الجمعة، 16 أكتوبر 2026 — 3 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

بين القومية والأمة وحدود الدولة.. الازدواج البنيوي في الواقع العربي

Author
نورالدين عويمر 21 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

العالم الرابع في رؤيتي ليس جغرافيًا ولا اقتصاديًا، بل حضاري–قيمي، أي أنّ الأمم التي تسقط أخلاقيًا رغم امتلاكها القوة، أو التي تُبدّد طاقاتها بالانقسام والجهل، تنتمي إليه مهما كان غناها المادي
تتجسد أزمة العالم العربي المعاصر في بنية مزدوجة تفصل بين المجالين المادي والرمزي، بين الدولة بوصفها أرضًا وحدودًا وسيادة، والهوية بوصفها لغةً وانتماءً وذاكرةً جماعية. فالأرض تمثل “الموضوع” الذي تُمارس فيه السلطة، بينما تمثل اللغة “الذات” التي تتشكل داخلها معاني الانتماء. غير أن العلاقة بينهما في السياق العربي ليست علاقة تكامل، بل علاقة انفصال، تُنتج نمطًا من الاختلال يمكن توصيفه بـ“الازدواج البنيوي”، حيث تبقى الأقدام ثابتة داخل الحدود، بينما تمتد الرؤوس خارجها دون سند مؤسسي.
يمكن فهم هذا الاختلال من خلال ما يمكن تسميته بـ**“نموذج الأقدام–الأجسام–الرؤوس”**؛ إذ تعبّر الأقدام عن ثبات الدولة القُطرية داخل حدودها، وتجسد الأجسام تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي بما يحمله من ذاكرة ومخاوف وتباينات، بينما تمثل الرؤوس مستوى الهوية والخطاب، حيث يحدث التلاقي اللغوي والثقافي. غير أن هذا التلاقي يبقى ظرفيًا، إذ سرعان ما ترتد الأجسام إلى مواقعها الأصلية كما لو كانت نوابض، لغياب آليات التثبيت المؤسسي، فيبقى الاتصال قائمًا في مستوى الخطاب دون أن يتحول إلى بنى سياسية مستدامة.
غير أن المدخل الصحيح لفهم هذه الأزمة لا يبدأ بتعدد الإشكاليات، بل بتحديد المشكلة في مستواها البنيوي بوصفها “موضوعًا” مشتركًا. فالأزمة العربية ليست في تعدد المذاهب أو الطوائف أو المصالح، بل في غياب إطار مؤسسي قادر على تنظيم العلاقة بين الدولة والهوية. أما ما يظهر من صراعات دينية أو طائفية أو سياسية، فليس جوهر المشكلة، بل هو أحد مظاهر التضخم والاختلال الناتجة عن غياب هذا الإطار المنظم. وبعبارة موجزة: المشكلة واحدة، أما الإشكاليات فمتعددة؛ وإذا لم تُحسم الأولى، ستستمر الثانية في التكاثر.
في هذا السياق، تبرز إشكالية العلاقة بين القومية والأمة. فالقومية تمثل الإطار الوظيفي لتنظيم الدولة والسياسة، حيث تُبنى المؤسسات ويتحدد الولاء وتُمارَس السيادة. أما الأمة، خاصة في بعدها الحضاري الإسلامي، فهي فضاء أوسع يتجاوز الحدود ويجمع بين جماعات متعددة ضمن منظومة قيمية مشتركة. غير أن الإشكال العربي لا يكمن في وجود هذين المستويين، بل في غياب ترتيب وظيفي واضح بينهما؛ إذ يُستدعى مفهوم الأمة أحيانًا بوصفه بديلًا عن الدولة، بينما تُهمَّش القومية أو تُختزل، مما يؤدي إلى ارتباك في تحديد الانتماء وتشتت في الولاء.
تتجلى آثار هذا الخلل بوضوح في الحالة اللبنانية، حيث يقوم النظام السياسي على توزيع طائفي للسلطة، ما يؤدي إلى تعدد مراكز الولاء بين الطائفة والحزب والدولة، ويجعل من الصعب بناء ولاء وطني جامع. وفي المقابل، تقدم تجارب سوريا والعراق خلال مرحلة حزب البعث العربي الاشتراكي مثالًا على قدرة الإطار القومي على تعزيز مركزية الدولة، رغم ما شاب تلك التجارب من طابع سلطوي وغياب الاستدامة المؤسسية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن غياب تكامل عربي قائم على أسس واقعية ومؤسسية يجعل الدول العربية في موقع هش أمام قوى مثل إيران وتركيا وحتى الكيان الصهيوني، التي تتصرف بمنطق الدولة القومية المتماسكة، في حين يظل الفضاء العربي موزعًا بين خطاب وحدوي غير مؤسس وممارسة قطرية منغلقة.
تلعب اللغة دورًا محوريًا في هذا السياق، فهي ليست مجرد أداة اتصال، بل وعاء يحمل التاريخ والذاكرة ويعيد إنتاجهما. غير أن هذا الدور بقي في كثير من الأحيان حبيس الخطاب، دون أن يتحول إلى أداة لبناء فضاء تواصلي مؤسسي يعزز الاندماج السياسي، مما يعمّق الفجوة بين الرؤوس التي تلتقي لغويًا، والأقدام التي تبقى منغلقة سياسيًا.
إن تجاوز هذا الازدواج البنيوي لا يمر عبر إلغاء أحد المستويين، بل عبر إعادة ترتيب العلاقة بينهما وفق منطق واقعي وموضوعي. فالقومية، بوصفها إطارًا لتنظيم الدولة، لا تتعارض مع الأمة بوصفها فضاءً حضاريًا جامعًا، بل يمكن أن تتكامل معها إذا ما تم توطينها داخل بنية مؤسسية واضحة. كما أن التعدد الديني والمذهبي لا يشكل في ذاته عائقًا، بل يتحول إلى عامل قوة حين يُدار ضمن إطار يحدد بوضوح أن الولاء السياسي للدولة، دون أن يتعارض ذلك مع حرية الانتماء الديني أو المذهبي.
وعليه، فإن المطلوب ليس القفز إلى تصورات وحدوية مجردة، ولا الانغلاق داخل حدود قُطرية ضيقة، بل تبني مسار واقعي يقوم على بناء وحدة قومية تدريجية تتجاوز القُطرية دون أن تنفصل عن الإطار الحضاري للأمة. فالدول القوية لا تلغي التنوع، بل تنظمه، ولا تنكر الهوية، بل توظفها داخل مؤسسات فاعلة.
وبهذا، يمكن للعالم العربي أن يبدأ من الاعتراف بالمشكلة بوصفها موضوعًا مشتركًا، بدل الغرق في الإشكاليات بوصفها ذاتيات متفرقة، وأن يعيد ترتيب دوائر الانتماء ضمن إطار مؤسسي واضح. فالواقعية تقتضي أن يكون الولاء للدولة بوصفها الإطار الجامع، دون أن يتعارض ذلك مع اتباع المذاهب الدينية المختلفة. وبهذا فقط، يمكن للعرب أن يتحولوا من حالة التشتت إلى التماسك، ومن تعدد الإشكاليات إلى وحدة في معالجة المشكلة، حيث تلتقي الأقدام والرؤوس في اتجاه واحد.

↑