الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

تحديث الفلاحة العائلية.. الطريق نحو تعزيز الأمن الغذائي في الجزائر


في سياق التحولات العميقة التي يشهدها القطاع الفلاحي في الجزائر، بين تحديات ندرة الموارد المائية وتغير المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج، يبرز ملف الفلاحة العائلية كأحد أبرز محاور النقاش حول مستقبل الأمن الغذائي الوطني.

فبين من يعتبرها نموذجا تقليديا يحتاج إلى إعادة تأهيل، ومن يراها ركيزة أساسية لا غنى عنها في المنظومة الإنتاجية، يتجدد الحديث حول مدى قدرتها على الصمود والتكيّف مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

في هذا الصدد، أفاد كريم حسن، رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، أن مشروع القانون الجديد للتوجيه الفلاحي يمثل، محطة مفصلية في مسار إصلاح القطاع الفلاحي في الجزائر، باعتباره إطارا قانونيا جديدا يسعى إلى إعادة تنظيم المنظومة الفلاحية على أسس حديثة، توازن بين متطلبات الأمن الغذائي الوطني والتحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.

إدماج الفلاحة العائلية في الاقتصاد الحديث خيار استراتيجي

وأوضح حسن في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا النص التشريعي لا يندرج فقط ضمن مراجعة تقنية للقطاع، بل يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة أدوار مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الفلاح العائلي، داخل دورة الإنتاج الوطني.

وأضاف كريم حسن أن الفلاحة العائلية تحتل موقعا محوريا في المنظومة الفلاحية الجزائرية، بالنظر إلى مساهمتها الكبيرة في ضمان تزويد السوق الوطنية بالمنتجات الأساسية، ومساهمتها المباشرة في الأمن الغذائي.

وأبرز أن هذا النموذج الإنتاجي، رغم بساطته من حيث البنية التنظيمية، إلا أنه يشكل العمود الفقري الحقيقي للإنتاج الفلاحي في الجزائر، بحكم انتشاره الواسع في المناطق الريفية والجبلية، واعتماده على اليد العاملة العائلية والموارد المحلية، مما يمنحه قدرة على الاستمرار والصمود في وجه التقلبات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث أن التحولات الاقتصادية الراهنة تفرض إعادة التفكير في مكانة الفلاحة العائلية، ليس من زاوية الإقصاء أو الاستبدال، وإنما من منظور إعادة التكييف والتأهيل.

وأشار إلى أن التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتغير المناخ، إلى جانب المنافسة المتزايدة في الأسواق، تجعل من الضروري دعم هذا النموذج الإنتاجي بآليات حديثة تضمن استمراريته وتطوره في آن واحد.

كما أضاف كريم حسن أن الفلاحة العائلية، رغم أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، تواجه اليوم جملة من القيود التي تحد من مردوديتها، في مقدمتها ضعف المكننة، وصعوبة الولوج إلى التمويل، وغياب أدوات التسيير الحديثة، وهو ما يجعل العديد من الفلاحين العائليين غير قادرين على مواكبة متطلبات السوق الحديثة.

وأكد أن معالجة هذه الإشكالات لا تعني التخلي عن هذا النمط الإنتاجي، بل على العكس، تستوجب إعادة بنائه على أسس جديدة أكثر كفاءة وفعالية.

وأشار في هذا الإطار إلى أن المكننة والتقنيات الحديثة والرقمنة تمثل رافعة أساسية لتطوير الفلاحة العائلية، موضحا أن إدماج هذه الأدوات من شأنه تحسين الإنتاجية بشكل كبير، وتقليص نسبة الهدر، وتخفيف العبء البدني على الفلاح، فضلًا عن تحسين جودة المنتجات الفلاحية.

وأبرز أن الانتقال إلى فلاحة أكثر حداثة لا يمكن أن يتم دون مرافقة فعلية للفلاح العائلي، من خلال توفير التمويل المناسب، وتسهيل اقتناء العتاد، وتطوير البنية التحتية الفلاحية، خصوصًا في المناطق الريفية.

كما أوضح أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تجاوز الفلاحة العائلية أو تهميشها، بل في إعادة إدماجها ضمن منظومة إنتاجية أكثر تنظيما واحترافية، قادرة على المنافسة في السوق الوطنية والدولية.

وأشار إلى أن هذا الهدف يمر حتما عبر تشجيع التنظيمات المهنية والتعاونيات الفلاحية، التي تسمح بتجميع جهود الفلاحين، وتحسين قدرتهم على التفاوض، وتقليص كلفة الإنتاج والتسويق.

وأضاف محدثنا أن مشروع القانون الجديد للتوجيه الفلاحي يمكن أن يشكل، في حال تطبيقه الفعلي، أداة فعالة لإعادة الاعتبار للفلاحة العائلية، من خلال تحويلها إلى فاعل اقتصادي منظم داخل السوق، بدل بقائها في إطار النشاط التقليدي المحدود.

وأكد أن هذا التحول يتطلب إرادة سياسية قوية وآليات تنفيذ دقيقة، تضمن الانتقال التدريجي نحو فلاحة أكثر اندماجًا في الاقتصاد الحديث، دون المساس بدورها الاجتماعي داخل المجتمع الريفي.

خِتاماً، أكد كريم حسن على أن مستقبل الفلاحة في الجزائر يرتبط بشكل وثيق بقدرة الدولة والفاعلين على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الفلاحة العائلية كرافد اجتماعي واقتصادي أساسي، وبين إدماجها في مسار التحديث والتقنيات الحديثة، بما يضمن تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وترسيخ مكانة القطاع الفلاحي كأحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي