الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

بين الكفاءة والابتكار.. كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الاقتصاد العالمي؟


ساهمت التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي في إعادة رسم ملامح بنيته التقليدية، مع بروز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز المحركات القادرة على إحداث نقلة نوعية في مختلف قطاعاته، من الصناعة والفلاحة إلى الخدمات والمالية والتعليم والصحة.

وفي هذا السياق، تحوّل الذكاء الصناعي إلى قوة اقتصادية محورية تسهم في إعادة تشكيل طرق الإنتاج وآليات التسيير وأساليب اتخاذ القرار، بما يمهد لمرحلة جديدة يقوم فيها الاقتصاد على المعرفة والبيانات والابتكار والسرعة بدل الاعتماد التقليدي على الموارد المادية فقط.

في هذا الصدد، أفاد هواري تيغرسي، الخبير في الاقتصاد، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد تقنية رقمية مساعدة أو أداة لتحسين الأداء، بل أصبح قوة اقتصادية محورية قادرة على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي من جذوره، من خلال إحداث تحولات عميقة تمس طرق الإنتاج وآليات التسيير وأساليب اتخاذ القرار.

انتقال الاقتصاد العالمي نحو نموذج جديد

وأوضح تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا التحول النوعي يعكس انتقال الاقتصاد العالمي نحو نموذج جديد يقوم على المعرفة والبيانات والسرعة والابتكار، بدل الاعتماد التقليدي على الموارد المادية فقط.

وأبرز المتحدث أن الدول التي نجحت في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن سياساتها الاقتصادية لم تكتف بتحقيق مكاسب ظرفية في الإنتاجية، بل شرعت في بناء أنظمة اقتصادية أكثر مرونة وتنافسية، قادرة على التكيف مع التقلبات العالمية.

وأضاف أن هذه الأنظمة تقوم على توظيف الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة في مختلف مراحل الإنتاج، بما يسمح برفع الكفاءة وتقليل التكاليف وتحسين جودة الخدمات والمنتجات.

وفي هذا السياق، أشار تيغرسي إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم في إعادة صياغة مفهوم الإنتاج الصناعي، حيث تحولت المصانع التقليدية إلى ما يُعرف بالمصانع الذكية، التي تعتمد على الأتمتة المتقدمة، والمراقبة اللحظية لسير الإنتاج، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وهو ما يسمح بتقليص نسب التوقف، والحد من الخسائر، ورفع الإنتاجية بشكل ملحوظ.

كما أكد محدثنا أن هذا التطور انعكس إيجاباً على القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية في الأسواق المحلية والدولية، مُضيفا أن القطاع الفلاحي بدوره يشهد تحولاً عميقاً بفضل ما يُعرف بـ”الفلاحة الذكية”، حيث يتم استخدام الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار وأجهزة الاستشعار المتطورة من أجل تحليل خصائص التربة، ومراقبة المحاصيل، وتحديد الاحتياجات الدقيقة للسقي والأسمدة، فضلاً عن التنبؤ بالأمراض والآفات الزراعية.

وشدد على أن هذا التوجه يساهم بشكل مباشر في تحسين المردودية الزراعية، وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي.

نقلة نوعية في طريقة تسيير البنوك والمؤسسات المالية

أما في قطاع الخدمات، فقد أوضح تيغرسي أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية في طريقة تسيير البنوك والمؤسسات المالية، من خلال أنظمة ذكية قادرة على تحليل المخاطر بدقة عالية، وكشف محاولات الاحتيال المالي في وقت مبكر، وتقديم خدمات أكثر تخصيصاً للعملاء.

كما أشار إلى أن التجارة الإلكترونية أصبحت تعتمد بشكل كبير على خوارزميات التوصية وتحليل سلوك المستهلك، ما ساهم في رفع نسب المبيعات وتحسين تجربة المستخدم.

وفي مجال النقل وإدارة المدن والطاقة، أبرز المتحدث أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة أساسية في بناء مدن ذكية تعتمد على تحليل المعطيات لحظياً لتخفيف الازدحام المروري، وتحسين توزيع الطاقة، وترشيد استهلاك الموارد.

وأضاف أن هذه التطبيقات تفتح المجال أمام أنماط جديدة من الحوكمة الحضرية القائمة على الكفاءة والرقمنة، أما في القطاع الصحي، فقد ساهم الذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة حقيقية في أساليب التشخيص والعلاج، من خلال تحليل الصور الطبية بدقة عالية، وتسريع اكتشاف الأمراض، والمساعدة في تطوير الأدوية، إضافة إلى تمكين أنظمة المتابعة الصحية عن بعد، وهو ما يخفف الضغط على المؤسسات الاستشفائية ويحسن جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وفي قطاع التعليم، أشار تيغرسي إلى أن الذكاء الاصطناعي ساعد في تطوير منصات تعليمية ذكية تعتمد على تخصيص المحتوى حسب مستوى كل متعلم، ما يسمح بتجربة تعليمية أكثر مرونة وفعالية، ويعزز من فرص تحسين التحصيل العلمي.

ظهور قطاعات جديدة بالكامل

اقتصادياً، شدد الخبير على أن هذه التحولات أدت إلى ظهور قطاعات جديدة بالكامل، على غرار اقتصاد البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، والتطبيقات الذكية، والخدمات الرقمية، وهي قطاعات أصبحت تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الحديث.

وأضاف أن هذا التحول ترافق مع بروز وظائف جديدة تعتمد على المهارات الرقمية، مثل تحليل البيانات، والبرمجة، وإدارة الأنظمة الذكية، غير أنه حذّر في المقابل من التحديات المرتبطة بإعادة تأهيل اليد العاملة ومواكبة هذا التحول السريع.

كما أكد أن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود تبني التكنولوجيا، بل تتطلب بناء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تطوير البحث العلمي، وتحديث الجامعات، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ودعم المؤسسات الناشئة، وتكوين الكفاءات في التخصصات التكنولوجية الحديثة، إلى جانب وضع أطر قانونية وتنظيمية تحمي البيانات وتضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وفي سياق متصل، شدد تيغرسي على أن الجزائر تمتلك فرصة استراتيجية حقيقية للاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية من أجل الانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على المحروقات إلى اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار والإنتاجية، خاصة في قطاعات الفلاحة والطاقة والصناعة والخدمات العمومية.

هذا، وأبرز الخبير في الاقتصاد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة سياسية قوية، وتنسيقا فعالا بين الدولة والجامعة والقطاع الاقتصادي، وإشراك الشباب المبتكر في صياغة هذا التحول.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد هواري تيغرسي على أن الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط أدوات العمل الاقتصادي، بل يعيد تعريف مفهوم الاقتصاد ذاته، حيث تصبح البيانات موردا استراتيجيا، ويصبح الابتكار محركا أساسيا للنمو، فيما تتحول القدرة على التكيف السريع إلى معيار حاسم للقوة الاقتصادية في عالم يتجه نحو منافسة رقمية غير مسبوقة ومتسارعة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي