الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بين عراقة “هيبون” وأصالة “البلوزة”.. كيف تُحصّن الجزائر سرديتها الحضارية في سجلات اليونسكو؟

Author
هارون عمري 05 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تطرح التحولات المتسارعة في صراع الهويات تساؤلا جوهرية حول قدرة الشعوب على حماية خصوصيتها الثقافية من التذويب أو الانتحال؛ فكيف يمكن تحويل “خيط حرير” في بلوزة وهرانية، أو “أهزوجة” لمداحة في زاوية ريفية، إلى وثيقة سيادية تفرض احترامها عالميا؟

يمثل رهان الحفاظ على التراث اليوم استراتيجية وطنية شاملة، ترتقي بالتعاطي مع الماضي نحو التوثيق المؤسساتي الفعال، وتهدف إلى تدوين العبقرية الجزائرية في سجلات منظمة اليونسكو.

وبين عراقة حجارة “هيبون” الضاربة في التاريخ، ورهافة “البلوزة” المنسوجة بالمهارة الحرفية وامتداد صوت المداحات بأهازيج المدائح النبوية، ورسوخ الألعاب التقليدية في الذاكرة الشعبية، ترسم الجزائر خارطة طريق ثقافية تسعى لتحويل الموروث اللامادي والمواقع الأثرية إلى “قوة ناعمة” تُبهر العالم وتصون حقوق الأجيال، وبما يضمن استمرارية الإشعاع الحضاري للجزائر في ظل التنافسية العالمية على “ملكية الرمز”.

فن “البلوزة”.. بوتقة التفاعلات الجمالية وسيميائية اللباس

​يُعد ملف “فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير.. معارف، ومهارات ومراسم”، المودع رسميا المودع على مستوى منظمة اليونسكو بداية هذا الأسبوع، وثيقة أنثروبولوجية بصرية تؤرخ لتطور الذائقة الحضرية والريفية على حد سواء؛ فهذا اللباس التقليدي يختزل في طياته قرونا من التراكم المعرفي المرتبط بصناعة النسيج والتطريز اليدوي الدقيق.

إن التركيز على “المعارف والمهارات” في هذا الملف يهدف إلى حماية التقنيات المعقدة التي تتقنها حرفيات المنطقة، مثل “الفتول”، “السمسم”، وتوظيف الأقمشة الحريرية الفاخرة كالمنسوج، وهي مهارات تنتقل عبر أجيال من النسوة لتشكل نظاما رمزيا يعبر عن المكانة الاجتماعية والانتماء الجغرافي.

ويساهم تدوين هذا العنصر في اليونسكو في تحويل “البلوزة” من لباس احتفالي محلي إلى إرث إنساني موثق، يضع ضوابط صارمة تحمي أصالته من التشويه أو الاقتباس غير القانوني، ويمنح الحرفيين والباحثين مرجعا علميا ثابتا يكرّس سيادة الجزائر على هذا الصرح الجمالي، ويبرز البعد الاقتصادي لحرفة نسوية متجذرة شكلت تاريخيا مصدر استقلالية مالية للمرأة الحرفية.

اللباس التقليدي في الجزائر… رهان الهوية بين التوثيق والوعي المجتمعي

يشكل اللباس التقليدي أحد أبرز تمظهرات الهوية الثقافية في الجزائر، في سياق يتزايد فيه الوعي بضرورة صون التراث المادي، وسط تحولات عالمية متسارعة. وتبرز الجهود الرسمية، على غرار إدراج عناصر من الأزياء ضمن قوائم الحماية الدولية، كجزء من مقاربة أوسع لتثبيت الخصوصية الثقافية ضمن المنظومة العالمية.

د.عبد الحق شعلان

في هذا السياق، يرى كاتب ومدير دار نشر “أوكسجين” وأستاذ جامعي، عبد الحق شعلان، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن الثقافة تمثل منظومة شاملة تجمع القيم والمعطيات التي تمنح الإنسان أبعادا جمالية وحضارية، ضمن تدرج إنساني يعكس خصوصية كل مجتمع. وأوضح أن مفهوم “العمران”، كما طرحه ابن خلدون، يُعد أحد تجليات هذه الثقافة، باعتباره عنصرا يعكس هوية المجتمع ويميزه عن غيره.

وأضاف أن اللباس بدوره يشكل أحد أهم مقومات هذه الهوية، إذ يمنح المجتمع خصوصيته وفرادته، ما يطرح تساؤلات حول مدى وعي الدول والمجتمعات بأهمية الحفاظ على هذا الإرث المادي، وسبل تحويله إلى بعد حضاري فاعل داخل المنظومة الثقافية.

وأشار شعلان إلى أن الخطوات التي بادرت بها وزارة الثقافة، من خلال تقديم ملف لباس “البلوزة” إلى منظمة اليونسكو، تعكس إدراكا رسميا لأهمية حماية الألبسة التقليدية، باعتبارها جزءا من هوية الجزائر التي تزخر بتنوع كبير في الفنون والطبوع والأزياء.

واستحضر في هذا السياق أطروحات المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي خصص فصلا للّباس في كتابه “شروط النهضة”، حيث اعتبره عنصرا من عناصر الهوية والتربية الجمالية، يتجاوز كونه مظهرا خارجيا ليعكس البعد الأخلاقي والثقافي للمجتمع.

وأكد أن العودة إلى هذا التراث وتوثيقه تمثل ضرورة ملحّة في ظل عالم معولم يفرض أنماطا موحدة في العيش، ما قد يؤدي إلى تآكل الخصوصيات الثقافية، مشددا على أن الفرد مطالب بالوعي بقيمة هذا الإرث، باعتباره عنصرا من عناصر الانتماء، وليس مجرد مظهر فولكلوري.

وختم بالقول إن الحفاظ على اللباس التقليدي لا يمكن أن يظل مسؤولية الجهات الرسمية فقط، بل يتطلب وعيا مجتمعيا عميقا بأهمية عناصر الثقافة، المادية واللامادية، باعتبارها أساسا للحفاظ على الصورة الحضارية للمجتمع الجزائري.

​تراث “المداحات”.. الصوت النسوي كأرشيف للوجدان الشعبي

​يمثل ملف “الأغاني المقدسة للمداحات” استعادة واعية لدور المرأة الجزائرية في حراسة المتن الشفهي والروحي؛ حيث شكلت فرق “المداحات” عبر التاريخ مؤسسات ثقافية جوالة حافظت على المديح النبوي والأشعار الصوفية في القوالب الشعبية القريبة من وجدان العامة.

تكمن القوة الثقافية والفكرية لهذا الملف في كونه يوثق حالة من “التصوف النسوي” والألق الروحي الذي صمد أمام التحولات الاجتماعية، ويبرز كيف تحولت الحنجرة النسوية إلى أرشيف حي للقيم الأخلاقية، في مجتمعات اعتمدت على النقل الشفهي لتمرير منظومتها القيمية.

إن تدوين هذا الفن لدى اليونسكو يرفع من قيمة الرواية الشفهية ويمنحها حصانة أكاديمية، في وقت تتعرض فيه الفنون الأدائية التقليدية لخطر الاندثار نتيجة طغيان الأنماط الموسيقية المعولمة، لتصبح “المداحات” بذلك صمام أمان للهوية الصوتية والروحية للجزائر، وحافظة لمقامات موسيقية وإيقاعات تعكس خصوصية المنطقة.

​الألعاب الذهنية التقليدية.. أنثروبولوجيا الذكاء والروابط المجتمعية

​في خطوة تعكس التوجه نحو حماية التراث الذهني، أودعت الجزائر ملف “الألعاب الذهنية التقليدية على الرقعة”، الذي يضم ألعابا عريقة مثل الخربڤة، السيجة، الدامة، والمنقلة، وهو ملف مشترك يعبر عن التقاطعات القيمية مع 13 دولة عربية.

تكمن الأهمية الأنثروبولوجية لهذه الألعاب في كونها مختبرات شعبية مصغرة لتطوير مهارات التفكير الاستراتيجي، التحليل الرياضي، والذكاء الاجتماعي، بعيدا عن التنميط الرقمي المعاصر الذي يكرس العزلة.

يعكس هذا التوثيق رغبة ملحة في إبراز الجوانب المعرفية للإنسان الجزائري والعربي، والتأكيد على اتساع رقعة التراث لتشمل أنظمة التفكير الجماعي والروابط الإنسانية المتينة التي تصنعها هذه الممارسات داخل الفضاءات العامة التقليدية، ليعزز هذا المسعى من مفهوم الموروث القيمي المشترك كأداة فعالة للتقارب الحضاري وبناء جسور التواصل العقلاني بين الأجيال والشعوب.

​من “هيبون” إلى “المسارات الأغسطينية”.. استنطاق الحجر فلسفيا

​تتصل مجهودات تدوين التراث اللامادي بمساعي تسجيل المواقع الأثرية اتصالا وثيقا، وهو ما يتضح من خلال التعليمات الرسمية التي أسديت مؤخرا للشروع الفوري في إعداد الملف التقني لموقع “هيبون” (Hippo Regius) بعنابة.

يمثل هذا الموقع حجر الزاوية في مشروع “المسارات الأغسطينية”، الذي يسعى لربط الجغرافيا الجزائرية بالتاريخ العالمي من بوابة الفلسفة واللاهوت والتعايش الإنساني، باعتبار المدينة مهدا لفكر القديس أوغسطين الذي صاغ جزءا كبيرا من الفلسفة الغربية انطلاقا من أرض نوميديا.

إن إدراج “هيبون” ضمن التراث العالمي، وتدشين مركز تفسيري متخصص يعتمد التقنيات الحديثة، يهدف إلى تحويل الموقع من أطلال صامتة إلى منصة تفاعلية تشرح للعالم دور الجزائر الممتد في صياغة الفكر الإنساني الكوني.

ويساهم هذا التوجه المدروس في دعم السياحة الثقافية المستدامة، ليجعل من التاريخ الجزائري مادة حية قابلة للاستثمار في تأكيد الحضور الجزائري كدولة محورية وعمق حضاري عريق في حوض البحر الأبيض المتوسط.

تصنيف التراث الجزائري… بين الحماية الدولية ومسؤولية المجتمع

يشكل تصنيف التراث الجزائري ضمن القوائم الدولية خطوة استراتيجية لتثمين الموروث الثقافي وصونه، غير أن فعاليتها تظل رهينة بانخراط المجتمع إلى جانب المؤسسات الرسمية، في سياق يتطلب مقاربة تشاركية لضمان حماية مستدامة لهذا الإرث.

في هذا الإطار، يؤكد الناشط السياحي والكاتب، كريم كرار، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن تصنيف التراث الوطني الجزائري، بشقيه المادي واللامادي، على المستوى العالمي من شأنه تثمينه محليا وحمايته دوليا، غير أن هذا المسار لا يقتصر على دور الدولة فقط، بل يستوجب إشراك المجتمع المدني بفعالية.

كريم كرار

وأوضح أن هذا الانخراط يتجسد من خلال حملات التحسيس بأهمية الحفاظ على التراث، إضافة إلى التعريف به والترويج له سياحيا وثقافيا، مشيرا إلى أن منظمة اليونسكو تشترط بدورها إشراك المجتمع المدني ضمن ملفات التصنيف، وهو ما أصبح واقعا في التجربة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف أن وزارة الثقافة والفنون اعتمدت هذا التوجه في عدة مشاريع، مستشهدا بملف تصنيف “المسارات الأوغسطينية”، حيث تم إشراك فعاليات المجتمع المدني بعنابة، ومنحها دورا فاعلا في الاقتراح والتجسيد، ما يعزز من قوة الملف ويدعم حظوظه في التصنيف.

وشدد كرار على أن الاعتماد على تصنيف اليونسكو وحده غير كافٍ، باعتباره يأتي ضمن مسار متكامل تسبقه خطوة إدراج المعالم أو الموروث ضمن قائمة التراث الوطني، مؤكدا أن كلتا المرحلتين تتطلبان آليات قبلية وبعدية تضمن تحقيق النجاعة المرجوة، وتحول التصنيف من مجرد اعتراف رمزي إلى أداة فعلية للحماية والتثمين.

 

رابط دائم
https://elayem.news/6iy0l
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"