بين سرديتيّ الجلاّد والضحية.. هل يعيد الأرشيف الدفء للعلاقات الجزائرية الفرنسية؟

كُتِب تاريخ الثورة الجزائرية ضمن ثنائية حدّاها هما سرديـّتا الجلاّد والضحيّة. ولمـّا كسرت الضحية الطوق وانعتقت، حمل الجلاّد كل ما يمكن أن يدينه وانصرف، ولم يترك وراءه إلا ما أفلت من أيادي الناهبين وضمن هذا الجدال الدائر بين السرديتين غير المتآلفتين ينضوي مضمون مستندات الأرشيف الفرنسي في الجزائر المزمع الكشف عنها، وضمن هذا الجدال أيضا، يجب أن يُقرأ القرار الذي أعلنت عنة روزلين باشلو، الوزيرة الفرنسية للثقافة والمسؤولة عن الأرشيف الوطني.

والحال هذه، فإنّ خلف ما سيكاشف الجلاّد الفرنسيّ به العالم تتوارى سرديـّة لـ”حرب الجزائر” -مثلما يسميها- مترعةٌ بالذاتية الكولونيالية، مفعمةٌ بالتدليس التاريخي، ومنزوعٌ منها كلّ ما من شأنه المساس “بالمصلحة العليا للأمّة الفرنسية أو الكشف عن أسرار الدفاع الوطني الفرنسي”. صحيح أنّ باشلو لم تشر إلى أيّ استثناءات حين أعلنت عن القرار ، لكنّ القيد المذكور منصوص عليه في الجريدة الرسمية الفرنسية الصادرة شهر مارس/آذار المنصرم، وهو نفسه ما يلحّ عليه إيمانويل ماكرون على نحو متواتر لدى استدعائه موضوع ماضي فرنسا الكولونيالي في الجزائر.

سيكون موغلا في السذاجة، أو مفرطاً في حسن الظنّ المُساء توظيفه، كلّ من يعتقد أنّ قرار باشلو يروم تحرٍّ للموضوعية أو إحقاقا لإنصاف تاريخي ممّن كان الخصم والحكم!

لا يُتوقـّع إذاً، ونحن عالمون بهذا التقييد، أن تخالف الوزيرة نصّ القانون وقرار الرئيس، ولا أن يُتاح للجمهور ما قد يمسّ “بمصلحة فرنسا العليا”. سيكون واهما أيضا كلّ من يترقّب أن تسمح يد السلطة الفرنسية العابثة بالماضي بالكشف عن تاريخها الكولونيالي المشين، فحينها، جزء كبير من أسطورة رسالتها الحضارية إلى الشعوب سينهار، وستنكشف وتتآلى دلائل إدانتها التي تتفانى في مُدارتها وإخفائها عن العالم.

ولمّا نضع في الحسبان أنّ قرار فتح الأرشيف سيمسّ حصرا التحقيقات التي قام بها جهازا الدرك والشرطة في فترة الثورة الجزائرية، دون أيّ حديث عن أرشيف الجيش، صاحب اليد الطولى وقتئذ، ندرك أنّ خلف هذا التخصيص الموارِب تقع تعمية لا تنطلي سوى على الذين لم يطّلعوا على ما حصل في الجزائر إلا لماما، وأنـَّنَا أمام “تلويح” بالجزرة استجلابا لمكسب سياسي واستراتيجي يتعذر تحصيله بدون ترميم العلاقة مع الجزائر.

أما المتمحّصون الذين خبروا فخاخ فرنسا، فيعون تمام الوعي أنّ المكاشفة المزعومة لن تمسّ سوى نزر يسير من المستندات والوثائق ولن تضيء إلا زاوية متناهية الضيق من تاريخ الثورة الجزائرية. إنـّه جزء صغير من الحقيقة لا الحقيقة كلها، ودون فتح أرشيف الجيش الفرنسي في الجزائر ستبقى تفاصيل كثيرة عن الفترة الكولونيالية مغمورةً بالصمت والظلام. سيكون مُوغِلا في السذاجة، أو مُفرِطاً في حسن الظنّ المُساء توظيفه، كلّ من يعتقد أنّ قرار باشلو يروم تحرٍّ للموضوعية أو إحقاقا لإنصاف تاريخي ممّن كان الخصم والحكم!

يجب ألا يغيب عن ذهن كلّ متابع أنّ قرار فتح الأرشيف سيمسّ حصرا التحقيقات القضائية التي قام بها الدرك والشرطة الفرنسيين في الجزائر، وهنا، تستوقفنا عبارة “تحقيق”.

السردية الفرنسية التي تزعم مواجهةً شُجاعة لأحداث الماضي تتأسّس على الاعتراف، تعلن صراحة التنصّل من كلّ مسؤولية محتملة عمّا حدث وفق معادلة “اعترافنا لا يعني مسؤوليتنا”

قانونيا، معلوم أنّ محاضر التحقيقات كُتبت بأيدي المحتلّ وفق ما لا يتعارض مع مصلحته ودون إشراك للضحية أو لأيّ جهة محايدة في العملية، فهل بعد هذا يُتوقع إنصافٌ للضحية من تحقيقات صيغت بمنتهى الذاتية؟ ثمّ إنـّنا نعلم أنّ التحقيقات لا تجرى إلا بعد حادثة ثمّ شكوى، فهل كلّ ما حصل في الجزائر من حوادث، زمن الاحتلال، لاسيما فظائع الجيش الفرنسي، قُدّمت بخصوصه شكاوى وفتحت بشأنه تحقيقات؟طبعا لا. 

فلنقرّر إذن أنـّنا بصدد صيغة جديدة لسردية كولونيالية هي في طور التشكل عرّفتها باشلو ضمنيا، وبلغة مداهنة، بأنـّها تتوخّى معارضة وإبطال تلك السردية (الجزائرية) التي كتبت وفق مرويـّات مزوّرة -حسبها-تجانب حقيقة ما حصل في الجزائر إبّان فترة الاستعمار الفرنسي. سوف لن نحتاج إلى جهد استقصائي كبير لندرك أنّ ما قالته باشلو ما هو إلاّ صيغة محسّنة نوعا ما عمّا قاله ماكرون حين تحدّث عن نظام عسكريّ في الجزائر يتغذّى -لكي يبقى-على “ريع للذاكرة قوامه تزييف التاريخ وبثّ كراهية فرنسا في وجدان الشعب الجزائري”.

بالنسبة لفرنسا المتضررة في مالي نتيجة التوتر في علاقتها مع الجزائر، فإنّ أكبر ما تطمح إليه في هذا الظرف الحرج هو أن توقف ديناميكية تضرر مصالحها في الساحل، وليبيا نسبيا، التي حفزتها أزمتها الدبلوماسية مع الجزائر.

بيد أنّ هذه السردية الفرنسية التي تزعم مواجهة شُجاعة لأحداث الماضي تتأسّس على الاعتراف، تعلن صراحة التنصّل من كلّ مسؤولية محتملة عمّا حدث وفق معادلة “اعترافنا لا يعني مسؤوليتنا”، وبالنتيجة، يبقينا في مأمن من كل تعويض. هذا تحديدا ما يروّج له ماكرون في خطاباته حول ملف الذاكرة الفرنسية سعيا منه إلى إرضاء جموع الناخبين المرتقبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ذلك أن المعادلة التي تنبني عليها أطروحته تستهدف كسب أصوات ذوي الأصول الجزائرية من جهة، ودون استفزاز اليمين المتطرف وأنصاره.. من جهة أخرى. 

سياسيا، أزعم أنّ أقرب قراءة موضوعية لقرار فرنسا بخصوص الأرشيف، هي تلك التي تتعاطى معه بوصفه حدثا مرتبطا بما سبقه وسيكون علـّة لما سوف يأتي بعده. أقصد هنا عدم فصل توقيت قرار وزيرة الثقافة الفرنسية عن زيارة العمل التي قادت وزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر العاصمة في الثامن من كانون الأول /ديسمبر الجاري.

لقد جاء قرار رفع السرية عن جزء من أرشيف ثورة التحرير الجزائرية في توقيت سِمته السعي الفرنسي إلى استعادة الثقة في العلاقات مع الجزائر، فهو على هذا النحو خطوةٌ تتلو خطوةَ اعتراف لودريان بالدور المحوريّ للجزائر إقليميا وإلحاحه في التأكيد على احترام فرنسا للسيادة الجزائرية ضمن شراكة عملياتية. يمكن أن نقرّر إذن أنّ خطوة فرنسا بخصوص الأرشيف ليست سوى خطوة على مضض تأتي في سياق بحث عن تهدئة مع الجزائر لا يمكن تحصيلها دون تلبية شروط الأخيرة، وعلى تواضعها ستُعدُّ مكسبا نسبيا للجزائر التي فرضت شروطها من أجل عودة علاقتها مع فرنسا.

بالنسبة لفرنسا المتضررة في مالي نتيجة التوتر في علاقتها مع الجزائر، فإنّ أكبر ما تطمح إليه في هذا الظرف الحرج هو أن توقف ديناميكية تضرر مصالحها في الساحل، وليبيا نسبيا، التي حفّزتها أزمتها الدبلوماسية مع الجزائر.