الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بين نداء الواجب وحنين العائلة.. كيف يعيش العمال الجزائريون أيام العيد؟

Author
صبرينة عيلان 27 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يجد آلاف العمال والموظفين في الجزائر أنفسهم كل عام أمام واقع استثنائي خلال عيد الأضحى، حيث تتقدم واجبات المهنة على لحظات اللمة العائلية التي تمثل جوهر هذه المناسبة في الوعي الاجتماعي،فداخل المستشفيات، وغرف المداومة، ونقاط الحراسة، ووسائل النقل، ومختلف المرافق التي لا تتوقف حتى في أيام العيد، تتشكل يوميات إنسانية صامتة يعيشها هؤلاء بين الالتزام المهني وحنين دائم إلى دفء العائلة.

ورغم أن هذه التجربة نادرا ما تحظى بالحديث، إلا أنها تتكرر مع كل عيد، حين يصبح البقاء في مكان العمل ضرورة لا يمكن تجاوزها، بينما تبقى القلوب معلقة ببيوت بعيدة يسكنها الأهل والانتظار. وفي شهادات متفرقة استقتها “الأيام نيوز” من عدد من العمال، تتضح ملامح هذا الإحساس أكثر. يقول كريم، وهو أحد أعوان المداومة في قطاع الصحة: “أصعب لحظة ليست أثناء العمل، بل عندما أسمع تكبيرات العيد عبر الهاتف وأنا بعيد عن أمي وأطفالي”.

أما أحد عمال النقل بين الولايات، فيصف العيد من زاوية مختلفة قائلا: “نقضي العيد في الطريق أو داخل محطات الانتظار، بالنسبة لنا يبدأ العيد بعد انتهائه عند الآخرين”. ويضيف: “نرى الناس يعودون إلى بيوتهم، بينما نبحث نحن عن رحلة في الاتجاه المعاكس أو نواصل العمل لساعات إضافية”.

وتعكس هذه الشهادات واقعا مشتركا لا يقتصر على مهنة بعينها، بل يشمل كل من تفرض عليه طبيعة عمله البقاء بعيدا عن عائلته خلال مناسبة ترتبط في الذاكرة الجماعية باللمة والفرح وصلة الرحم. فالعيد، الذي يحمل لدى كثيرين معنى الطمأنينة والتقارب الأسري، يتحول عند هؤلاء إلى مساحة صامتة تختلط فيها مشاعر الاعتزاز بأداء الواجب مع مرارة الغياب عن البيت.

العمل والحنين توازن صعب في زمن الأعياد

في هذا السياق، تؤكد الأخصائية الاجتماعية نوال سعودي، في تصريح خصّت به “الأيام نيوز”، أن شريحة واسعة من العمال الذين تفرض عليهم طبيعة وظائفهم البقاء في مواقع العمل خلال فترة العيد، تعيش وضعا إنسانيا معقدا تتداخل فيه المسؤولية المهنية مع الحاجة العاطفية العميقة إلى الدفء الأسري والانتماء العائلي. وترى أن هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية معزولة، بل أصبحت تعكس تحولات اجتماعية أوسع تمس أنماط العيش داخل المجتمع الجزائري.

وتشير إلى أن “الانقسام الوجداني” الذي يعيشه هؤلاء لا يقتصر على الغياب الجسدي عن العائلة، بل يمتد إلى شعور داخلي دائم بالمقارنة بين عالمين متوازيين: عالم العمل بما يفرضه من التزام وانضباط، وعالم الأسرة الذي ينتظر حضورهم ومشاركتهم في لحظات استثنائية لا تتكرر إلا نادرا.

وتوضح نوال سعودي أن هذا الإحساس يتضاعف عندما يقترن البعد الجغرافي بصعوبة التنقل، إذ تفصل أحيانا مئات الكيلومترات بين مقر العمل والبيت العائلي، ما يجعل العودة خلال أيام العيد شبه مستحيلة بالنسبة للكثيرين، خاصة مع الضغط الكبير على وسائل النقل وارتفاع تكاليف السفر في فترات الذروة.

وتضيف أن بعض العمال باتوا يصفون العيد بأنه “رحلة مؤجلة”، لأن جزءا كبيرا من العطلة يستهلك في التنقل ذهابا وإيابا، بدل الاستفادة منه في الراحة أو قضاء وقت كاف مع العائلة، وهو ما يضاعف الإحساس بالإرهاق النفسي حتى قبل بداية الإجازة.

وفي سياق متصل، تشير الأخصائية الاجتماعية إلى أن التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث توسع المدن أو توزيع فرص العمل بين الولايات، ساهمت في اتساع ظاهرة العمل بعيدا عن الأسرة، ما جعل هذا النوع من المعاناة أكثر انتشارا مما كان عليه في السابق.

وتؤكد أن البعد الجغرافي لا ينعكس فقط على التنظيم اليومي لحياة العمال، بل يمتد إلى توازنهم النفسي والعاطفي، حيث يشعر كثيرون بأنهم يعيشون بين عالمين منفصلين، دون القدرة على الاندماج الكامل في أي منهما. وترى أن هذا الإحساس قد يتفاقم مع تكرار الغياب عن المناسبات، ما يولد نوعا من الإجهاد العاطفي والشعور بالوحدة رغم الانشغال الدائم بالعمل.

ورغم التحسن الملحوظ في البنية التحتية، خاصة الطرقات السيارة وشبكات النقل، ترى نوال سعودي أن هذه التطورات، وإن ساهمت في تقليص زمن التنقل، إلا أنها لم تنه معاناة السفر خلال الأعياد بشكل كامل، بسبب الاكتظاظ الكبير وصعوبة الحصول على التذاكر وارتفاع الطلب في فترات محددة، ما يجعل التنقل خلال العيد تجربة مرهقة بالنسبة للكثيرين.

وتضيف أن التحسن التقني في وسائل النقل والطرقات ساعد على اختصار المسافات الزمنية، لكنه لم يعالج الجانب الاجتماعي المرتبط بثقافة السفر الموسمي، حيث تتحول محطات النقل خلال الأعياد إلى فضاءات مكتظة تعكس حجم الضغط الاجتماعي والرغبة الجماعية في العودة إلى العائلة. كما تؤكد أن وسائل الاتصال الحديثة، رغم دورها في تقريب المسافات، تبقى عاجزة عن تعويض الحضور الجسدي والدفء الإنساني الذي يميز اللقاءات العائلية خلال المناسبات.

كيف يعيش العمال أجواء العيد بعيدا عن أسرهم؟

وتضيف الأخصائية سعودي أن هؤلاء العمال لا يختارون الابتعاد عن أسرهم، بل تفرضه طبيعة المهن التي لا تتوقف حتى في أكثر المناسبات رمزية، ما يجعلهم في حالة استعداد دائم بين نوبات العمل وضغط المسؤولية، مقابل شعور داخلي متزايد بالحنين إلى البيت.

وترى أن هذا الوضع يصبح أكثر صعوبة عندما يقترن البعد الجغرافي بتعقيدات التنقل، ما يجعل العودة السريعة إلى العائلة شبه مستحيلة بالنسبة للكثيرين، خصوصا خلال الأيام الأولى من العيد. وتشير إلى أن عيد الأضحى، الذي ارتبط تقليديا بأجواء الفرح واللمة العائلية، بدأ يتحول لدى فئة من الجزائريين إلى تجربة نفسية مزدوجة، تختلط فيها مشاعر الالتزام المهني بثقل الغياب العائلي.

وتوضح أن هذا التحول لا يعني تراجع قيمة العيد، بل يعكس تغيرا في نمط الحياة، حيث أصبحت الالتزامات المهنية تمتد إلى المجالين الاجتماعي والعاطفي، وتؤثر بشكل مباشر على طريقة عيش المناسبات. وتضيف أن الضغط النفسي يكون أشد لدى من يقضون العيد في العمل لأول مرة، أو لدى الذين يعيشون بعيدا عن أسرهم لفترات طويلة، إذ يتحول العيد بالنسبة لهم إلى لحظة مقارنة مستمرة بين ما يعيشونه وما يفتقدونه.

وتؤكد نوال سعودي أن من أبرز العوامل التي تزيد من حدة المعاناة، المسافات الطويلة التي تفصل العمال عن مناطقهم الأصلية، إلى جانب ارتفاع تكاليف السفر وصعوبة الحصول على إجازات كافية خلال المواسم. كما تشير إلى أن بعض العمال يجدون أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات صعبة، مثل تقليص مدة الزيارة العائلية أو استهلاك جزء كبير من العطلة في التنقل فقط، ما يحول العودة إلى الأسرة من لحظة راحة إلى تجربة مرهقة نفسيا وجسديا. وترى أن هذه الظروف تجعل العيد بالنسبة لهم أقرب إلى “رحلة مؤجلة” منه إلى مناسبة مكتملة الأجواء.

التأثير النفسي للبعد عن العائلة خلال الأعياد
وفي قراءتها للأثر النفسي، توضح الأخصائية الاجتماعية أن البعد عن الأسرة خلال الأعياد يؤثر بشكل مباشر على الإحساس بالانتماء والاستقرار العاطفي، إذ يشعر العامل أحيانا بأنه موزع بين فضاءين منفصلين: فضاء العمل وفضاء العائلة.

وتضيف أن هذا التمزق الرمزي بين المكانين قد يولد شعورا متراكما بالإجهاد النفسي، خاصة مع تكرار الغياب عن المناسبات، ما قد يضعف الإحساس بالاندماج العائلي ويزيد من الشعور بالوحدة رغم الانشغال الدائم بالعمل. كما تؤكد أن العلاقات الأسرية تبقى متأثرة بهذا البعد، حتى وإن ساهمت وسائل الاتصال الحديثة في تخفيف جزء منه، لأنها لا تستطيع تعويض الحضور المباشر والدفء العائلي الحقيقي.

وفيما يتعلق بتحسن البنية التحتية، خاصة الطرقات الكبرى، ترى نوال سعودي أن هذه التطورات ساهمت نسبيا في تقليص زمن السفر وتخفيف بعض أعباء التنقل، لكنها لم تلغ بشكل كامل الضغط المرتبط بالسفر خلال مواسم الأعياد.

وتوضح أن الاكتظاظ الموسمي في وسائل النقل وارتفاع الطلب على السفر خلال فترات محددة ما يزالان يفرضان الإشكالات نفسها تقريبا، حيث تتحول محطات النقل إلى فضاءات مزدحمة، ويصبح الحصول على مقعد أو تذكرة تحديا إضافيا يفاقم معاناة المسافرين. وتضيف أن التحسن في الطرقات سهّل الحركة من الناحية التقنية، لكنه لم يعالج الجوانب الاجتماعية والتنظيمية المرتبطة بثقافة السفر الموسمي.

وتختتم نوال سعودي بالتأكيد على أن تجربة العمال البعيدين عن عائلاتهم خلال عيد الأضحى تعكس توازنا دقيقا بين واجب المهنة وحق الانتماء العائلي، مشيرة إلى أن هذه الفئة تعيش بصمت معاناة مزدوجة لا تحظى غالبا بالاهتمام الكافي. وترى أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على تحسين ظروف النقل والعمل فقط، بل تتطلب أيضا ترسيخ وعي اجتماعي بقيمة الدور الذي يؤديه هؤلاء، وإدماج البعد الإنساني في فهم علاقتهم بالعيد والأسرة والمجتمع، باعتبارهم جزءا أساسيا من استمرارية الحياة اليومية خلال أكثر اللحظات رمزية في السنة.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية