤثرا في صياغة التوقعات لدى الأفراد.

وأضاف أن المشكلة تظهر عندما تتجاوز التوقعات الافتراضية الإمكانات الواقعية للفرد، فتتسع الفجوة بين الصورة التي بناها عن حياته وبين ما يستطيع تحقيقه فعليا، موضحا أن الفرد قد يجد نفسه أمام فرق كبير بين تلك التوقعات التي صنعتها الوسائط الرقمية وبين الواقع الذي يعيشه.

وأكد الباحث أن هذه الفجوة يمكن أن تنعكس على نفسية الأفراد، خاصة عندما لا تتحقق الأحلام والتوقعات التي تشكلت تحت تأثير هذه الوسائط، ما قد يؤدي إلى الإحباط والخيبة والصدمات النفسية، مشيرا إلى أن بعض الحالات النفسية يمكن أن تكون مرتبطة بتصورات غير واقعية تتشكل نتيجة هذا التأثر المتزايد بالعالم الافتراضي.

وفي هذا السياق، شدد محدثنا على أن مواجهة هذه الإشكالية لا تحتاج إلى حلول سحرية، وإنما إلى تطوير مفهوم التربية بمختلف أشكالها، سواء من خلال التنشئة الأسرية أم التربية والتعليم، موضحا أن الأسرة والمدرسة مطالبتان بمساعدة الأجيال الحالية والمستقبلية على التعامل مع هذه الوسائط بوعي وواقعية، وعدم السماح لها بأن تتولى وحدها رسم حياتهم وتحديد توقعاتهم.

كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يقدم للشاب أو الشابة، عند استشارته بشأن المستقبل، تصورات تبدو وردية ومليئة بالإمكانات، غير أن هذه التصورات لا تعكس بالضرورة واقعه الحقيقي، لأن الذكاء الاصطناعي لا يعرف ظروف الفرد بشكل كامل، وإنما يعتمد على المعلومات التي تتوفر لديه لبناء إجاباته وتصوراته.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يظل في النهاية نظاما يعتمد على تراكم المعلومات ومعالجتها، وقد يستند إلى المعطيات التي يقدمها المستخدم خلال المحادثة لبناء توصيات وتوقعات قد يتأثر بها، غير أن الواقع الشخصي للفرد يظل العامل الأساسي الذي ينبغي أن يستند إليه في تحديد خياراته ومستقبله.

ودعا الباحث إلى ضرورة المزج بين العالم الافتراضي والواقع الملموس، بحيث يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي كأدوات مساعدة، دون أن تتحول إلى جهات تصنع الواقع أو تحدد مستقبل الإنسان، مؤكدا أن دور الأسرة ومختلف مؤسسات التنشئة يتمثل في تعليم الأفراد كيفية الاستفادة من هذه الوسائط مع الحفاظ على ارتباطهم بالواقع.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أكد رابح كشاد أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي مرشحان لحضور أقوى خلال السنوات المقبلة، ما يفرض تعزيز الوعي بطريقة التعامل معهما، حتى لا تتحول هذه الوسائط من أدوات تساعد الإنسان إلى عوامل تتولى رسم حياته وتسطّر له مستقبله وتحدد توقعاته بصورة منفصلة عن واقعه وإمكاناته.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.