الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

تتويج عالمي لمحطة “الرأس الأبيض”.. الجزائر تتألق في تحلية مياه البحر

Author
صبرينة عيلان 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

جاء تتويج محطة تحلية مياه البحر “الرأس الأبيض” بوهران بالمركز الثاني ضمن “جوائز المياه العالمية 2026″، ليؤكد أن الجزائر لم تعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا المائية، بل أصبحت فاعلا إقليميا ودوليا يفرض حضوره داخل واحدة من أكثر الصناعات الاستراتيجية حساسية في العالم.

هذا وتواصل الجزائر تعزيز تموقعها ضمن الدول التي تراهن على الحلول غير التقليدية لضمان أمنها المائي، من خلال توسيع استثماراتها في مشاريع تحلية مياه البحر وتطوير بنى تحتية مائية حديثة تستجيب للطلب المتنامي على المياه الصالحة للشرب.

ويحمل هذا التتويج الدولي، الذي أُعلن خلال فعاليات القمة العالمية للمياه المنعقدة بالعاصمة الإسبانية مدريد، دلالات تتجاوز البعد التقني أو الرمزي، إذ يعكس التحوّل العميق الذي تعرفه السياسة المائية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل التوجه نحو بناء منظومة متكاملة للأمن المائي تعتمد على تنويع مصادر التموين وتقليص الارتهان للتقلبات المناخية وشح التساقطات المطرية.

وقد تمكنت محطة “الرأس الأبيض“، التابعة للشركة الجزائرية للطاقة، وهي فرع من مجمع سوناطراك، من افتكاك المرتبة الثانية عالميا بعد منافسة ضمت عشرات المشاريع الدولية الكبرى في مجال تحلية مياه البحر، لتصبح بذلك واحدة من أبرز المشاريع المائية التي لفتت اهتمام الخبراء والمؤسسات الدولية المتخصصة في تكنولوجيا المياه والصناعات البيئية.

محطة “الرأس الأبيض” المشروع الذي أعاد رسم خريطة الأمن المائي في الجزائر

تعد محطة “الرأس الأبيض” من بين أكبر المشاريع المائية التي أنجزتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، بقدرة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا، ما يسمح بتغطية احتياجات نحو ثلاثة ملايين مواطن من المياه الصالحة للشرب بولاية وهران والمناطق المجاورة.

كما يمثل المشروع نموذجا للتكامل بين الخبرة الوطنية والاستثمار العمومي والتكنولوجيا الحديثة، بالنظر إلى مساهمة عدد من فروع مجمع سوناطراك في إنجازه، سواء من خلال الإشراف التقني أو تنفيذ الأشغال أو المرافقة الهندسية.

وتقع محطة “الرأس الأبيض” على الساحل الغربي لولاية وهران، وتصنف ضمن أكبر محطات تحلية مياه البحر في الجزائر ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، بقدرة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا، وهو ما يسمح بتوفير المياه الصالحة للشرب لفائدة نحو ثلاثة ملايين مواطن بولاية وهران والمناطق المجاورة، في خطوة تهدف إلى تعزيز استقرار التزويد بالمياه والتقليل من آثار الإجهاد المائي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ويكتسي المشروع أهمية استراتيجية خاصة بالنظر إلى موقع وهران كواحدة من أكبر المدن الجزائرية من حيث الكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي والصناعي، حيث أصبحت مسألة تأمين الموارد المائية تمثل تحديا أساسيا لضمان استمرارية التنمية المحلية وتحسين الإطار المعيشي للسكان.

ولا تقتصر أهمية محطة “الرأس الأبيض” على بعدها الخدمي فقط، بل تعكس أيضا تطورا ملحوظا في قدرات الجزائر على إنجاز مشاريع بنية تحتية معقدة وفق معايير تقنية عالمية، خاصة أن المشروع يجسد نموذجا متكاملا للتنسيق بين المؤسسات الوطنية والخبرات الهندسية والتكنولوجية الحديثة.

وقد أشرفت على المشروع الشركة الجزائرية للطاقة، وهي فرع تابع لمجمع سوناطراك، بينما تولت الشركة الوطنية للبناء والهندسة، وهي الأخرى إحدى فروع المجمع، تنفيذ جانب كبير من الأشغال، بمرافقة تقنية من الشركة الوطنية للأشغال البترولية الكبرى، في صورة تعكس توجها واضحا نحو تعبئة القدرات الوطنية لإنجاز المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

ويؤكد تتويج محطة “الرأس الأبيض” أن الجزائر بدأت فعليا في حجز مكان لها داخل خارطة الدول الصاعدة في صناعة المياه، مستفيدة من خبراتها المتراكمة في مجال الطاقة والهندسة الكبرى، ومن إرادة سياسية واضحة لجعل الأمن المائي أولوية استراتيجية توازي في أهميتها الأمن الطاقوي والغذائي.

ويرى الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا الإنجاز ليس مجرد تتويج تقني لمحطة تحلية، بل رسالة اقتصادية وسيادية تؤكد أن الجزائر بدأت تدخل فعلياً نادي الدول التي تراهن على التحكم في الصناعات المائية الثقيلة.

وأوضح تيغرسي أن مشروع “الرأس الأبيض” يعكس تطورا واضحا في قدرات الجزائر على إدارة وإنجاز مشاريع بنية تحتية معقدة ذات أبعاد استراتيجية، خاصة أن المحطة تعد من أكبر مشاريع التحلية في إفريقيا والفضاء المتوسطي، بقدرة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا، وهو ما يسمح بتغطية احتياجات ملايين المواطنين من المياه الصالحة للشرب.

وأكد المتحدث أن المشروع يحمل أبعادا اقتصادية أعمق من مجرد توفير المياه، لأنه يكشف عن بداية تشكل منظومة صناعية مائية متكاملة في الجزائر تشمل الهندسة البحرية، وأنظمة المعالجة، والتسيير الطاقوي، والتقنيات الرقمية الخاصة بمراقبة الشبكات والصيانة الصناعية.

هل نجحت الجزائر في تحويل خبرتها الطاقوية إلى قوة مائية؟

يرى هواري تيغرسي أن نجاح الجزائر في مشروع “الرأس الأبيض” يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الإرادة السياسية التي دفعت نحو تسريع مشاريع الأمن المائي بعد تزايد تأثيرات التغيرات المناخية وتراجع الموارد التقليدية.

وأوضح أن الجزائر أدركت، خلال السنوات الأخيرة، أن ملف المياه أصبح قضية سيادية لا تقل أهمية عن الأمن الطاقوي والغذائي، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات العمومية الضخمة التي وجهت نحو مشاريع التحلية والسدود وشبكات التوزيع.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الخبرة الطويلة التي راكمتها الجزائر في مجال الصناعات الطاقوية والبنى التحتية الثقيلة، خاصة عبر مجمع سوناطراك، لعبت دورا محوريا في إنجاح مشاريع التحلية، باعتبار أن هذه المشاريع تعتمد أساساً على التحكم في الطاقة والهندسة الصناعية المعقدة.

وأشار تيغرسي إلى أن التمويل السيادي الذي وفرته الدولة ساهم بدوره في تسريع وتيرة الإنجاز، بعيدا عن الضغوط المرتبطة بالقروض والتمويلات الخارجية، معتبرا أن هذا النموذج منح الجزائر هامشا أكبر للتحكم في القرار التقني والتنظيمي للمشروع.

كما أبرز أن اعتماد الجزائر على شراكات تكنولوجية مدروسة سمح بالجمع بين الخبرة الأجنبية والكفاءات الوطنية، ما ساهم في نقل جزء من المعرفة التقنية بدل الاكتفاء باستيراد المشاريع الجاهزة.

ورغم هذا النجاح، يؤكد هواري تيغرسي أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد مرحلة الإنجاز، موضحا أن المعضلة الكبرى في مشاريع التحلية عالميا لا تتعلق ببناء المحطات فقط، وإنما بقدرة الدول على التحكم في تكاليف الإنتاج والصيانة والتكنولوجيا.

وأشار إلى أن صناعة التحلية تعد من أكثر الصناعات استهلاكا للطاقة، ما يجعل تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه مرتفعة نسبيا إذا ظلت مرتبطة بالتكنولوجيا المستوردة والاعتماد الكامل على المعدات الأجنبية.

وشدد المتحدث على ضرورة ربط مشاريع التحلية مستقبلا بالطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، بالنظر إلى الإمكانات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها الجزائر في هذا المجال، معتبرا أن هذا الخيار يمكن أن يقلّص بشكل كبير فاتورة الطاقة ويخفض التكاليف التشغيلية للمحطات.

كما دعا تيغرسي إلى ضرورة توطين صناعة المعدات المرتبطة بالتحلية داخل الجزائر، من خلال تطوير نسيج صناعي محلي متخصص في إنتاج المضخات، والأغشية الصناعية، وأنظمة التحكم، وقطع الغيار، بدل الاستمرار في استيرادها من الخارج.

وأكد أن بناء اقتصاد المياه لن يتحقق فقط عبر بيع المياه أو إنشاء المحطات، بل عبر التحكم في التكنولوجيا وسلاسل المناولة الصناعية، موضحاً أن الدول التي نجحت عالمياً في هذا المجال لم تعتمد على استيراد التكنولوجيا فقط، وإنما عملت على تطوير مراكز بحث وشركات صيانة ومؤسسات تصنيع وطنية مرتبطة بقطاع المياه.

هل تتحوّل الجزائر إلى قوة إقليمية في الأمن المائي؟

ويرى الخبير الاقتصادي أن المؤشرات الحالية توحي بأن الجزائر تتجه تدريجيا نحو بناء نموذج إقليمي جديد في إدارة الموارد المائية، يقوم على الدمج بين التحلية، والطاقات المتجددة، والرقمنة، وإعادة تدوير المياه، والبنى التحتية الذكية.

وأوضح أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة استراتيجية للتحوّل إلى مركز إقليمي للخبرة والتكنولوجيا المائية داخل إفريقيا، خاصة في ظل تنامي الطلب القاري على حلول الأمن المائي نتيجة موجات الجفاف والتغيرات المناخية الحادة.

وأشار إلى أن القارة الإفريقية ستكون، خلال السنوات المقبلة، واحدة من أكثر المناطق احتياجا إلى تقنيات المياه الحديثة، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لبناء صناعة تصديرية جديدة قائمة على التكنولوجيا والخدمات الهندسية المرتبطة بالمياه.

وأضاف تيغرسي أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على ضمان المياه للمواطن فقط، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الجزائر على بناء سيادة مائية شاملة تقوم على إنتاج التكنولوجيا وتطوير الخبرة المحلية وتقليص التبعية الخارجية.

وأضاف المتحدث أن تتويج محطة “الرأس الأبيض” عالميا يمثل بداية مسار طويل لاختبار قدرة الجزائر على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها، مشددا على أن معركة المستقبل لن تكون فقط حول امتلاك الموارد، بل حول امتلاك التكنولوجيا القادرة على التحكم فيها وتسويقها إقليميا ودوليا.