الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بين حلم الجامعة وصدمة الرسوب.. كيف يواجه التلاميذ مرحلة ما بعد البكالوريا؟


لا تنتهي رحلة شهادة البكالوريا عند إعلان النتائج، إذ تبدأ بعدها مرحلة جديدة لا تقل حساسية، يجد خلالها الناجح نفسه أمام قرارات مصيرية تتعلق بمستقبله الجامعي، فيما يواجه الراسب تحديات نفسية تتطلب الاحتواء واستعادة الثقة بالنفس.

وبين فرحة النجاح وخيبة التعثر، تبرز أهمية الدعم النفسي والأسري لمرافقة التلاميذ في هذه المحطة المفصلية.

ويتفق خبيران، تحدثا إلى “الأيام نيوز”، على أن مرحلة ما بعد إعلان النتائج تستوجب مرافقة نفسية وتوجيها واعيا للناجحين والراسبين على حد سواء، بعيدا عن الضغوط والمقارنات، بما يساعدهم على التعامل مع المرحلة بثقة واتزان.

فمن جانبه، يرى أحمد جعدي، مختص تربوي، أن مرحلة ما بعد الإعلان عن نتائج شهادة البكالوريا تُعد من أكثر المراحل حساسية من الناحية النفسية والاجتماعية، لأنها لا تقتصر على إعلان النجاح أو الرسوب، إنما تمثل أيضا محطة فاصلة ترسم ملامح المستقبل وتفرض على التلاميذ وأسرهم تحديات جديدة تتطلب المرافقة والتوجيه.

الدعم الأسري والنفسي يصنع الفارق بعد إعلان النتائج

وأوضح أن الأنظار تتجه عادة إلى النتائج في حد ذاتها، بينما تبقى المرحلة التي تليها أكثر أهمية، إذ يعيش الناجحون والراسبون، على حد سواء، ضغوطا نفسية تختلف في طبيعتها، لكنها تستدعي جميعها الدعم والحوار البنّاء الذي يساعد كل طرف على استيعاب حقيقة هذه المرحلة والتعامل معها بطريقة سليمة.

وأشار إلى أن الطالب الناجح لا يكون بمنأى عن الضغوط، حيث يواجه ما يُعرف بـ”قلق المستقبل”، نتيجة انتقاله إلى مرحلة جديدة تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالتخصص الجامعي والمسار المهني.

وأبرز جعدي أن من أبرز التحديات التي تواجه الناجحين صدمة المعدل الذي قد يحول دون الالتحاق بالتخصص الذي كانوا يطمحون إليه، إضافة إلى حيرة الاختيار بين الرغبة الشخصية وتوجيهات الأسرة ومتطلبات سوق العمل، فضلا عن صعوبة الانتقال من محيط الثانوية إلى الحياة الجامعية التي تقوم على قدر أكبر من الاستقلالية وتحمّل المسؤولية.

وأكد المتحدث أن المعدل الدراسي لا يمثل سوى مفتاح للالتحاق بالجامعة، في حين يبقى الشغف والإرادة والقدرة على التكيف عوامل أساسية لتحقيق النجاح والتميز في أي تخصص.

وفي المقابل، اعتبر المختص التربوي أن التلاميذ الذين لم يوفقوا في اجتياز الامتحان يعيشون ظروفا نفسية صعبة قد تصل إلى ما يشبه “الحداد النفسي”، خاصة عندما يقترن التعثر بنظرة اجتماعية سلبية أو بمشاعر جلد الذات، ما يدفع بعضهم إلى العزلة وتجنب الاحتكاك بالمحيط خوفا من اللوم أو الشفقة.

وأضاف أن الخطر يكمن في ربط الطالب قيمته الشخصية بنتيجة امتحان، وهو ما قد يفاقم معاناته النفسية إذا لم يجد من يحتويه ويمنحه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، مشددا على أن التعثر في امتحان لا يعني نهاية الطريق، وإنما يمثل تجربة يمكن تجاوزها بالإصرار وإعادة المحاولة.

وفي هذا السياق، دعا محدثنا الأولياء إلى الاضطلاع بدورهم في توفير الدعم النفسي لأبنائهم، سواء كانوا ناجحين أو راسبين، من خلال الإصغاء إليهم وتشجيعهم والابتعاد عن اللوم والمقارنات، مع اعتماد خطاب إيجابي يعزز الثقة بالنفس ويجدد الدافعية نحو النجاح.

كما أشار إلى أهمية مرافقة الناجحين في اختيار تخصصاتهم الجامعية وفقا لقدراتهم وميولاتهم، بعيدا عن إسقاط أحلام الأسرة أو الضغوط الاجتماعية عليهم.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد أحمد جعدي على أن شهادة البكالوريا تبقى امتحانا أكاديميا وليست مقياسا لقيمة الإنسان أو لقدرته على النجاح في الحياة، داعيا الأسرة وكل الفاعلين في المنظومة التربوية إلى أن يكونوا سندا حقيقيا للشباب في هذه المرحلة، لأن بناء الإنسان نفسيا وفكريا يظل أساس النجاح وبناء المجتمع.

الدعم النفسي يحمي الناجحين من الضغوط والراسبين من الإحباط

من جهتها، أفادت حفصة آمال زعيون، مختصة في علم الاجتماع العائلي، أن مرحلة ما بعد الإعلان عن نتائج شهادة البكالوريا لا تقل أهمية عن الامتحان نفسه، إذ يحتاج الناجحون والراسبون، على حد سواء، إلى دعم نفسي وأسري يساعدهم على تجاوز هذه المرحلة واتخاذ القرارات المناسبة لمستقبلهم.

وأوضحت أن الدعم الموجه للناجحين لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالنجاح، إنما يجب أن يركز أيضا على حسن توجيههم لاختيار التخصص الجامعي الذي ينسجم مع ميولاتهم وقدراتهم، بعيدا عن الضغوط الأسرية أو الرغبة في فرض اختيارات الأولياء عليهم، حتى وإن كانت بدافع الحرص على مستقبلهم.

وأبرزت الدكتورة زعيون أن بعض الأولياء يدفعون أبناءهم نحو تخصصات تتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، أو يمارسون عليهم ضغطا بسبب المعدل المحقق، من خلال مطالبتهم بنتائج أعلى، وهو ما قد يحوّل فرحة النجاح إلى مصدر للتوتر والضغط النفسي.

وأكدت المتحدثة أن شهادة البكالوريا تمثل محطة مفصلية في المسار الدراسي، لكنها ليست المعيار الوحيد الذي يحدد النجاح المهني أو الشخصي، داعية الأولياء إلى التعامل بقدر أكبر من التفهم مع النتائج المحققة، وعدم ربط مستقبل أبنائهم بمعدل البكالوريا فقط.

وأضافت أن التوجيه السليم ينبغي أن يكون مدروسا، ويراعي في الوقت نفسه متطلبات سوق العمل وميولات الطالب وشخصيته وقدراته، سواء كانت علمية أو أدبية أو تقنية، مشيرة إلى أن اختيار التخصص المناسب يزيد من فرص النجاح والاستمرار في الدراسة، حتى وإن خالف التوقعات الاجتماعية أو رغبات الأسرة.

كما دعت التلاميذ الناجحين إلى عدم الاستسلام لضغوط المقارنة مع الآخرين، سواء داخل الأسرة أو بين الأصدقاء، والحرص على اختيار التخصص الذي يشعرون بالقدرة على الإبداع والاستمرار فيه، مع الاستفادة من آراء الأولياء والأساتذة والمختصين قبل اتخاذ القرار النهائي.

وأشارت المختصة في علم الاجتماع العائلي إلى أن الدعم النفسي الحقيقي للناجح يتمثل في إشعاره بأن دخوله المرحلة الجامعية يمثل بداية مسار جديد لبناء مستقبله، مؤكدة أن النجاح لا يتوقف عند الحصول على الشهادة الجامعية، وإنما يرتبط أيضاً باكتساب المهارات وتطوير الذات بصورة مستمرة.

وفيما يتعلق بالراسبين، اعتبرت أن من بذلوا جهدا حقيقيا ولم يوفقوا في اجتياز الامتحان هم الأكثر حاجة إلى الاحتواء النفسي، خاصة من قبل الأسرة باعتبارها المحيط الأول الداعم، حتى يتمكنوا من تجاوز مشاعر الإحباط واستعادة الثقة بالنفس.

وأكدت محدثتنا أن الرسوب في البكالوريا لا يعني نهاية الطريق، مستشهدة بالعديد من النماذج التي نجحت بعد إعادة اجتياز الامتحان، أو تمكنت من تحقيق نجاحها عبر مسارات تكوينية ومهنية أخرى، مشددة على أهمية الإصرار والاستمرار في تطوير المهارات وعدم الاستسلام للفشل.

كما حذرت من خطورة المقارنة بين الراسبين وغيرهم من الناجحين، معتبرة أنها من أكثر الممارسات التي تعمق الشعور بالإحباط، داعية الأولياء إلى الابتعاد عن هذا الأسلوب، والعمل بدلا من ذلك على توفير بيئة نفسية إيجابية، وإخراج أبنائهم من أجواء التوتر وخيبة الأمل، وتشجيعهم على ممارسة أنشطة مختلفة أو تغيير الأجواء بما يساعدهم على استعادة توازنهم النفسي.

وأضافت أن من لم يوفق في الحصول على شهادة البكالوريا أكثر من مرة يمكنه استثمار وقته في التكوين المهني أو اكتساب مهارات جديدة، مع إعادة اجتياز الامتحان بصفة مترشح حر إذا ظل الالتحاق بالجامعة هدفه الأساسي.

خِتاماً، شددت الدكتورة زعيون على أن الدعم النفسي بعد إعلان النتائج ينبغي أن يقوم على احترام شخصية كل تلميذ وميولاته، سواء كان ناجحا أو راسبا، مع تجنب المقارنة، واعتماد توجيه مدروس يوازن بين رغبات الطالب ومتطلبات سوق العمل، دون أن تطغى تطلعات الأولياء أو الاعتبارات الاجتماعية على اختياراته الشخصية.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑