الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

بين طاعة واشنطن وكراهية إيران.. العقل الألماني في غيبوبة

Author
رتيبة عماري 16 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يكشف العدوان الأمريكي–الصهيوني مدى انغماس ألمانيا في فخّ التملّق الذي يثير الاستغراب ويشي بفقدان العقل. يتجلّى هذا الانغماس في مفارقتين صادمتين: الأولى تجاه إيران، الدولة الضحية، حيث تطالبها برلين دون خجل، بوقف الحرب وكأنها المعتدية؛ والثانية تجاه إسبانيا، الحليف المفترض، إذ تتركها لمواجهة تهديدات أمريكية مباشرة دون تقديم أي دعم أو تضامن. هكذا تبدو برلين: كلما تعلّق الأمر بالولايات المتحدة، يغيب المنطق والعقل، وتصبح القرارات صدى للولاء الأعمى، فيما العدالة والتضامن الأوروبي يذوبان في صمت مريب. وفي هذا السياق، اعتبر خبراء – تحدّثوا لـ”الأيام نيوز” – أن هذه المواقف تكشف ازدواجية مأساوية في السياسة الألمانية: انزلاق نحو الخنوع السياسي والتصرفات العبثية، مع التباس الموقف تجاه الحلفاء والخصوم.

إسماعيل بقائي

علّقت وزارة الخارجية الإيرانية على مطالبة المستشار الألماني فريدريتش ميرتس طهران بوقف الحرب، واعتبرت أن مناشدة الضحية بذلك “تتجاوز حدود السخافة”. وكتب المتحدث الرسمي باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، في منشور على منصة “إكس”: “المستشار الألماني يناشد إيران لإنهاء الحرب!”، مضيفا: “هذا يتجاوز حدود السخافة أن يُطلب من إيران – التي هي ضحية عدوان مستمر وغير مبرر – أن تضع حدا للصراع بطريقة أو بأخرى”. وتساءل بقائي: “لماذا لا توجهون نداءاتكم بدلا من ذلك إلى المعتدين القساة المسؤولين عن قصف وقتل الإيرانيين؟ لماذا لا تطالبون بمحاسبة الولايات المتحدة و(إسرائيل) على عدوانها الوحشي وجرائمها البشعة؟”.

خوسيه مانويل ألباريس

وفي نفس السياق، كان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قد أبدى استياءه من غياب التضامن الألماني مع مدريد في مواجهة تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد رفض إسبانيا السماح للجيش الأمريكي باستخدام قاعدتين عسكريتين لضرب إيران.

وقال ألباريس في مقابلة مع التلفزيون الحكومي الإسباني “TVE”: إن إسبانيا شعرت بالدهشة من موقف المستشار الألماني الذي لم يُبد أي تضامن، رغم وقوفه إلى جانب ترامب أثناء توجيه التهديدات واتهام مدريد بقطع العلاقات الاقتصادية. وأضاف أنه أبلغ نظيره الألماني خلال اتصال هاتفي باندهاشه من هذا الصمت، مشيرا إلى أن مدريد كانت تتوقع دعم دولة تشاركها العملة الموحدة والسياسة التجارية والسوق الأوروبية المشتركة.

جاء هذا على خلفية مؤتمر صحفي مشترك بتاريخ 3 مارس في البيت الأبيض، حيث شن ترامب هجوما مباشرا على إسبانيا بسبب رفضها السماح باستخدام طائرات الجيش الأمريكي في قاعدتي “مورون دي لا فرونتيرا” و”روتا” في إشبيلية وقادش بإقليم الأندلس، وقال: “قالت إسبانيا إننا لا نستطيع استخدام قواعدها، هذا غير صحيح. يمكننا استخدامها إذا أردنا. لا أحد يستطيع أن يقول لنا لا تستخدموا القواعد. إسبانيا في وضع سيء للغاية الآن”. وبعد هذا التصعيد، لم يتخذ ميرتس أي موقف لدعم مدريد، ليبرز التناقض بين موقفه تجاه الضحية الإيرانية وصمته أمام الضغوط الأمريكية على حليف أوروبي.

بين الناتو وخطة مارشال: كيف جعلت واشنطن برلين شبه عاجزة

ويشير حسين الأسعد، محلل سياسي من العراق، إلى أن الموقف الألماني ليس عشوائيا، بل هو نتاج تراكم تاريخي وجيوسياسي. ويشرح أن العلاقات بين واشنطن وبرلين تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في إنهاء حكم النازية وإعادة إعمار ألمانيا وأوروبا عبر خطة مارشال (Marshall Plan)، التي أنفقت خلالها حوالي 12 مليار دولار، وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت.

حسين الأسعد

وأضاف أن عضوية ألمانيا في حلف الناتو ووجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها يمنح واشنطن تأثيرا مباشرا على القرار السياسي الألماني، بينما يفرض على برلين تجنب مواجهة روسيا والصين. كما حوّل الدستور الألماني البلاد إلى دولة تعتمد على واشنطن في الشؤون الدفاعية والأمنية، ما جعل ألمانيا شبه عاجزة عن اتخاذ موقف مستقل.

ويشير الأسعد أيضا إلى أن العلاقات الألمانية–الإيرانية تعود إلى فترة ألمانيا الهتلرية وإيران البهلوية، حيث كانت برلين تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي في مجالات الصناعات الثقيلة والبنية التحتية والطاقة. ومع ذلك، فإن المواقف الألمانية الحديثة لا تتوافق مع إيران في ملفات عديدة، وهو ما يفسر تشدد ميرتس تجاه طهران ومحاولته التهدئة في الوقت نفسه دون مواجهة الولايات المتحدة مباشرة.

أحمد البحري

أما أحمد البحري، محلل سياسي من اليمن، فيرى أن ألمانيا تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى قاعدة أمريكية، حيث توجد أكبر قاعدة للقوات الأمريكية في أوروبا، مما يجعلها تسير وفق ما تريده واشنطن حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها الوطنية. وأضاف أن عقدة الهولوكوست واستخدامها للضغط على ألمانيا لضمان تعويضات ودعم مستمر لـ(إسرائيل) يزيدان من تبعية برلين، بينما أزمة الطاقة ونقصها يحدان من قدرتها على اتخاذ أي موقف مستقل تجاه إيران أو مواجهة التهديدات الأمريكية، مما يعكس هشاشة ألمانيا وموقف الاتحاد الأوروبي بأكمله.

علي فوزي

ألمانيا بين الولاء لأمريكا وانحيازها لـ”إسرائيل” على حساب أوروبا

ويشير علي فوزي، محلل سياسي من مصر، إلى أن مطالبة ميرتس إيران بوقف الحرب تعكس ارتباكا سياسيا داخل الدبلوماسية الأوروبية، حيث توجيه النداء للضحية بدل المعتدي يمثل خللا في التوازن السياسي والدبلوماسي. وأضاف أن صمت برلين تجاه تهديدات الولايات المتحدة لإسبانيا يظهر أن ألمانيا تفضل الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن على حساب التضامن الأوروبي، وهو ما يضعف الموقف الأوروبي أمام القوى الكبرى ويتيح لها إعادة تشكيل التوازنات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

نميري عز الدين

ويؤكد نميري عز الدين، باحث في العلاقات الدولية، أن ألمانيا مجبرة على دعم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في مواقفها تجاه إيران، نتيجة التحالفات العسكرية والاتفاقيات الأمنية المبرمة. وأوضح أن تصريحات ميرتس خدمت مصالح (إسرائيل) في الشرق الأوسط، لا العدالة أو التوازن الدولي، إذ تركز القوى الكبرى على ضمان أمن الكيان الصهيوني والقضاء على أي قوة معادية تمثل تهديدا، ما جعل إيران اللاعب القوي الوحيد المتبقي في الشرق الأوسط، بعد تدمير دول كانت تراها واشنطن “مارقة”، مثل العراق وسوريا واليمن. ويستمد هذا المشروع من ما يعرف بـ”مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد”، الذي يهدف إلى توسيع النفوذ الصهيوني على الدول المجاورة، وهو ما يفسر انحياز ألمانيا الصارخ لمصالح الكيان الصهيوني على حساب المعايير الدولية والعدالة.

كل هذه التحليلات تكشف عن ازدواجية الموقف الألماني، الذي يميل بشدة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني على حساب العدالة والتضامن الأوروبي، ويبرز هشاشة برلين أمام النفوذ الأمريكي والمصالح الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط، حيث تصبح ألمانيا في موقع ضعيف بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والعسكرية والولاء للاستراتيجية الأمريكية، دون القدرة على التصرف بشكل مستقل.