الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

بين تحديات الجفاف ومتطلبات الإنتاج.. هل تعيد المياه المصفاة رسم خريطة السقي في الجزائر؟


أمام تزايد الضغوط على الموارد المائية التقليدية، وتفاقم التحديات المرتبطة بندرة المياه وتذبذب التساقطات، تتجه الجزائر إلى تعزيز خيار المياه المصفاة كحل بديل لدعم القطاع الفلاحي وتوسيع محيطات السقي، في إطار مساعٍ ترمي إلى ضمان استدامة الموارد المائية وتحقيق الأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، شدد وزير الري، لوناس بوزڤزة، خلال زيارة عمل وتفقد إلى الديوان الوطني للسقي وصرف المياه بالعاصمة، أول أمس الأحد، على ضرورة مواصلة توسيع محيطات السقي تدريجياً بالاعتماد على هذه المياه غير التقليدية.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الخبير في الزراعة والمخاطر الزراعية، حمزة مليك، أن السقي يواجه تحديات كبيرة في الجزائر بسبب التباين المناخي وتذبذب الأمطار، مشيراً إلى أن إعادة استعمال المياه المصفاة تمثل حلا واعدا لتدعيم الموارد الموجهة للفلاحة، عبر استرجاع كميات معتبرة من المياه وتقليل الضغط على الموارد التقليدية، مع ما يتيحه ذلك من تحسين مردودية النشاط الزراعي.

من جهته، أوضح رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المياه المصفاة أصبحت خياراً استراتيجياً لمواجهة ندرة المياه، لما توفره من إمكانات لتوسيع المساحات المسقية وتحسين الإنتاج الفلاحي، إضافة إلى دورها في تقليص استنزاف الموارد المائية وتعزيز الأمن الغذائي.

في هذا الصدد، أفاد حمزة مليك بأن مسألة السقي تكتسي أهمية بالغة في الجزائر بالنظر إلى موقعها الجغرافي واتساع رقعتها وما يرافق ذلك من تباين مناخي كبير بين الشمال والجنوب، فضلاً عن التذبذب المسجل في معدلات التساقط، وهو ما يجعل توفير المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه مختلف الشعب الفلاحية، سواء تعلق الأمر بالمحاصيل الاستراتيجية أو بأشجار الفاكهة والخضروات.

أحد الحلول الواعدة لتدعيم الموارد المائية الموجهة للسقي

وأوضح المتحدث أن هذه العوامل الطبيعية، إلى جانب فترات الجفاف التي تشهدها بعض المناطق، تفرض البحث عن حلول مستدامة لضمان توفير المياه اللازمة للإنتاج الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي.

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر بذلت خلال السنوات الماضية جهوداً معتبرة لتعزيز أمنها المائي، من خلال إنجاز السدود والحواجز المائية وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر لتزويد المدن الكبرى بالمياه الصالحة للشرب، ما يسمح بتوجيه كميات إضافية من المياه السطحية والجوفية نحو النشاط الفلاحي.

كما لفت إلى أن التسهيلات الممنوحة في مجال حفر الآبار تندرج ضمن المساعي الرامية إلى دعم القطاع الزراعي وتوفير الموارد المائية الضرورية للإنتاج.

وشدد مليك على أهمية ترشيد استهلاك المياه واعتماد تقنيات السقي الحديثة، على غرار السقي بالتقطير والرش المحوري، للحفاظ على هذه الثروة الحيوية، خاصة أن النشاط الفلاحي والإنتاج الحيواني يعدان من أكثر القطاعات استهلاكاً للمياه.

وأكد أن إعادة استعمال المياه المستعملة بعد معالجتها تمثل أحد الحلول الواعدة لتدعيم الموارد المائية الموجهة للسقي، موضحاً أن تعميم محطات تصفية المياه وربط مختلف شبكات الصرف الصحي بها سيسمح باسترجاع كميات معتبرة من المياه يمكن توجيهها إلى النشاط الزراعي، لا سيما في المناطق الشمالية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، بما يساهم في تخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية.

وأضاف أن الاستفادة من المخلفات الناتجة عن عمليات التصفية في إنتاج الأسمدة العضوية من شأنها تحسين خصوبة التربة ورفع نسبة المادة العضوية فيها، الأمر الذي يعزز قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة وتخزين المياه لفترات أطول، ويساعد المزروعات على مقاومة الجفاف وتحسين مردودها الزراعي.

كما دعا إلى تعميم محطات تصفية المياه عبر مختلف ولايات الوطن، بما فيها ولايات الجنوب، محذراً من أن استمرار الضغط على الموارد الجوفية واستنزافها دون إيجاد بدائل مستدامة قد يؤثر مستقبلاً على مخزونها الاستراتيجي، خاصة في بعض الولايات التي تعرف توسعاً فلاحياً متسارعاً.

الحد من تلوث المياه الجوفية

وأوضح أن إنشاء محطات تصفية المياه لا يقتصر أثره على توفير مورد إضافي للسقي فحسب، بل يساهم أيضاً في الحد من تلوث المياه الجوفية وحماية البيئة واسترجاع كميات كبيرة من المياه التي كانت تضيع دون استغلال، ما يجعل هذا الخيار أحد أهم الرهانات المستقبلية في مجال تسيير الموارد المائية.

وفي السياق ذاته، شدد محدثنا على ضرورة إعادة النظر في تسعيرة المياه الموجهة للسقي، سواء في الشمال أو الجنوب، بما يحد من التبذير ويكرس ثقافة الاستعمال العقلاني للمياه، لا سيما في المناطق التي تعرف مستويات مرتفعة من الاستهلاك.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد حمزة مليك أن المياه الناتجة عن معالجة المياه المستعملة ينبغي أن تحظى بأولوية قصوى ضمن السياسات المائية الوطنية، لما توفره من مورد إضافي قادر على دعم الزراعات الاستراتيجية وأشجار الفاكهة وتحسين مردودها، سواء في إطار السقي التكميلي أو السقي المنتظم، بما يعزز التنمية الفلاحية المستدامة في الجزائر.

توسيع السقي بالمياه المصفاة يخفف الضغط على الموارد التقليدية

من جانبه، يرى كريم حسن، رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، أن التوجه نحو استعمال المياه المستعملة المصفاة في توسيع محيطات السقي يمثل أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها الجزائر لمواجهة التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة الموارد المائية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح حسن، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن القطاع الفلاحي يعد من أكثر القطاعات استهلاكا للمياه، ما يجعل البحث عن موارد مائية غير تقليدية ضرورة حتمية لضمان استمرارية النشاط الفلاحي وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تتميز بخصوصيات جغرافية ومناخية تجعل مسألة توفير المياه للفلاحة من أكبر التحديات المطروحة، بالنظر إلى اتساع المساحة وتباين الظروف المناخية بين مناطق الشمال والجنوب، فضلا عن التذبذب المستمر في كميات الأمطار من سنة إلى أخرى.

وأبرز أن هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على مردودية مختلف الشعب الفلاحية، سواء تعلق الأمر بالمحاصيل الاستراتيجية الكبرى أو بزراعة الأشجار المثمرة والخضروات، الأمر الذي يستدعي البحث عن بدائل مستدامة تضمن استقرار الإنتاج وتحافظ في الوقت ذاته على الموارد المائية التقليدية.

وأكد حسن أن المياه المصفاة أصبحت اليوم موردا مائيا استراتيجيا يمكن أن يساهم بشكل كبير في دعم السياسة الوطنية الرامية إلى توسيع المساحات المسقية ورفع الإنتاج الفلاحي، لافتا إلى أن الجزائر تنتج حاليا ما يزيد عن 600 مليون متر مكعب من المياه المستعملة المصفاة سنويا، وهي كمية مرشحة للارتفاع بشكل معتبر خلال السنوات المقبلة لتصل إلى نحو 1,2 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2030، بفضل المشاريع الجاري إنجازها في مجال معالجة المياه وتطوير محطات التطهير والتصفية.

وأوضح أن السلطات العمومية شرعت في تنفيذ برامج عملية تهدف إلى ربط محطات التطهير بالمحيطات الفلاحية، إذ تم تحديد عشرات المحطات القابلة للاستغلال في هذا المجال، ما سيسمح بتوفير كميات معتبرة من المياه الموجهة للسقي.

وأضاف أن هذه المشاريع ستساهم في توسيع المساحات الزراعية المستفيدة من السقي المنتظم، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تحسين الإنتاجية وتحقيق استقرار أكبر في تموين الأسواق بالمنتجات الفلاحية.

كما أبرز المتحدث أن أهمية المياه المصفاة لا تقتصر على توفير مورد مائي إضافي فحسب، بل تمتد إلى تحقيق مزايا اقتصادية وفلاحية متعددة، موضحا أن هذه المياه تحتوي على بعض العناصر المعدنية والمواد العضوية التي يمكن أن تساهم في تغذية التربة وتقليل الحاجة إلى استعمال بعض أنواع الأسمدة الكيميائية، وهو ما يخفف من تكاليف الإنتاج بالنسبة للفلاحين ويحسن من مردودية الاستثمارات الفلاحية.

ونوّه رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي إلى أن التجارب الميدانية المنجزة في عدد من الولايات أثبتت نجاح هذا الخيار وفعاليته، حيث أظهرت النتائج إمكانية استغلال المياه المعالجة في سقي مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية دون تسجيل آثار سلبية عندما تتم المعالجة وفق المعايير التقنية والصحية المعتمدة.

وأكد أن هذه التجارب تعزز الثقة في إمكانية تعميم هذا النموذج على مختلف مناطق الوطن، خاصة تلك التي تعرف ضغطا متزايدا على الموارد المائية التقليدية.

خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل

في الجانب البيئي، شدد حسن على أن إعادة استعمال المياه المصفاة تمثل حلا مزدوج الفائدة، فهي من جهة تساهم في الحفاظ على الموارد المائية السطحية والجوفية وتقليل استنزافها، ومن جهة أخرى تحد من مخاطر التلوث الناتج عن تصريف المياه المستعملة في الأودية والبحار دون معالجة كافية، مُوضحا أن هذا التوجه ينسجم مع مبادئ التنمية المستدامة التي تقوم على حسن استغلال الموارد الطبيعية وضمان استمراريتها للأجيال المقبلة.

كما أشار إلى أن نجاح هذا المسعى يبقى مرتبطًا بتوفير جملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها تعميم التصفية الثلاثية للمياه، وتعزيز منظومة المراقبة والتحاليل الدورية لضمان مطابقة المياه المستعملة للمعايير الصحية والبيئية المطلوبة.

وأضاف أن الأمر يستوجب أيضًا تطوير شبكات النقل والتوزيع وربط محطات التصفية بالمحيطات الفلاحية المستهدفة، إلى جانب تكثيف برامج التكوين والتحسيس لفائدة الفلاحين من أجل ترسيخ ثقافة استعمال المياه المصفاة والتعريف بمزاياها.

وأكد المتحدث أن الاستثمارات الموجهة لهذا المجال لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أعباء مالية إضافية، وإنما باعتبارها استثمارات استراتيجية طويلة المدى ستنعكس إيجابًا على الأمن المائي والأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية للبلاد.

كما لفت إلى أن توسيع المساحات المسقية باستعمال المياه المصفاة من شأنه أن يساهم في خلق الثروة ومناصب الشغل، وتحسين ظروف العيش في المناطق الريفية، ودعم الجهود الرامية إلى تقليص فاتورة استيراد المنتجات الغذائية.

خِتاماً، أبرز كريم حسن إلى أن استعمال المياه المصفاة في توسيع محيطات السقي لم يعد خيارا ظرفيا مرتبطا بمواجهة الجفاف فقط، بل أصبح توجها استراتيجيا يفرضه الواقع المناخي والاقتصادي، مؤكدا أن نجاح هذا المسار سيمكن الجزائر من تعزيز قدراتها الإنتاجية الفلاحية وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، مع الحفاظ على مواردها المائية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي