الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بين ماضي القرصنة وطموح الاستثمار.. هل ينجح مشروع حمزة بن دلاج في الاختبار؟

Author
بثينة صايفي 29 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

منذ ظهور حمزة بن دلاج في أحد البرامج التلفزيونية، عاد اسمه إلى الواجهة من جديد، لتشتعل نقاشات واسعة بين من يستحضر ماضيه في عالم القرصنة الإلكترونية، ومن يرى في تجربته وخبرته التقنية إمكانية لبناء مسار مهني مختلف في مجال الأمن السيبراني.

 

وبين اختلاف نظرة المتابعين والمهتمين بملف الأمن السبراني، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن قراءة هذه الظاهرة بعيدا عن العاطفة والجدل، وبمنطق الإعلام والسوق والاستثمار؟

 

ظاهرة حمزة بن دلاج.. بين الجريمة السابقة وفرصة الاستثمار

أثارت عودة اسم حمزة بن دلاج إلى الواجهة الإعلامية، بعد ظهوره في برنامج على قناة الشروق، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يرى في استضافته محاولة لإعادة تقديم شخصية ارتبط اسمها سابقا بالقرصنة الإلكترونية، ومن يتعامل مع ظهوره باعتباره فرصة للحديث عن مشروع في مجال الأمن السيبراني.

وفي هذا السياق، يرى الكشاف الاقتصادي عبد المجيد سجال أن قراءة الظاهرة تحتاج إلى الابتعاد عن الأحكام السريعة، والنظر إليها من عدة زوايا، بدءا من أهداف القناة، مرورا بشخصية حمزة بن دلاج وماضيه، وصولاً إلى طبيعة المشروع والمستثمرين والسوق.

كما يعتبر سجال أن القناة حققت، من الناحية البراغماتية والإعلامية، أحد أهدافها الأساسية من خلال استضافة شخصية مثيرة للجدل منذ سنوات، إذ أدى الظهور إلى زيادة المشاهدات وخلق حالة من النقاش والفضول حول الحلقة.

ويشرح أن المؤسسات الإعلامية التجارية تعمل، ضمن نموذج أعمالها، على جذب الجمهور ورفع المشاهدة، باعتبار أن ذلك يرتبط بمداخيل الإعلانات، وبالتالي، فإن استضافة شخصية معروفة ومثيرة للنقاش يمكن أن تكون، من وجهة نظر اقتصادية، جزءا من استراتيجية إعلامية تهدف إلى تحقيق الانتشار والمشاهدة، ما دامت تتم في إطار القانون والسياسة التحريرية للمؤسسة.

حمزة بن دلاج.. الشهرة لا تلغي الماضي

وبالانتقال إلى شخصية حمزة بن دلاج، يطرح سجال مجموعة من الأسئلة المتعلقة بماضيه وشهرته.

ويشير إلى أن الرجل أصبح شخصية معروفة لدى شريحة واسعة من الجزائريين، غير أن هذه الشهرة لا تلغي الوقائع القضائية المرتبطة بماضيه في مجال القرصنة الإلكترونية، موضحا أن الحكم القضائي الذي صدر بحقه كان بالسجن لمدة 15 سنة، مقابل تسع سنوات لشريكه الروسي.

ويرى سجال أن هذه المعطيات تجعل من الضروري الفصل بين أمرين: الماضي الجنائي الموثق من جهة، وما يمكن أن يفعله الشخص بعد استنفاذ العقوبة من جهة أخرى، مشيرا إلى أن عودة الشخص إلى الحياة الاجتماعية والمهنية بعد قضاء العقوبة تطرح نقاشا مختلفا يتعلق بإمكانية استثمار خبراته السابقة في إطار قانوني.

من القرصنة إلى الأمن السيبراني.. هل يمكن تحويل الخبرة؟

يتساءل سجال عما إذا كانت خبرة الأشخاص الذين سبق لهم ممارسة القرصنة يمكن أن تتحول لاحقا إلى كفاءة تستفيد منها الشركات في مجال الأمن السيبراني.

ويشير إلى وجود شركات تفتح برامج لاختبار أنظمتها أمام الباحثين عن الثغرات، بهدف اكتشاف نقاط الضعف ومعالجتها، كما توجد تجارب دولية في استقطاب أصحاب المهارات التقنية وتوظيفها في مجالات الأمن السيبراني.

ومن هذا المنطلق، يرى أن انتقال شخص من ممارسة القرصنة بشكل غير قانوني إلى العمل في مجال الحماية السيبرانية بشكل قانوني ليس أمرا مستبعدا من الناحية المهنية، شريطة أن تكون ممارسته الحالية خاضعة للقانون، وأن تكون مهاراته موظفة في إطار مشروع واضح.

المشروع السيبراني.. الحكم يبدأ من التقنية

أما بخصوص المشروع الذي طرحه حمزة بن دلاج، فيرى سجال أن الحديث عن نجاحه أو فشله لا يمكن أن يعتمد على شهرة صاحبه وحدها.

ويؤكد أن قطاع الأمن السيبراني يمثل سوقا واسعة، وأن الشركات التي تقدم حلولا للحماية الاستباقية والوقاية من الهجمات يمكن أن تجد طلبا عليها إذا كانت قادرة فعلاً على حل مشكلات حقيقية لدى المؤسسات.

لكن الحكم على مشروع بعينه، حسبه، يحتاج إلى الانتقال من الخطاب التسويقي إلى الاختبار التقني الفعلي، من خلال الاطلاع على النموذج الأولي للمنتج، وتجربته والتحقق من مستوى الحماية الذي يوفره.

ويطرح سجال احتمالاً تقنيا يستوجب الانتباه إليه عند التعامل مع أي شركة تقدم حلولاً للأمن السيبراني، ويتمثل في ضرورة التأكد من أن أداة الحماية لا تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى وسيلة للوصول إلى بيانات المؤسسة.

ويستخدم في هذا السياق تعبير “حصان طروادة” للإشارة إلى ضرورة التحقق من طبيعة المنتج ووظائفه الحقيقية، والتأكد من عدم وجود آليات تسمح باستغلال البيانات أو بيعها أو استخدامها خارج الغرض المتفق عليه.

ويشدد على أن المؤسسات الراغبة في شراء مثل هذه الحلول تحتاج إلى عقود واضحة وصارمة، وإلى إجراءات تقنية وقانونية لحماية بياناتها.

لماذا قد ينجذب المستثمر إلى مؤسس معروف؟

يتوقف سجال أيضا عند مسألة تمويل المشروع، موضحا أن الاستثمار في الشركات الناشئة يقوم على المخاطرة، وأن المستثمرين الذين يضعون أموالهم في رأس مال مخاطر يتحملون احتمال الربح أو الخسارة وفق نتائج المشروع.

ويرى أن شهرة المؤسس قد تكون عاملاً تسويقيا له قيمة في بعض المشاريع، لأن اسم المؤسس يمكن أن يتحول إلى جزء من العلامة التجارية للشركة.

ويضرب مثالاً بمجال كرة القدم، قائلاً إن تأسيس أكاديمية رياضية بمشاركة أسماء معروفة مثل بلومي أو ماجر أو محرز أو مبولحي قد يمنح المشروع قيمة تسويقية أولية مختلفة عن مشروع يؤسسه أشخاص غير معروفين، بصرف النظر عن تقييم الفرد نفسه.

وبحسب سجال، فإن حمزة بن دلاج يستطيع من الناحية التسويقية الاستفادة من قصته وشهرته في تقديم مشروعه للمستثمرين، وهو ما يدخل ضمن فنون Pitching أو عرض المشاريع.

ويرى أن طرح فكرة مرتبطة بحماية المستشفيات والمؤسسات الحيوية من الهجمات السيبرانية، وربط الأمن الرقمي باحتمال تعطل خدمات حساسة قد تمس حياة الناس، يمثل معالجة لنقطة ألم واضحة لدى الزبون المحتمل.

وفي المقابل، قد يرى المستثمر في شهرة المؤسس فرصة لتقليل جزء من تكاليف التسويق، لأن الشخصية المعروفة تمتلك أصلاً جمهورا واهتماما إعلاميا يمكن أن يساعدا في انتشار المشروع.

هل يحتاج المشروع فعلاً إلى 15 مليار سنتيم؟

يعتبر سجال أن السؤال حول حجم التمويل المطلوب، والذي تم تداوله في النقاشات المرتبطة بالمشروع، لا يمكن الإجابة عنه اعتمادا على الانطباعات.

فالتقييم الحقيقي، حسبه، يحتاج أولاً إلى رأي متخصصين تقنيين قادرين على دراسة المنتج، ومعرفة احتياجاته من حيث البرمجة، والعتاد، وتطوير الذكاء الاصطناعي، والخوادم، والصيانة، والتدريب وغيرها من المتطلبات التقنية.

بعد ذلك يأتي الدور المالي لدراسة مدى جدوى الاستثمار، من خلال تحليل الإيرادات المتوقعة، والتكاليف، والتدفقات النقدية، وفترة استرداد الاستثمار، والنفقات الرأسمالية والتشغيلية وغيرها من المؤشرات المالية.

أين هي دراسة الجدوى؟

يطرح سجال سؤالاً مركزياً في خضم الجدل: هل اطلع الجمهور فعلاً على دراسة جدوى المشروع؟

ويشير إلى أن المستثمر الجاد لا يفترض أن يضع أمواله اعتمادا على ظهور تلفزيوني فقط، بل يحتاج إلى دراسة الجدوى، ونموذج الأعمال، وتحليل السوق، إضافة إلى أدوات مثل SWOT وPESTEL وغيرها من الآليات المستخدمة في تقييم المشاريع.

وبالتالي، فإن عدم اطلاع الجمهور على هذه الوثائق لا يعني بالضرورة غيابها، كما أن الحكم على المشروع من خلال الحلقة التلفزيونية وحدها لا يكفي لتقييم جدواه الاقتصادية أو التقنية.

بين العاطفة والأخلاق والسوق

ويرى سجال أن الجدل حول حمزة بن دلاج لا يمكن اختزاله في سؤال واحد، لأن كل طرف ينظر إلى القضية من زاوية مختلفة.

فهناك زاوية القناة وأهدافها الإعلامية والتجارية، وزاوية حمزة ومشروعه، وزاوية المستثمرين ومصالحهم، وزاوية الجمهور والعاطفة الشعبية، إضافة إلى الزاوية التقنية التي تهم المختصين في الأمن السيبراني، والزاوية الاقتصادية المرتبطة بالسوق والتكاليف والعائدات.

كما توجد زاوية أخلاقية تتعلق بالماضي والمسؤولية وإمكانية منح فرصة جديدة لشخص سبق أن أدين في قضية جنائية، وهي مسألة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاجتماعية والشخصية.

وفي قراءته الاقتصادية، يرى سجال أن الحكم النهائي على أي مشروع تجاري لا يصدر من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما من قدرة المنتج على إثبات قيمته في السوق.

ويقول إن السوق يختبر ما إذا كان المنتج يقدم حلاً لمشكلة حقيقية، وما إذا كان هناك عملاء لديهم حاجة فعلية وقدرة ورغبة في الدفع مقابل هذه الخدمة.

وفي النهاية، يختصر سجال رؤيته بالقول إن المشروع سيُختبر من خلال المنتج والتقنية والإدارة والتسويق والقدرة على التحكم في التكاليف وتقديم قيمة حقيقية، بعيدا عن شهرة المؤسس أو الجدل المحيط به.

ويستشهد في ختام حديثه بما أورده ستيفان دي ليفيت في كتاب “الاقتصاد العجيب” :” إذا كانت الأخلاق تعلمنا كيف يجب أن يكون العالم، فإن الاقتصاد يعلمنا كيف يتفاعل العالم في الواقع“ ليخلص إلى أن نجاح المشروع أو فشله سيظل مرتبطا بما يقدمه فعليا للسوق، فيما تبقى بقية التفاصيل عوامل محيطة بالمشهد.

↑