الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بين الموروث الشعبي وتأثير المسلسلات.. كيف يختار الجزائريون أسماء أبنائهم الجدد؟

Author
بثينة صايفي 16 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

قبل سنوات قليلة، لم تكن العائلات الجزائرية تبذل جهدًا كبيرًا في اختيار أسماء لمواليدها الجدد، ففي الغالب كانت الأسماء تُستمد من إرث العائلة، تيمّنًا بـ”السلف الصالح” أو وفاءً لذكرى أحد الراحلين من أفرادها، غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في هذا المجال، إذ لم تعد التسمية مجرد امتداد للتقاليد، بل أصبحت تعكس واقعًا اجتماعيًا متغيرًا وتداخل تيارات ثقافية مختلفة تؤثر في اختيارات الآباء والأمهات.

تقول “سجية” المنحدرة من مدينة خنشلة شرق الجزائر، إن اسمها يثير فضول الكثيرين بسبب ندرته، إلا أن ارتباطه باسم جدتها الراحلة التي اشتهرت وسط أقاربها وأبناء منطقتها بـ”الطيبة والحكمة” يجعل قيمته خاصةً.

في حين تذكر “أم الخير” لـ”الأيام نيوز” أن اسمها جاء نتيجة “تجاذب عائلي” بين والديها، إذ تزامن يوم ولادتها مع حصول والدها على ترقية في عمله، ما جعله يعتبر قدومها بشارة خير وبركة للعائلة، بينما كانت والدتها تفضّل تسميتها “نورة”، قبل أن يُحسم الأمر لصالح والدها في النهاية.

جذور الأسماء في الجزائر.. حين حكم الدين والهوية اختيار المواليد
يوضح الباحث مهدي براشد أن الأسماء في الجزائر إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي، كانت تنقسم أساسًا إلى مرجعيتين ثقافيتين رئيسيتين: المرجعية العربية والمرجعية الأمازيغية، غير أن الأسماء ذات الطابع الديني المرتبط بالثقافة العربية كانت الأكثر انتشارًا، بحكم حضور الدين الإسلامي القوي في الحياة الاجتماعية والثقافية للجزائريين، فقد كانت العائلات تميل إلى اختيار أسماء تحمل دلالات دينية أو ترتبط بسيرة النبي والصحابة، باعتبارها أسماء مباركة تعكس القيم الروحية للمجتمع وتمنح صاحبها مكانة رمزية داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.

ولهذا السبب انتشرت أسماء مثل محمد وأحمد ومحمود وسيد أحمد وحميد، وهي أسماء تدور في معانيها حول الحمد والثناء، إضافة إلى أسماء تشير إلى النبي أو ترتبط بنسبه مثل الهاشمي ومختار، كما شاع استعمال الأسماء المركبة التي تبدأ بـ«عبد»، مثل عبدالله وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد الجليل، وهي أسماء تعكس تقليدًا دينيًا متجذرًا في الثقافة الإسلامية، ويشير براشد إلى أن هذا التوجه كان يستند إلى المقولة المتداولة “خير الأسماء ما حُمّد أو عُبّد”، وهي عبارة شاعت بين الناس على أنها حديث نبوي، رغم أن بعض المحدثين يرون أنها لا تثبت سندًا عن النبي.

مهدي براشد باحث في التراث الجزائري
مهدي براشد باحث في التراث الجزائري

ويضيف الباحث أن انتشار هذه الأسماء لم يكن مجرد اختيار لغوي أو ذوقي، بل كان يعكس منظومة ثقافية واجتماعية كاملة، حيث ارتبطت التسمية آنذاك بفكرة البركة والاقتداء بالشخصيات الدينية، إلى جانب الحرص على الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع، ولذلك ظلت هذه الأسماء لعقود طويلة من أكثر الأسماء تداولًا بين الجزائريين في مختلف مناطق البلاد، سواء في المدن أو في الأرياف، قبل أن تبدأ أنماط التسمية في التغير تدريجيًا مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها الجزائر منذ نهاية القرن العشرين.

من الأنبياء إلى “فاطمة”.. أسماء دينية صنعت ذاكرة العائلات الجزائرية
يشير الباحث مهدي براشد إلى أن الثقافة الدينية كان لها تأثير عميق في اختيارات الأسماء لدى العائلات الجزائرية، حيث اعتاد الجزائريون تسمية أبنائهم بأسماء عدد من الأنبياء مثل إسماعيل وإبراهيم ويوسف وعيسى وموسى ويعقوب وداود، ورغم ارتباط بعض هذه الأسماء بأنبياء بني إسرائيل، إلا أنها بقيت مستساغة في المجتمع الجزائري لأنها تحمل بعدًا دينيًا مرتبطًا بالنبوة والرسالة، كما عرفت الجزائر انتشارًا واضحًا لأسماء الخلفاء الراشدين مثل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، غير أن اسم “علي” ظل الأكثر شيوعًا وغالبًا ما يقترن بلفظ “سيد” في صيغة “سيد علي”، وهي تسمية يكاد يختص بها الجزائريون، ويربط براشد هذا الانتشار بما تركته بعض المراحل التاريخية من أثر مذهبي في المنطقة، خاصة خلال فترات انتشار الإسماعيلية ثم الدولة الفاطمية في القرن الثالث الهجري.

أما فيما يتعلق بأسماء الإناث، فيوضح الباحث أن العائلات الجزائرية استمدت الكثير من أسمائها من محيط أهل بيت النبي، فانتشرت أسماء مثل آمنة وخديجة وعائشة وزينب وكلثوم، مع ظهور تحويرات محلية لهذه الأسماء تعكس الخصوصية اللغوية والثقافية للمجتمع، مثل “خدوج” و”خداوج” و”عواوش”، ويظل اسم «فاطمة» من أكثر الأسماء حضورًا في الجزائر، مع تنويعاته الشعبية مثل “فطيمة” و”فطوم”، إضافة إلى الأسماء المشتقة من “الزهراء” مثل “زهرة” و”زهيرة” أو “الزهور”، كما يشير براشد إلى أن بعض العائلات كانت تميل، في حال إنجاب توأم من الذكور، إلى تسميتهما “الحسن والحسين”، في دلالة رمزية على الارتباط العاطفي والديني بأحفاد النبي وتراثهم في الذاكرة الشعبية الجزائرية.

أسماء محلية للتفاؤل والخصوصية الجهوية
يلفت الباحث مهدي براشد إلى أن منظومة التسمية في الجزائر لم تقتصر على المرجعيات الدينية فقط، بل شملت أيضًا أسماء ذات طابع محلي يعكس ثقافة التفاؤل والارتباط اليومي بالواقع الاجتماعي، فقد كان الجزائريون يميلون إلى اختيار أسماء تحمل دلالات إيجابية أو معاني “حُسنى” يُعتقد أنها تجلب البركة والحماية لصاحبها، مثل ناصر ومبروك والهادي وكمال وجميلة، وهي أسماء تعكس رغبة العائلات في ربط المولود الجديد بمعاني النجاح والهداية والجمال.

وإلى جانب هذه الأسماء التفاؤلية، ظهرت أسماء أخرى أكثر ارتباطًا بالخصوصية الثقافية المحلية، تحمل أحيانًا طابعًا وصفيًا مباشرًا أو مستمدًا من البيئة المحيطة، مثل “العكري” و”الكحلة” و”عودة” و”العارم”، ويشير براشد إلى أن هذه الأسماء، رغم بساطتها أو غرابتها أحيانًا، كانت جزءًا من ذاكرة اجتماعية تعكس طريقة تفكير المجتمع في التسمية، حيث لم تكن الأسماء مجرد هوية إدارية، بل امتدادًا للانتماء والرمز والصفة.

كما يلفت إلى خصوصية لافتة في المجتمع الجزائري تتمثل في تحويل بعض الألقاب التاريخية إلى أسماء شخصية، مثل لقب “باي” الذي جرى تأنيثه ليصبح اسمًا نسائيًا هو “باية”، وهو ما يعكس تفاعلًا فريدًا بين التاريخ والهوية المحلية في عملية التسمية، وإلى جانب ذلك، احتفظت بعض المناطق، خاصة منطقة القبائل، بأسماء ذات طابع جهوي مميز يعكس لغتها وثقافتها الخاصة، مثل “جوهر” و”ويزة” و”ججيغة” و”تسعديت”، إضافة إلى أسماء ذكورية ذات دلالة قوة أو مكانة مثل “مقران” و”أمزيان” و”آكلي”، ويؤكد براشد أن هذا التنوع يعكس ثراءً ثقافيًا كبيرًا في الجزائر، حيث تتقاطع الأسماء بين الديني والمحلي والجهوي في نسيج واحد يعبر عن هوية متعددة الطبقات.

عودة الأسماء الأمازيغية مع التحولات الثقافية
ومع نهاية السبعينيات وبداية بروز الحركات الثقافية الأمازيغية، بدأت عملية إعادة إحياء لجزء من الذاكرة التاريخية المرتبطة بالهوية الأمازيغية، خصوصًا في منطقة القبائل، حيث اتجهت بعض العائلات إلى اختيار أسماء تحمل رمزية تاريخية قوية، مثل يوغرطة وماسينيسا وكسيلة والكاهنة، هذه الأسماء لم تكن مجرد اختيارات شخصية، بل حملت في طياتها بعدًا هوياتيًا وثقافيًا يعكس رغبة في استعادة رموز تاريخية مرتبطة بالمجال الأمازيغي، وإبرازها داخل الفضاء الاجتماعي المعاصر.

ويشير الباحث مهدي براشد إلى أن هذه الأسماء كانت، في فترة سابقة، غير متداولة أو حتى ممنوعة إداريًا في بعض السياقات الرسمية، قبل أن يبدأ السماح بها تدريجيًا ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، هذا التحول القانوني والإداري فتح المجال أمام عودة هذه الأسماء إلى سجل الحالة المدنية، ما ساهم في انتشارها من جديد داخل الأوساط العائلية، خاصة لدى الأجيال التي كانت تبحث عن أسماء تعبر عن خصوصيتها الثقافية وتاريخها المحلي.

ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأسماء مجرد رموز تاريخية نادرة، بل أصبحت جزءًا من المشهد العام للأسماء في الجزائر، تعكس تحولات عميقة في فهم الهوية والذاكرة الجماعية، وتؤكد في الوقت نفسه على تعدد المرجعيات الثقافية داخل المجتمع الجزائري بين العربي والأمازيغي والتاريخي.

المسلسلات والإعلام… مصدر جديد للأسماء
ويؤكد الباحث مهدي براشد أن وسائل الإعلام، وعلى رأسها التلفزيون، لعبت دورًا متزايدًا في تشكيل ثقافة التسمية لدى الجزائريين، خاصة مع الانتشار الواسع للمسلسلات العربية والتركية وما رافقها من تعلق بالشخصيات الدرامية، فلم تعد الأسماء مرتبطة فقط بالمرجعيات الدينية أو المحلية، بل أصبحت أيضًا تتأثر بما يُعرض على الشاشة، حيث وجدت العديد من العائلات في الشخصيات التلفزيونية مصدر إلهام لاختيار أسماء جديدة لأبنائها، تعكس ذوقًا حديثًا وانفتاحًا على ثقافات أخرى.

ومع هذا التحول، ظهرت أسماء مستوحاة مباشرة من عالم الدراما والسينما، مثل شهرزاد وشيراز وشريهان وشهيناز، وغيرها من الأسماء التي انتقلت من سياقها الفني إلى الحياة اليومية داخل المجتمع الجزائري، ويشير براشد إلى أن هذا التأثير لا يعكس مجرد تقليد سطحي، بل يدل على قوة الصورة التلفزيونية وقدرتها على إعادة تشكيل الذوق العام، حتى في مسألة حساسة ومرتبطة بالهوية مثل اختيار الاسم.

كما يلفت إلى أن هذا الانفتاح الإعلامي ساهم في توسيع دائرة الأسماء المتداولة، وجعل التسمية في الجزائر أكثر تنوعًا، حيث أصبحت تتقاطع فيها المرجعيات الدينية والتاريخية والثقافية مع التأثيرات الحديثة القادمة عبر الشاشة، ما يعكس في النهاية تحوّل المجتمع نحو أنماط استهلاك ثقافي أكثر عولمة وتداخلًا مع الثقافات الأخرى.

الأسماء المركبة… محاولة للجمع بين الماضي والحاضر
وفي السنوات الأخيرة، يلاحظ براشد انتشار الأسماء المركبة التي تجمع بين اسم تقليدي وآخر حديث، مثل «فطوم مريا» أو «محمد يانيس»، ويعكس هذا التوجه – حسبه – رغبة العائلات في التوفيق بين تكريم أسماء الأجداد أو الأقارب والحفاظ عليها، وبين اختيار أسماء جديدة تناسب العصر، وغالبًا ما يُسجل هذا الاسم المركب في الوثائق الرسمية، بينما يُستعمل أحد الاسمين فقط في الحياة اليومية.