الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

تحرير الرعية الألماني.. نجاح أمني ودبلوماسي يعزز ثقل الجزائر في منطقة الساحل


في خطوة تعكس تنامي الحضور الأمني والدبلوماسي للجزائر في منطقة الساحل، تسلط عملية تحرير الرعية الألماني “أولوماسكان سينان” من الاختطاف في النيجر وتسليمه إلى سلطات بلاده، الضوء على القدرات التي راكمتها الجزائر في التعامل مع الأزمات والتهديدات العابرة للحدود، وعلى الدور الذي باتت تضطلع به في دعم أمن المنطقة واستقرارها.

وتأتي العملية، التي تولت فيها مصالح أمن الجيش الوطني الشعبي استلام الرعية الألماني ونقله إلى الجزائر، بعد احتجازه لنحو أسبوعين من قبل مجموعة إجرامية مسلحة، لتؤكد أهمية المقاربة الجزائرية القائمة على توظيف الأدوات الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية في إدارة الأزمات المعقدة التي تشهدها منطقة الساحل.

وفي هذا السياق، يرى باحثان حاورتهما “الأيام نيوز” أن نجاح العملية يعكس تراكم الخبرة الجزائرية في مواجهة التهديدات الأمنية التي تعرفها المنطقة، ويبرز قدرة الجزائر على التحرك بكفاءة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بما يعزز مكانتها كفاعل أساسي وشريك موثوق في جهود تحقيق الأمن والاستقرار في الساحل.

فمن جانبه، يرى مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية أن التحرك الجزائري الأخير يعكس التفوق الاستخباراتي والأمني المتراكم في مكافحة مختلف الظواهر الأمنية التي شهدتها منطقة الساحل، موضحا أن استلام الرعية الألماني بعد تحريره من الاختطاف في النيجر لا يمثل تحركا معزولا، وإنما يندرج ضمن الآليات التي تعتمدها الجزائر في مقاربتها الرامية إلى تكريس الاستقرار في المنطقة.

نجاح الجزائر في الساحل يرسخ دورها كركيزة للأمن الإقليمي والأوروبي

وأشار دماني إلى أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي، تمثل جزءا أساسيا من بوابة الأمن الأوروبي الجنوبية، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى الدور الجزائري في مواجهة مختلف التهديدات والظواهر الأمنية العابرة للحدود، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب.

ولفت المتحدث إلى أن أي اضطراب في منطقة الساحل أو جنوب المتوسط يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على الأمن الأوروبي، على غرار ما أفرزه انهيار الوضع الأمني في ليبيا من آثار امتدت إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، أبرز الباحث في الدراسات الاستراتيجية أن تعزيز الدور الجزائري في الساحل من شأنه أن يرفع مكانة الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي، ويضاعف الحاجة الأوروبية إلى التعاون معها، بما يحقق للجزائر مكاسب ومصالح سياسية وأمنية واقتصادية، خاصة في ظل تنامي الحاجة الأوروبية إلى مصادر الطاقة الجزائرية.

وأكد أن السياسة الأمنية الجزائرية لا تقوم على البعد العسكري وحده، وإنما تستند إلى مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الحلول الدبلوماسية والتنمية والتنسيق الإقليمي، معتبرا أن هذا التنوع في أدوات التحرك يمثل أحد عوامل نجاعة المنظور الأمني الجزائري، مقارنة بمقاربات أخرى، من بينها الفرنسية والروسية، التي اعتبر أنها لم تنجح في تحسين الأوضاع الأمنية في المنطقة.

وأضاف أن الجهود الجزائرية الرامية إلى تكريس الاستقرار في مالي والنيجر تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى الترابط الجغرافي والأمني بين دول المنطقة، موضحا أن أي اضطراب في مالي يمكن أن ينعكس على الوضع في النيجر، بما يجعل استقرار منطقة الساحل عاملا أساسيا في حماية الأمن الإقليمي.

هذا، ويرى محدثنا أن تحييد منطقة الساحل عن التنافس الدولي والمقاربات الأمنية التي ساهمت في تعقيد أزماتها يتطلب تعزيز البعد التنموي، مشيرا إلى أن توفير فرص العمل وتحسين الظروف الصحية والتعليمية من شأنه تقليص قابلية السكان للانخراط في الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، وهو ما تراهن عليه الجزائر ضمن مقاربتها الأمنية في المنطقة.

وفي الجانب الاقتصادي، أشار الباحث إلى أن تعزيز الاستقرار في مالي والنيجر يمكن أن يوفر بيئة أكثر أمانًا للمشاريع الطاقوية الجزائرية، خاصة مشروع نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى أوروبا مرورا بالجزائر، مؤكدا أن نجاح هذه المشاريع يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، كما يمكن أن تفتح آفاقا اقتصادية وتنموية واعدة أمام دول الساحل، بما يساهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان والحد من انتشار مختلف التهديدات الأمنية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد دماني أن هذه المعطيات مجتمعة من شأنها تعزيز مكانة الجزائر كفاعل أمني وإقليمي، وتسويق مقاربتها باعتبارها نموذجا قائما على الجمع بين الأمن والدبلوماسية والتنمية، في وقت أثبتت فيه بعض التدخلات الأجنبية محدودية قدرتها على معالجة أزمات الساحل، الأمر الذي يضاعف الحاجة الإقليمية والدولية إلى الدور الجزائري في تحقيق الاستقرار بالمنطقة.

تحرير الرعية الألماني.. نجاح أمني يعكس ثقل الجزائر الإقليمي

من جهته، أفاد عبد الرحمان بوثلجة، باحث في الشؤون الوطنية والدولية، بأن تسليم الجزائر الرعية الألماني إلى سلطات بلاده بعد تحريره من عملية الاختطاف التي تعرض لها في النيجر، “ليس مصادفة”، وإنما يعكس قوة الدولة الجزائرية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وقدرتها على توظيف إمكاناتها في مختلف المجالات.

وأوضح بوثلجة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ما حدث لا يمكن تفسيره على أنه “مجرد عمل أمني أدى إلى تحرير رهينة”، وإنما هو نتاج عمل متكامل شمل مجالات عدة، من العمل الأمني وجمع المعلومات وتقييم المخاطر والتفاوض وقراءة البيئة التي جرت فيها عملية الاختطاف، وصولا إلى العمل الدبلوماسي والتعاون مع دول الساحل والدول المعنية.

وأبرز أن هذا العمل المتكامل، الذي شاركت فيه المصالح الأمنية الجزائرية إلى جانب جهات أخرى، أفضى إلى تحرير الرعية الألماني وتسليمه إلى بلاده، معتبرا أن العملية تعكس الدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في المنطقة، كما تبرز نجاح دبلوماسيتها على المستويين الإفريقي، خاصة في منطقة الساحل، والمتوسطي، من خلال علاقاتها مع الدول الأوروبية.

وأشار المتحدث إلى أن هذا الحدث ليس الأول من نوعه، إذ سبق للجزائر أن اضطلعت بمبادرات مماثلة، من بينها تحرير الرهينة الإسباني وتسليمه إلى سلطات بلاده مطلع عام 2025، مذكرا بأن الجزائر عُرفت تاريخيا بدورها في تحرير الرهائن وإدارة الأزمات.

وفي هذا السياق، استحضر بوثلجة الوساطة الجزائرية خلال أزمة الرهائن الأمريكيين في السفارة الإيرانية مع بداية الثورة الإيرانية، موضحا أن الأزمة، التي استمرت فترة طويلة، انتهت بجهود جزائرية أسهمت في تفكيك خيوطها والإفراج عن الرعايا الأمريكيين، وهي التجربة التي لا تزال تحظى باستذكار الجانب الأمريكي إلى اليوم.

واعتبر أن استحضار هذه التجربة يكتسب أهمية خاصة في ظل الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرا إلى أن الجزائر تؤدي دورا مهما في المنطقة انطلاقا من تبنيها مبدأ الأمن الجماعي، وإدارة علاقاتها في منطقة الساحل على أساس تعزيز أمن دول المنطقة واستقرارها.

وأضاف الباحث أن الجزائر تسعى باستمرار إلى بناء علاقات ودية مع دول الجوار، انطلاقا من مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مبرزا أن هذا النهج أسهم أيضا في تعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا وإسبانيا، باعتبارهما من الشركاء الأساسيين للجزائر في المنطقة.

وأشار إلى أن الزيارات الرسمية المتبادلة، ومنها زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا، والزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر، تعكس مستوى العلاقات التي تجمع الجزائر بهذين البلدين، بالتوازي مع تعزيز العلاقات الجزائرية مع دول الساحل يوما بعد يوم، خاصة مع مالي والنيجر ودول المنطقة.

وأكد بوثلجة أن الجزائر تساهم في معالجة الأزمات الإقليمية “بطريقة ذكية”، موضحا أنها “تعمل بهدوء وأكثر مما تتكلم”، ولا تعتمد بالضرورة على الظهور الإعلامي، وإنما تتحرك عبر مؤسساتها ومصالحها المختصة، حيث يؤدي كل طرف دوره بما يخدم مصالح الجزائر وشركائها والدول الصديقة.

في السياق ذاته، أبرز محدثنا أن نجاح عملية تحرير الرعية الألماني يمثل نجاحا للجزائر من الناحيتين الأمنية والدبلوماسية، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه أزمات معقدة، تتراوح بين الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات.

خِتاماً، أشار عبد الرحمان بوثلجة إلى أن الجزائر راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في التعامل مع هذه التحديات، وتوظف هذه التجربة في دعم جهود الاستقرار الإقليمي، مضيفا أن شركاء الجزائر يعوّلون على خبرتها وإمكاناتها في هذا المجال، بالنظر إلى ما راكمته من تجربة في التعامل مع الأزمات والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل.

 

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.