الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بين وهج الأصوات وعنفوان الرقص… كورال قوزاق موسكو يبدع على ركح الأوبرا بالجزائر

Author
هارون عمري 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تستقطب أوبرا الجزائر بوعلام بسايح النخب الفنية العريقة وتفتح ذراعيها للإبداع العالمي المتميز، حيث احتضنت القاعة الكبرى مساء أمس حفلاً استثنائياً أحياه كورال القوزاق لموسكو، مقدماً لوحات فنية باهرة جمعت بين أصالة التراث الروسي وعمق الأداء الجماعي، وسط تفاعل لافت من الجمهور العاصمي الذي غصت به المدرجات وتماهى مع الأنغام الحماسية‏.

تأتي هذه الفعالية الراقية لتؤكد على المكانة المرموقة التي تحتلها دار الأوبرا كمنارة ثقافية تسعى باستمرار لمد جسور التواصل الإنساني بين الشعوب، مبرزة الدور الجوهري للموسيقى في صياغة لغة عالمية مشتركة وقد عبّر مدير الفرقة في تصريح لـ«الأيام نيوز»، عن سعادته بالتواجد في الجزائر وأمله في أن يفتح اللقاء مساراً طويلاً من التعاون الثقافي، فيما أشادت المغنية المنفردة بما وجدته الفرقة من ثراء حضاري وحفاوة استقبال، في حين أكد السفير الروسي على دور الثقافة بوصفها جسراً أساسياً للتقارب بين الشعوب، أما مدير دار الأوبرا فأعرب عن ارتياحه لنجاح العرض وأعلن عن برمجة ثقافية متنوعة في الأسابيع المقبلة‏.

نغمات روسية تعبر الحدود لتلتقي بالجمهور الجزائري

امتزجت القوة الأدائية للأصوات الروسية العريقة برقة الحركات التعبيرية على خشبة المسرح، لتشكل لوحة فنية متكاملة عكست عمق المخزون الثقافي لفرقة القوزاق، التي نجحت في نقل الحاضرين إلى العوالم السحرية للفولكلور الموسكوفي من خلال الأغنيات التاريخية والرقصات التقليدية التي تحاكي حياة القوزاق وبطولاتهم القديمة، معتمدين على أداء جماعي متزن ومبهر يشد الأنفاس‏.

لقد أظهر الفنانون دقة بالغة في التنقل بين المقامات الموسيقية المعقدة، مستخدمين خامات صوتية جبلية قوية تميز بها هذا اللون الفني عبر العصور، ومؤكدين على أن الموسيقى تظل لغة عالمية تتجاوز حواجز اللسان وتخترق القلوب مباشرة لتصنع حالة من التلاحم الوجداني الفريد بين الفرقة والحاضرين الذين تفاعلوا مع كل نوتة موسيقية صعدت إلى الفضاء الرحب للأوبرا‏.

كما تميز الأداء بالانتقال السلس بين اللوحات الراقصة التي اتسمت بالرشاقة والسرعة العالية والتحكم الكامل في الحركات الجماعية المنظمة، مما جعل الركح يتحول إلى ساحة تنبض بالحياة وتجسد العادات والتقاليد الروسية القديمة بكل تفاصيلها التاريخية والجمالية، وسط تنظيم محكم عكس الاحترافية العالية والتحضير الطويل لهذه الجولة الثقافية المميزة ببلادنا‏.

وأسهمت الأزياء التقليدية المزركشة التي ارتداها أعضاء الكورال في إضفاء مسحة جمالية بصرية ساحرة زادت من واقعية العرض، وجعلت الجمهور يعيش تجربة بصرية وسمعية متكاملة الأركان تأخذه في رحلة عبر السهوب الروسية الشاسعة والغابات الكثيفة المحملة بالحكايات والأساطير الشعبية التي تناقلتها الأجيال وحافظت عليها كجزء أساسي من الهوية الوطنية الروسية العريقة‏.

التعريف بالتقاليد الروسية وإبراز جوانب الموروث الثقافي للفرقة

في تصريح لـ«الأيام نيوز»، عبّر فينيامين نوفوتشينوف، مدير كورال القوزاق بموسكو، عن سعادته الكبيرة بالتواجد في الجزائر وتقديم الثقافة الروسية للجمهور الجزائري، مؤكداً أن هذه الزيارة تمثل فرصة مهمة للتعريف بالتقاليد الروسية وإبراز جوانب من الموروث الثقافي الذي تحمله الفرقة‏.

وأوضح أن الكورال يسعى من خلال عروضه إلى تقديم أفضل ما تزخر به الثقافة الروسية من أغنيات ورقصات وتقاليد فنية، مشيراً إلى أن أعضاء الفرقة حظوا بفرصة زيارة عدد من المعالم الجزائرية التي تركت لديهم انطباعاً إيجابياً كبيراً‏.

كما أعرب عن أمله في أن يشكل هذا اللقاء الثقافي بداية لمسار طويل من التعاون والصداقة بين الجزائر وروسيا، بما يعزز التبادل الثقافي بين الشعبين‏.

وتعكس الجولات الميدانية التي قام بها أعضاء الكورال الروسي إلى عدد من المعالم التاريخية والأثرية الجزائرية الأثر المتبادل للزيارات الثقافية الدولية، حيث تسمح للفنانين الأجانب بالتعرف المباشر على مقومات الحضارة المحلية‏.

وتسهم هذه المعاينة الميدانية في بناء تواصل إنساني يتجاوز حدود الأداء فوق خشبة المسرح، مما يجعل من الوفود الفنية وسيطاً لنقل المشاهدات والانطباعات الثقافية وتعميق الفهم المشترك بين المؤسسات الإبداعية في كلا البلدين‏.

التنوع الحضاري الجزائري وحفاوة الاستقبال في المنظور الفني الوافد

في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أعربت سفيتلانا نوفوتشينوفا، المغنية المنفردة وممثلة كورال القوزاق الموسكوفي، عن سعادتها بزيارة الجزائر للمرة الأولى، مؤكدة أن أعضاء الفرقة أُعجبوا بما تتميز به البلاد من تنوع ثقافي وطابع حضاري خاص‏.

وأوضحت أن الجزائر تركت لدى أعضاء الفرقة انطباعات جميلة بفضل ثرائها الثقافي وتنوع مشاهدها، إضافة إلى حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي وجدوها خلال إقامتهم. كما وجهت شكرها للجهات المنظمة على الدعوة وحسن الاستقبال، معربة عن أملها في أن ينال الفن الذي تقدمه الفرقة إعجاب الجمهور الجزائري وأن تتواصل جسور الصداقة والتبادل الثقافي بين البلدين‏.

ويظهر رصد الانطباعات الأولى للفنانين الوافدين أهمية البنية التحتية الثقافية والتنظيمية في إنجاح التبادل الدولي، إذ يمثل حسن الاستقبال وتوفير الظروف الملائمة لإقامة الفرق العالمية ركيزة أساسية لضمان تقديم عروض متكاملة فنياً وتعبيرياً‏.

ويسهم المناخ التفاعلي الإيجابي الذي يوفره الفضاء الثقافي الجزائري في تشجيع الأسماء الفنية البارزة على نقل تجاربها وإبداعاتها بثقة، مما ينعكس على جودة الأداء المباشر أمام الجمهور‏.

أبعاد الإرث التاريخي للصداقة وتأثير الثقافة في تعزيز الدبلوماسية الشعبية

في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أكد أليكسي سولوماتين، سفير روسيا لدى الجزائر، أن العلاقات الجزائرية الروسية تقوم على إرث طويل من الصداقة والتعاون، مشدداً على أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير هذه العلاقات وتعزيزها‏.

وأوضح أن الثقافة تمثل أحد أهم الجسور التي تتيح للشعوب التعرف على بعضها البعض وفهم خصوصياتها الفكرية والحضارية، مشيراً إلى أن الجمهور الجزائري يبدي اهتماماً متزايداً بالتعرف على ثقافات العالم، بما فيها الثقافة الروسية‏.

وأضاف أنه يعمل باستمرار على تشجيع حضور الفنانين والمبدعين الروس في الجزائر، من خلال المشاركة في التظاهرات والمهرجانات الثقافية المختلفة، معتبراً أن هذه المبادرات تساهم في توسيع مجالات التعاون الثقافي وتعزيز التقارب بين الشعبين الجزائري والروسي‏.

وتؤكد هذه المعطيات الدبلوماسية أن الفعاليات المشتركة تمثل أداة عملية لتنشيط الاتفاقيات الثقافية المبرمة بين الدول وتطويرها بشكل مستمر‏.

ويسهم الحضور المكثف لممثلي السلك الدبلوماسي في هذه الأمسيات في إبراز الأهمية التي تحظى بها الفنون كعنصر أساسي في بناء العلاقات الدولية وتوطيد الصداقات بين الشعوب، من خلال خلق فضاءات مشتركة تلتقي فيها النخب والمبدعون لمناقشة آفاق التعاون المستقبلي وتوسيع مجالاته‏.

استراتيجية دار الأوبرا الجزائرية في الموازاة بين التراث الوطني والعروض الدولية

في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أعرب مراد سنوسي، مدير دار الأوبرا الجزائرية، عن ارتياحه للنجاح الذي حققه عرض الفولكلور الروسي، مؤكداً أن سعادة الجمهور وتفاعله الإيجابي مع العروض الفنية يبقيان المعيار الأساسي لنجاح أي فعالية ثقافية تحتضنها المؤسسة‏.

وأوضح أن دار الأوبرا تحرص على الحفاظ على مستوى فني راقٍ في مختلف برامجها، سواء تعلق الأمر بالعروض الوطنية أو الدولية، بما ينسجم مع المكانة الثقافية التي تسعى إلى ترسيخها‏.

وأشار إلى أن المؤسسة تواصل العمل على تقديم برمجة متنوعة تجمع بين التراث الجزائري والعروض الدولية، لافتاً إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد تنظيم فعاليات جديدة تشمل المالوف والراي إلى جانب عروض فنية وثقافية من بلدان أخرى، داعياً الجمهور إلى متابعة مختلف الأنشطة التي تحتضنها دار الأوبرا الجزائرية‏.

وتكشف هذه الخطة البرامجية عن توجه واضح يرمي إلى إحداث توازن موضوعي في المشهد السمعي والبصري المقترح للمتلقي، فالحفاظ على الطبوع التراثية الجزائرية مثل المالوف والراي يضمن صيانة الهوية الموسيقية الوطنية وتمريرها للأجيال الناشئة، بينما تسهم الاستضافات الدولية المتتالية في فتح نوافذ معرفية وفنية وازنة تجعل من الجزائر مركزاً دائماً لاستقطاب الإبداع الفني العالمي المعاصر والتقليدي على حد سواء‏.

البنية الدرامية والحركية للأداء الفني لكورال القوزاق بموسكو

اعتمد العرض المقدم من طرف كورال القوزاق لموسكو على بنية أدائية دقيقة تميزت بالتكامل بين عناصر الغناء الجماعي والكوريغرافيا التعبيرية والآلات الموسيقية المصاحبة‏.

ويمتاز هذا النمط الفولكلوري بالتركيز على التناغم الصوتي بين مختلف الطبقات، مستخدماً الحناجر القوية القادرة على إيصال الحالات الشعورية المتنوعة التي تتراوح بين الحماس الملحمي والشجن الإنساني. ورافقت هذه الأنماط الغنائية حركات راقصة سريعة اتسمت بالانضباط الجماعي العالي والجهد البدني المدروس، مما منح العرض بعداً حركياً متدفقاً ومترابط الأجزاء‏.

وساهم التنسيق الفني بين عناصر الإضاءة والمؤثرات الصوتية داخل قاعة «بوعلام بسايح» في إبراز التفاصيل الدقيقة للأزياء التقليدية التي ارتداها أعضاء الكورال، والتي تعكس الخلفية الجغرافية والتاريخية لبيئة القوزاق‏.

وساعد هذا التمازج البصري والسمعي في نقل المضمون الثقافي للعروض بوضوح إلى الجمهور الجزائري، مسجلاً نمطاً تطبيقياً متميزاً لكيفية إحياء الفولكلور القديم وتقديمه للجمهور المعاصر بأساليب إخراجية تحافظ على جوهره التراثي الأصيل‏.

آفاق التعاون المستقبلي والتبادل الفني بين البلدين

تفتح النتائج الإيجابية والإقبال الجماهيري الذي حظيت به أمسية كورال القوزاق الباب أمام دراسة سبل تطوير التعاون الفني والتبادل المستدام بين المؤسسات الإبداعية في الجزائر وروسيا، كما أن استمرارية هذه الفعاليات تتيح للطرفين الانتقال من مرحلة الاستضافات المتبادلة العابرة إلى مرحلة المشاريع الفنية المشتركة، مثل تنظيم ورشات عمل تخصصية تجمع المخرجين، والكوريغرافيين، ومهندسي الصوت والسينوغرافيا لتطوير المهارات وتبادل الخبرات الميدانية‏.

ويسهم هذا الأفق التعاوني في خلق فرص إضافية لتعريف الجمهور الروسي بالثراء الثقافي والموسيقي الجزائري، من خلال تنظيم أسابيع ثقافية جزائرية في المدن الروسية الكبرى لتقديم الطبوع الأندلسية، والبدوية، والأمازيغية، والفنون التشكيلية المحلية‏.

وتظل هذه الديناميكية المتبادلة الضمانة الحقيقية لبناء علاقات ثقافية راسخة ومستدامة تعتمد على الحوار الإنساني المستمر، وتؤكد دور المؤسسات الثقافية الوطنية في صناعة مشهد فني متوازن يخدم قضايا التقارب والتعارف الحضاري بين المجتمعات‏.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"