تاريخ الجزائر.. من العمل الوطني إلى الحراك الثوري

انتهت الحرب العالمية الثانية، فاستبشر الجزائريون خيْرين وفرحوا فرحتين؛ فرحة بعودة “بعض” أبنائهم وبعض “البعض” من جبهات الموت والنار.. وفرحة بأمل أن تفي السلطة الاستعمارية بوعودها التي قطعتها على نفسها قُبيل الحرب، والتي على رأسها وَعْدُ منحِ الجزائريين الحرية والاستقلال.. وعلى ضوء ذلك خرجت الجحافل الشعبية إلى الشوارع والقرى تتظاهر بهجة وسرورا، رافعين المطالب الشرعية بيد؛ لتذكير العدو بوعده.. وباليد الأخرى راية الوطن السليب؛ للإقرار بالصمود ومواصلة التحدي.. وبين اليدين كانت ترفرف أعلام الحلفاء ورايات الأحزاب الوطنية الرافضة للاستعمار وممارساته العدوانية الدنيئة.

“أطلقوا سراح مصالي الحاج”.. “الحرية للجزائريين والاستقلال للجزائر”.. كانا أبرز شعارين رفعتهما الحشود المتكاثرة يوما بعد يوم في الشارع، منذ الفاتح ماي 1945م اليوم العالمي للعمال، حتى بلغنا اليوم الثامن من الشهر نفسه.. من الجزائر العاصمة والبليدة، إلى تلمسان، مرورا بشرشال ومليانة ومستغانم وغليزان وسيدي بلعباس ووهران.. إلى سوق أهراس وتبسة، مرورا ببجاية وسطيف وقسنطينة وسكيكدة وعنابة وسور الغزلان وبرج بوعريريج وقالمة وبسكرة وخنشلة… إلى غيرها من بقية مدن الجزائر، تمدد الحس الوطني ونفذ الوعي القومي إلى عمق الجماهير الشعبية، ليحولها من مجرد ركام خامد هامد، إلى كتلة ملتهبة على وشك الانفجار العظيم.. كانت المسيرات سلمية على العموم، لكن الحذر كان سيد الأجواء؛ حذر من المجهول الذي سيقع، لكن لا أحد كان يدرك كيف ومتى وأين سيحدث الأمر الجلل، كما لا أحد كان يدرك حجم الكارثة والخراب..

بلغت المظاهرات يومها الثامن، ولو بصورة متقطعة فاترة، وكان الثامن ثلاثاء، وهو يوم السوق الأسبوعي بمدينة سطيف حيث تدفقت جحافل “السواقة” من كل حدب وصوب، فالسوق في نظر العوام أيامها كان يشبه مهرجانا شعبيا للبيع والشراء، للتعارف والالتقاء، للصلح وفض النزاعات.. كان حدثا اجتماعيا قائما بذاته؛ فيه “القوال” الحكواتي.. وفيه المشعوذ و”البراح”.. وفيه “الخماس” والفلاح.. فيه كل الشرائح الاجتماعية الممكنة.. ولذلك، كان التحضير لهذا اليوم تحضيرا خاصا من قبل أفواج الكشافة الإسلامية، وكذا مناضلي المدينة من شتى المشارب والمناهل السياسية والاصلاحية والجمعوية، حتى تكون التعبئة أكبر والحشد أكثر، فتظهر القوة الحقيقية للشعب في الميدان.

صبيحة اليوم المعلوم خرج الناس في مسيرة حاشدة، مؤطرين من قبل قادة ورواد الكشافة الإسلامية، سالكين الشارع الرئيس باتجاه النصب التذكاري للجندي المجهول بقلب المدينة.. قبل الوصول اعترضهم بعض رجال الشرطة الاستعمارية، واستوقفوهم بصورة مستفزة طالبين منهم سحب الشعارات الوطنية.. في هذه الاثناء، تدخل أحد أعوان الشرطة بعنف لمصادرة العلم الوطني من يدي سي “عيسى شراقة” الذي كان طويل القامة، ولما لم يستطع لوحده، دفعه بمساعدة عنصر آخر فسقط الرجل، إلا أن الراية الوطنية لم تسقط، فقد سارع الكشاف القائد “بوزيد سعال” إلى التقاطها ومواصلة التلويح بها، وهنا تدخل محافظ الشرطة شخصيا وأطلق النار عليه ليرديه قتيلا، على مرأى ومسمع من بقية المتظاهرين.. مات بوزيد فهاج الناس وماجوا، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم.. لم يتعد الوقت منتصف النهار، حتى بلغت المظاهرات مداها، وتحرك الشعب في شكل عصيان مدني، في كل مكان من المدن المجاورة؛ العلمة.. برج بوعريريج.. عين الكبيرة.. بني عزيز.. خراطة.. وصولا إلى المسيلة وبوسعادة.. وعبر كل القرى والمداشر، كان الغضب جارفا والاحتقان عارما، تخللتها عمليات انتقام هنا وهناك ضد غلاة الاحتلال وميليشيات المعمرين.. قدر عدد قتلى العمليات بعد ذلك، بنحو بمائة وثلاثة -103- عبر التراب الوطني.

في اليوم التاسع وما تلاه، وعلى مدى أشهر متطاولة، تحركت الآلة الحربية الفرنسية بكل إمكاناتها، وراحت تزرع الموت في كل مكان، بطرق وأساليب فاقت بشاعتها ما كان يروى عن محارق “هتلر”، وعن منافي “ستالين”، وتجاوز رعبها ما كتب عن حروب الإبادة التي مارسها الامريكان بحق الهنود الحمر، وعن محاكم التفتيش الاسبانية بحق عرب الأندلس..

صحيح بأن المجازر كانت امتدادا لتاريخ أسود من الجرائم الفرنسية بحق الجزائريين، لكنها اليوم فاقت التوقعات في رعبها وفي صلفها، في ساديتها وفي عبثيتها.. حتى تساءل العالم بغرابة؛ أين كان مُخبَّأً كل هذا الكم الرهيب من الحقد الذي أفرغته الطغمة الاستعمارية، بجيشها ومليشياتها على رؤوس المدنيين العزل.. أين كانت كل هذه الهمجية..؟

كانت سطيف وضواحيها مسرحا لأبشع الجرائم.. كما جعلوا من وديان خراطة وشعابها مفارغ لرمي الجثث وحرقها.. وفي قالمة أحيوا محارق النازية وأفران الموت.. وفي سوق اهراس والمسيلة.. وبدرجات متفاوتة عبر بقية جهات الوطن. كان القمع وحشيا.. بمنتهى الوحشية التي لا يمكن تخيلها، زرعا للرعب وكسرا لشوكة المد الوطني الذي أخذ منحنى تصاعديا، صار يقض مضاجع السلطات الاستعمارية.. يقول الراحل “فرحات عباس” في كتابه “ليل الاستعمار”: … كانت الاضطرابات دامية بعمالة قسنطينة خاصة، وقد سقط فيها من الأوربيين “102” مقابل عشرات الآلاف من الضحايا الجزائريين.

اندلعت الجرائم بأمر من الجنرال “دوفال” والعقيد “بودريلا”، حيث داهم “اللفيف الأجنبي” والرماة السنغاليون و”الفيلق المغربي” القرى والمداشر، ولم تنج من فظائعهم لا النساء ولا الأطفال. كما قام المستوطنون المدعومون بالشرطة والجيش بارتكاب مجازر لا يمكن وصفها، مجازر لا تليق بالعالم المتحضر الذي يدعونه.

وقد دفع الشباب من إطارات “أحباب البيان والحرية” ضريبة ثقيلة، بعد أن صب المستوطنون المنتظمون في عدد من الميلشيات جام حقدهم على سطيف والعين الكبيرة وخراطة ووادي المرسى وقالمة وعنابة، حيث أعدموا الآلاف من الشباب، بعد أن أذاقوهم أبشع أشكال التعذيب.. فقد عادت مطاردة العربي مثلما كانت في عهد المجرمين الأوائل من أمثال “روفيغو” و”سانت آرنو”.. وأصبحت ميليشيات المستوطنين تنتحل حق المحاكمة والإعدام، وظلت كل هذه التجاوزات من دون عقاب.. بعد أن رفضت الحكومة القائمة حينذاك -حكومة الجنرال دوغول- أن يُطبق العدل والقانون على رعاياها، كما جاء في تقرير الجنرال “توبار”.

وبعدما قامت الحكومة الفرنسية باستعمال كل وسائل القمع والتقتيل الجماعي، بما فيها القوات البرية والجوية والبحرية، كانت النتيجة؛ قتل أكثر من 45.000 جزائري، أولهم كان الكشاف القائد: سعال بوزيد. إلا أن بعض الهيئات والصحف العالمية كانت قد قدرت الرقم ما بين: 50000 إلى 70000 قتيل.. كجريمة حرب ضد الإنسانية، موثقة وقائمة الأركان، حيث لا تزال فرنسا ترفض الاعتراف تهربا من المسؤولية الأخلاقية والمادية التي يمكن أن تترتب على ذلك.

“ليستراد كاربونال” عامل قسنطينة آنذاك، يقول لمسؤوليه في باريس؛ “إننا بهذه العملية، نكون قد ضمنا لفرنسا عشر سنين من الهدوء والاستقرار، وأما بعد ذلك فلا أضمن شيئا..”.. في إشارة واضحة إلى حجم العملية الاجرامية التي تم من خلالها سحق عدد رهيب من المناضلين الوطنيين، وتداعيات ذلك على المديين القريب والمتوسط.

ولذلك جاء الرد الفرنسي عنيفا.. جاء ليؤكد تمسك الفرنسيين بالجزائر، بعد بداية الإحساس بقوة المد الوطني والوعي السياسي.. كما أن السلطات الاستعمارية جعلت من العملية الوحشية فرصة لاستعادة الروح المعنوية، ورفعها لدى الجيش الفرنسي الذي كان قد ظهر كأجبن وأضعف جيش أمام الزحف الألماني.. كذلك، محاولة السلطات الفرنسية المجرمة، زرع روح الرعب والتخويف والترهيب في باقي المستعمرات، حتى لا تفكر في المطالبة بالاستقلال.. وكذا، دحر الاشاعات المشككة في قوة فرنسا العسكرية.

من جهة أخرى، وبالنظر إلى ردة فعل السلطة الاستعمارية حيال المشهد السياسي الوطني؛ اعتقال “فرحات عباس” والدكتور “سعدان”، نفي “مصالي الحاج”، حل الأحزاب السياسية والتنظيمات الوطنية، وكنس الساحة من كل ما له علاقة بالحس الوطني الجزائري.. وكأنها بذلك، أي السلطة الفرنسية، تريد أن تجر التاريخ من ذيله، وأن تعيد الوضع إلى نقطة الانطلاق الأولى؛ دولة فرنسية واحدة من “دانكرك” إلى “تامنغست”.. إلا أن ذلك صار مجرد أضغاث أحلام ليس إلا.