الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

بين صمود إيران وتصدّع الغرب.. ملامح عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية

Author
ربيعة خطاب 28 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الحسابات الدولية، تتكثف التصريحات السياسية التي تعكس عمق الخلافات بين القوى الكبرى، بالأخص مع استمرار الأزمة الناتجة عن الحرب ضد إيران وتداعياتها على المشهد العالمي. وفي هذا السياق، تبرز مواقف أوروبية لافتة تحمل في طياتها انتقادات مباشرة للسياسات الأمريكية، وتسلط الضوء على تعقيدات إدارة الصراع ومساراته غير الواضحة.

ضمن هذا الإطار، جاءت تصريحات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، التي تناول فيها أداء الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران، مشيرا إلى ما وصفه بصعوبات واضحة في تحقيق نتائج ملموسة، في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية دون اختراق حقيقي للأزمة.

وفي هذا السياق، يقدم الباحث في العلاقات الدولية، نبيل خالد، لجريدة “الأيام نيوز”، قراءة حول تداعيات التصريحات التي أدلى بها المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

وفي تفسيره لاعتبار ميرتس أن إيران “تذل الولايات المتحدة”، يرى نبيل خالد أن طهران تعتمد على “صبر استراتيجي” وتكتيك “المماطلة المنهجية”، حيث تجزّئ الملفات وتربطها بالسياقات الإقليمية، ما يخرج الولايات المتحدة من موقع “الهيمنة” إلى موقع “رد الفعل العاجز”. كما يضيف نبيل خالد أن دور الحرس الثوري كجهة عسكرية – أمنية غير تقليدية في التفاوض يعمّق التعقيد ويضعف قدرة واشنطن على فرض إرادتها، وهو ما يُقرأ لدى حلفاء مثل ألمانيا كـ”تآكل في الهيبة الأمريكية”.

وفيما يتعلق بدلالة فشل زيارة إسلام آباد، يشير نبيل خالد إلى أن هذا الفشل يعكس ثلاثة تحولات أساسية: أولا، تراجع النفوذ الأحادي لواشنطن في منظومة التحالفات التقليدية. ثانيا تحوّل باكستان نحو سياسة “التوازن بين القوى”، (أمريكا، الصين، إيران)، بعيداً عن الانحياز الكامل. ثالثا، فشل سياسة “التطويق الدبلوماسي” لإيران، ما يؤكد أن العزل لم يعد أداة فعالة في نظام دولي متعدد الأقطاب.

أما بخصوص ما يعرف بـ”القائمة السوداء” والتوترات داخل حلف شمال الأطلسي، فيؤكد نبيل خالد أن إعداد واشنطن لقائمة عقوبات ضد دول من الحلف يكشف عن أزمة عميقة؛ إذ لم يعد الناتو تحالفا قائما على التضامن التلقائي، بل تحوّل إلى ساحة تفاوض وصراع أولويات. ويضيف أن أوروبا، وخاصة ألمانيا، ترى أن التصعيد مع إيران يضر بمصالحها الاقتصادية والأمنية، في مقابل تبني الولايات المتحدة نهجا صداميا، وهو ما يُخرج الخلاف إلى العلن ويعكس تآكل القيادة الأمريكية داخل الحلف.

وفي المقابل، يصرح الباحث السياسي، عباس فاصل علوان، لـ”الأيام نيوز”، بأن الفشل الذي منيت به الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران قد يشكل نقطة تحوّل كبرى في الوعي العالمي، معتبرا أن ما حدث يمثل إخفاقا إستراتيجيا لقوة لطالما اعتبرت الأقوى في التاريخ الحديث.

ويرى علوان أن المشهد الراهن، المتزامن مع التوتر المتصاعد في مضيق هرمز، كشف عن تراجع واضح لما كان يعرف بـ”القوة الناعمة” الغربية، سواء على المستوى المعنوي أو المادي، خاصة في ظل تداعيات الحرب على غزة وما أفرزته من صور الإبادة الجماعية، إلى جانب ما وصفه بمظاهر العنصرية البيضاء والعجز السياسي في واشنطن، وهو ما خلّف آثارا نفسية وعاطفية عميقة على صورة الغرب في الوعي العالمي.

ويؤكد أن الحرب على إيران، التي صُممت لتحقيق هدفين رئيسيين يتمثلان في إرضاء توجهات الكيان الصهيوني المتشددة وإسقاط الجمهورية الإسلامية، لم تنجح في تحقيق أي منهما، بل أظهرت، على العكس، قدرة الدولة الإيرانية على الصمود في مواجهة مختلف أشكال الضغوط والإكراه الأمريكي، بما يعكس ملامح تشكل عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية.

ويضيف فاصل علوان أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك قوة مادية وعسكرية هائلة، غير أن ما تآكل، على نحو يصعب ترميمه، هو مصداقية سرديتها الكبرى، التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها المركز العقلاني للتقدم الإنساني والمثال الذي ينبغي أن يحتذي به العالم.

ويشير فاصل علوان إلى أن حالة النفور المتنامية تجاه الولايات المتحدة على المستوى الدولي تمثل حدثا واسع التأثير، يتجاوز في رمزيته خيبات الأمل التاريخية التي عرفتها أوروبا تجاه الثورة الفرنسية، أو الانهيار المعنوي للفكرة الشيوعية خلال القرن العشرين.

ويشير علوان إلى أن الخطاب الغربي، وعلى مدى عقود، تعامل مع بقية دول العالم باعتبارها مجرد انحرافات عن مسار الحداثة الغربية والمركزية الأنجلو-ساكسونية، وهو ما جعل دولا مثل إيران تقرأ دائما خارج سياقها الحضاري والتاريخي المستقل، وتختزل في صورة مقاومة غير طبيعية لمسار الاندماج مع النموذج الغربي.

ويؤكد علوان أن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في أن تآكل السردية الغربية لا يعني تراجع قدرتها على ممارسة العنف، موضحا أن المحور الأمريكي الصهيوني لا يزال قادرا على إلحاق أضرار كبيرة، لكنه لم يعد يمتلك ذات الشرعية الرمزية أو السلطة المعنوية التي كانت تمنحه القدرة على تشكيل تصورات العالم لمستقبله.

ويؤكد علوان على أن العالم، رغم غياب قوة مهيمنة بديلة قادرة على تقديم رؤية شاملة جديدة، بات أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة ما بعد أمريكا، حيث بدأت تتشكل ملامح وعي عالمي أكثر تحررا من المركزية الغربية، وأكثر قدرة على قراءة التحولات الدولية بعيدا عن إرث الهيمنة التقليدية.

وفي السياق ذاته، يصرح الباحث السياسي، حاتم رشيد، لـ”الأيام نيوز”، بأن مؤشرات المرحلة الحالية توحي بتراجع نزعة الحرب لدى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مقابل استمرار النزعة التصعيدية لدى الكيان الصهيوني، التي تبدو، أكثر ميلا لخيار المواجهة العسكرية.

ويشير رشيد إلى أن خيار الحرب الشاملة وواسعة النطاق، لم يعد مطروحا بقوة على طاولة ترامب، غير أن ذلك لا يستبعد اللجوء إلى ضربات محدودة توظف في إطار الضغط التفاوضي، بما قد يشمل عمليات برية محدودة تنفذها قوات خاصة، أو إفساح المجال أمام الكيان الصهيوني لمواصلة عملياته العسكرية، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بإيران، مع إمكانية الجمع بين هذه السيناريوهات.

ويضيف أن كلا من الولايات المتحدة وإيران، رغم الخطاب التصعيدي المتبادل، يميلان عمليا إلى تغليب خيار المفاوضات، في ظل إدراك الطرفين لحتمية تقديم تنازلات متبادلة، لا سيما في ما يتعلق بالملف النووي.

ويؤكد رشيد أن من أبرز مآلات هذا المسار، احتمال ظهور الولايات المتحدة بمظهر من خاض حربا دون تحقيق مكاسب واضحة، في حين قد تتمكن إيران من تقديم نفسها كدولة صمدت ولم تُهزم، وهو ما من شأنه أن يعزز موقعها الإقليمي بدلاً من إضعافه.