الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

بين هرمز وحسابات 2027.. “أوبك+” تثبّت إنتاج أكتوبر وتترقب المجهول

Author
سارة حمدون 06 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سوق نفطية تتحرك على وقع الحرب وتوترات الملاحة وإعادة رسم مسارات الإمدادات، اختارت «أوبك+» تثبيت سياسة الإنتاج لشهر أكتوبر، في خطوة تعكس حساسية المرحلة التي تمر بها السوق العالمية، وتفتح في الوقت ذاته باب التساؤلات حول حدود قدرة المنظمة على ضبط التوازن بين العرض والطلب في ظل اضطرابات جيوسياسية تضرب أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

فإلى أي مدى يسمح الوضع الحالي بزيادة الإنتاج؟ وهل باتت حسابات «أوبك+» مرتبطة أكثر بتطورات مضيق هرمز ومسار الحرب الأمريكية الإيرانية؟ وأين تقف الجزائر وسط إعادة ترتيب حصص الإنتاج وخطوط الأساس المرتقبة لعام 2027؟

وفي قراءة تحليلية لـ«أيام نيوز»، أكد الخبير في الشأن الطاقوي، أحمد طرطار، أن توجهات تثبيت مستويات الإنتاج خلال شهر أكتوبر تمثل خيارًا منسجمًا مع المسار الذي اعتمدته «أوبك+» خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ النصف الثاني من سنة 2021، حين أصبحت المجموعة تتعامل مع تحولات السوق عبر أدوات متدرجة تشمل الرفع أو التثبيت أو الخفض وفق المعطيات المتاحة.

تثبيت أكتوبر.. قرار تحكمه حساسية السوق

قرار التثبيت يأتي في سياق دولي شديد التعقيد، إذ أعلنت «أوبك+» في 6 سبتمبر 2026 الإبقاء على سياسة إنتاج النفط دون تغيير لشهر أكتوبر، في وقت تواصل فيه الحرب الأمريكية الإيرانية التأثير على حركة صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، وأشارت وكالة رويترز إلى أن الاضطرابات الجارية قلصت قدرة المجموعة على التأثير في الأسعار وحصص السوق، بينما يظل عدد من المنتجين دون مستويات الإنتاج المستهدفة بفعل الظروف الأمنية واللوجستية.

وفي هذا الصدد، أوضح طرطار أن التوجه نحو تثبيت الإنتاج يحمل دلالة مرتبطة بقراءة «أوبك+» لحالة السوق خصوصا بعد الزيادات التي عرفتها مستويات الإنتاج خلال الفترة الماضية، والتي جاءت ضمن مسار تدريجي لإعادة كميات كانت خاضعة للتخفيضات، وتبرز أهمية هذه الخطوة أكثر بالنظر إلى أن المنظمة وحلفاءها يعملون في الوقت ذاته على إعادة تقييم الطاقات الإنتاجية للدول الأعضاء تمهيدًا لتحديد خطوط أساس جديدة لحصص سنة 2027، وكانت «أوبك+» قد أقرت في نوفمبر 2025 آلية لتقييم القدرة الإنتاجية المستدامة للدول المشاركة، لتكون مرجعًا في تحديد خطوط الأساس الخاصة بعام 2027، كما يترقب السوق نتائج هذه العملية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، خاصة مع اختلاف مستويات الطاقة الإنتاجية الفعلية من دولة إلى أخرى، وتباين قدرة المنتجين على بلوغ الحصص المحددة.

مضيق هرمز.. المتغير الذي قلب حسابات السوق

أصبح مضيق هرمز، خلال الأشهر الأخيرة، عاملا مركزيا في معادلة الطاقة العالمية، فالممر البحري الذي يربط الخليج بخليج عمان يمثل أحد أهم منافذ نقل النفط والغاز عالميا، وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبره بلغت في الربع الرابع من 2025 نحو 21.6 مليون برميل يوميا قبل أن تهبط إلى 14.9 مليون برميل يوميا خلال الربع الأول من 2026، ثم إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني، هذه الأرقام تعكس حجم التحول الذي فرضته التطورات الأمنية على حركة الطاقة الدولية، وتفسر جانبًا من الارتفاعات الحادة التي عرفتها الأسعار خلال مراحل مختلفة من الأزمة.

وفي هذا الإطار، شدد طرطار على أن إشكالية مضيق هرمز أصبحت حاضرة بقوة في قرارات المنتجين، باعتبار أن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على حركة الصادرات والتأمين والنقل وتكاليف الشحن، ثم ينتقل أثره إلى الأسعار في الأسواق العالمية، وتؤكد المعطيات الأمريكية أهمية المضيق بصورة أكبر، إذ بلغ متوسط تدفقات النفط عبره خلال النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميا، وهو حجم يعادل قرابة خُمس استهلاك السوائل النفطية عالميا.

وبالتالي، فإن استمرار التوترات حول هرمز يضع المنتجين أمام معادلة دقيقة: رفع الإنتاج في ظل اختناقات النقل قد يحقق أثرا محدودا على الإمدادات الفعلية، بينما يسمح التثبيت بالحفاظ على قدر أكبر من الانضباط داخل السوق في انتظار وضوح المشهد الجيوسياسي.

أسعار النفط.. من صدمة المئة دولار إلى البحث عن التوازن

انعكست التطورات الأمنية سريعا على أسعار الخام، فقد ارتفع سعر برنت إلى نحو 95.63 دولارا للبرميل في 2 سبتمبر، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 91.01 دولارًا، وسط مخاوف متصاعدة بشأن إمدادات النفط وحركة الناقلات عبر هرمز، وتشير هذه المستويات إلى استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية داخل السوق، خصوصًا أن الأسعار دخلت خلال مراحل سابقة من الأزمة نطاق المائة دولار للبرميل.

وفي هذا السياق، أكد طرطار أن الأسعار الحالية تعكس جانبًا كبيرًا من حالة عدم اليقين المرتبطة بالإمدادات، مشيرًا إلى أن مستويات قريبة من 100 دولار أصبحت ممكنة كلما اتسعت دائرة الاضطرابات أو ازدادت صعوبة مرور الشحنات النفطية، وفي المقابل، يطرح الخبير مستوى يتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل باعتباره نطاقًا يمكن أن يعكس توازنًا أكثر استقرارًا بين مصالح المنتجين والمستهلكين، مع مراعاة تكاليف الإنتاج والاستثمار والطلب العالمي.

وتدعم مؤشرات السوق جزءًا من هذه القراءة فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز في نهاية أغسطس وشمل 31 محللا توقعًا لمتوسط سعر برنت عند 85.08 دولارًا للبرميل خلال 2026، مع استمرار الأسعار فوق مستوى 80 دولارًا بفعل مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط، غير أن استمرار الحرب وتذبذب حركة الملاحة يرفعان هامش المخاطرة فوق هذه التوقعات، وهو ما يجعل مسار الأسعار مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات الميدان أكثر من ارتباطه بمؤشرات العرض والطلب التقليدية وحدها.

المخزونات العالمية تحت الضغط.. والسوق تبحث عن متنفس

يمتد أثر اضطرابات هرمز إلى المخزونات النفطية العالمية، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في امتصاص الصدمات، وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن المخزونات العالمية تراجعت بمتوسط 4.2 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني من 2026، مع توقع استمرار السحب خلال الربع الثالث بمعدل 3.8 مليون برميل يوميًا، بفعل اضطرابات تدفقات النفط عبر مضيق هرمز.

وفي هذا الإطار، أشار طرطار إلى أن المخزون يمثل صمام أمان للسوق خلال فترات الاضطراب، غير أن استمرار السحب لفترة طويلة يرفع حساسية الأسواق تجاه أي صدمة إضافية في الإنتاج أو النقل.

وتزداد أهمية هذه المعطيات مع استمرار تراجع حركة الناقلات في المنطقة، فقد أظهرت بيانات نقلتها وكالة رويترز انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق بصورة حادة خلال إحدى مراحل التصعيد الأخيرة، ما يعكس تأثير المخاطر الأمنية على حركة التجارة النفطية، وعليه، تصبح معادلة السوق مرتبطة بثلاثة عناصر متداخلة: حجم الإنتاج، قدرة النقل، ومستوى المخزونات، وكلما اتسعت الفجوة بين هذه العناصر، ارتفعت حساسية الأسعار تجاه الأخبار السياسية والأمنية.

الجزائر.. حصة إنتاجية وسط إعادة ترتيب المعايير

في خضم هذه التحولات، تحضر الجزائر ضمن المجموعة الأساسية للدول التي شاركت في قرارات تعديلات الإنتاج الأخيرة، إلى جانب السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان وسلطنة عمان. وقد أقرت هذه المجموعة في أغسطس تعديلًا جماعيًا قدره 188 ألف برميل يوميًا لشهر سبتمبر، ضمن المسار التدريجي لإعادة بعض التخفيضات السابقة إلى السوق، وفي تصريحه لـ”الأيام نيوز“، أوضح طرطار أن الجزائر تتابع هذه التحولات من موقع منتج يحافظ على حضوره داخل منظومة «أوبك+»، مشيرا إلى أن حصتها الإنتاجية تظل مرتبطة بالقرارات الجماعية وبالمعادلات التي ستنتج عن تقييم القدرات الإنتاجية للدول الأعضاء.

وتكتسب سنة 2027 أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى أن خطوط الأساس الجديدة ستتحدد بعد استكمال عملية تقييم القدرات الإنتاجية المستدامة للدول المشاركة. وتعمل «أوبك+» على اعتماد هذه التقييمات كمرجع في توزيع مستويات الإنتاج المستقبلية، ما يجعل نتائج العملية ذات تأثير مباشر على الحصص الفردية ومجال المناورة الإنتاجية لكل دولة. 

وبحسب تقدير طرطار، تدور حصة الجزائر الحالية حول مليون وأربعين ألف برميل يوميًا، وهو رقم يورده الخبير في إطار قراءته لمسار الإنتاج والحصص داخل المجموعة.

2027.. معركة الأرقام تبدأ من الآن

مع تثبيت سياسة أكتوبر، تنتقل أنظار الأسواق تدريجيا نحو المعركة المقبلة: كيف ستُوزع حصص الإنتاج انطلاقًا من القدرات الفعلية لكل دولة؟ المسألة تتجاوز الحسابات التقنية، إذ ترتبط بموازين القوى داخل «أوبك+» وبقدرة كل منتج على إثبات حجم طاقته الإنتاجية المستدامة، وتبرز هنا أهمية عمليات التقييم التي ستوفر قاعدة رقمية أكثر دقة لقرارات 2027.

وفي هذا السياق، أفاد طرطار بأن المرحلة المقبلة ستتطلب قراءة دقيقة لمستويات الإنتاج الحقيقية، خاصة أن عددًا من الدول يواجه قيودًا مرتبطة بالبنية التحتية أو الظروف الأمنية أو العقوبات أو صعوبات النقل، ومن المنتظر أن تشكل نتائج هذه التقييمات نقطة فاصلة في مستقبل سياسة الإنتاج، خصوصًا مع استمرار التباين بين الدول التي تمتلك طاقات إضافية قابلة للتعبئة وتلك التي تعمل قرب حدود قدراتها الحالية.

سوق النفط أمام اختبار مزدوج

المشهد الراهن يضع «أوبك+» أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على استقرار السوق من جهة، والتعامل مع صدمات جيوسياسية تتجاوز أدوات الإنتاج التقليدية من جهة أخرى.

فتغيير ملايين البراميل من مستويات الإنتاج يحتاج إلى سوق قادرة على استقبال الكميات ونقلها بينما تفرض اضطرابات هرمز قيودًا مباشرة على حركة الإمدادات، وفي المقابل، يؤدي ارتفاع الأسعار لفترة طويلة إلى الضغط على المستهلكين والاقتصادات المستوردة، مع إمكانية تحفيز المنتجين خارج «أوبك+» على زيادة المعروض.

وفي هذا الصدد، شدد طرطار على أن المرحلة الحالية تختلف عن الأزمات التقليدية التي كانت المجموعة قادرة خلالها على التحكم بصورة أكبر في معادلة العرض والطلب عبر تعديل مستويات الإنتاج، معتبرًا أن التطورات الأمنية الحالية تجعل عامل النقل والجغرافيا السياسية حاضرًا بقوة في تحديد اتجاهات السوق.

وهكذا، يبدو تثبيت إنتاج أكتوبر أكثر من مجرد قرار شهري،فهو رسالة إلى السوق بأن «أوبك+» تفضل مراقبة التطورات قبل اتخاذ خطوات جديدة، خصوصًا مع استمرار اضطرابات هرمز واقتراب موعد إعادة تحديد خطوط أساس الإنتاج لعام 2027، أما بالنسبة للجزائر، فتظل المعادلة مرتبطة بالحفاظ على مكانتها داخل المجموعة، ومتابعة نتائج تقييم القدرات الإنتاجية، والاستفادة من أي تحسن في مستويات الأسعار بما يخدم مداخيل البلاد، مع استمرار الرهان على استقرار السوق العالمية خلال المرحلة المقبلة.

وفي انتظار اجتماع «أوبك+» المقبل المقرر في 4 أكتوبر، ستظل الأسواق تراقب ثلاثة مؤشرات حاسمة: مسار الحرب والتوتر حول مضيق هرمز، اتجاهات أسعار الخام، ونتائج تقييم القدرات الإنتاجية للدول الأعضاء. وبين هذه العوامل، تتحدد ملامح مرحلة جديدة قد تعيد صياغة قواعد إنتاج النفط داخل المجموعة خلال 2027 وما بعدها.

Author سارة حمدون
صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي
↑