الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

تحليل رائد ناجي لـ”الأيام نيوز”.. كيف يعيد الاستيطان الصهيوني تشكيل الأرض والهوية في الضفة الغربية؟

Author
بثينة صايفي 23 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أكد الدكتور رائد ناجي، الكاتب والأستاذ الجامعي والباحث الفلسطيني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الاستيطان في الضفّة الغربية، لم يعد سياسة مؤقتة أو خيارا أمنيا عابرا، وإنما تحوّل إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، يتلاعب برسم الجغرافيا الفلسطينية ويعيد تشكيل الهوية الوطنية، مخلّفا تداعيات عميقة على الحياة اليومية الفلسطينيين ومستقبل كيانهم الوطني.

هذا التحوّل لا يُقاس فقط بعدد المستوطنات أو المساحات المصادرة، بل بطبيعة التأثير العميق الذي يطال النسيج الجغرافي والاجتماعي، حيث تتحوّل القرى والمدن إلى فضاءات معزولة، وتُعاد صياغة العلاقات بينها وفق منطق السيطرة والتقطيع. ولم يعد السؤال مقتصرًا على الأرض وحدها، بل امتدّ ليشمل الزمن والحياة اليومية للفلسطيني، في ظل قيود متزايدة على الحركة وتضييق مستمر على أبسط مقومات العيش.

رائد ناجي

الاستيطان.. من سياسة ظرفية إلى مشروع بنيوي

في هذا السياق، أكد رائد ناجي المحلل السياسي الفلسطيني أن ما تشهده الضفة الغربية اليوم يعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الاستيطان، حيث لم يعد مجرد سياسة عابرة أو خيارًا أمنيًا ظرفيًا، بل أصبح بنية عميقة ومتكاملة تعيد تشكيل الجغرافيا والهوية في آن واحد. فالمسألة لم تعد مرتبطة بقرارات آنية أو ردود فعل مرحلية، بقدر ما هي مشروع طويل الأمد، قائم على رؤية استراتيجية تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض.

وأضاف ناجي أن هذا المشروع يتوغّل بهدوء محسوب، بعيدًا عن الضجيج، لكنه ثابت في خطواته، يلتهم الأرض تدريجيًا ويعيد رسم الحدود وفق منطق القوة، لا وفق مقتضيات الشرعية الدولية. فالتوسع الاستيطاني لا يُقاس فقط بعدد الوحدات السكنية أو حجم البناء، بل بقدرته على إحداث تحوّل جذري في بنية المكان، من خلال تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى جزر متناثرة ومعزولة، فاقدة للترابط الجغرافي ومجردة من مقومات الحياة المستقلة.

كما أن هذا التحول يعكس، حسب المتحدث، انتقالًا من سياسة توسّع تقليدية إلى عملية إعادة تشكيل شاملة، تستهدف ليس فقط الأرض، بل أيضًا الإنسان الفلسطيني، عبر تضييق الخناق على حركته اليومية وإضعاف قدرته على التواصل والاستقرار. وهو ما يجعل من الاستيطان اليوم أداة مركزية في صياغة واقع جديد، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والجغرافية والديمغرافية، في مشهد يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الضفة الغربية وإمكانية قيام كيان فلسطيني متماسك.

 شبكة استيطانية تعيد رسم الجغرافيا

وفي حديثه عن مشاريع توسع الكيان الصهيوني، أوضح رائد ناجي أن الاستيطان اليوم لم يعد قائمًا على منطق النقاط المعزولة، بل تطوّر ليعمل ضمن منظومة شبكية معقّدة ومترابطة، تُدار بدقة وتخدم هدفًا استراتيجيًا واضحًا. فكل مستوطنة لا تُبنى ككيان منفصل، بل تُدمج ضمن شبكة واسعة من الطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية، والمناطق المغلقة، ما يجعلها جزءًا من بنية متكاملة تعيد تشكيل المجال الجغرافي بالكامل.

وأشار إلى أن هذه الشبكة لا تقتصر وظيفتها على الربط بين المستوطنات فحسب، بل تُستخدم كأداة للتحكّم في الأرض والسكان معًا، حيث تفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا تتحول فيه الضفة الغربية إلى فسيفساء مجزأة ومقطّعة الأوصال، وتصبح الحركة اليومية للفلسطينيين مرهونة بإرادة هذه الشبكة، التي تتحكم في المسارات، وتحدد إمكانيات الوصول، بل وحتى توقيت التنقل. لم يعد السؤال متعلقًا فقط بالمساحة الجغرافية، بل امتد ليشمل الزمن كعنصر أساسي في معادلة السيطرة، فالمسافة بين قريتين لم تعد تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الحواجز، ومدة الانتظار، وإمكانية المرور من عدمها، وهنا تتبخر الكثير من الفرص الحياتية من عمل وتعليم وعلاج، في مشهد يعكس كيف تحوّل الاستيطان إلى أداة تتحكم ليس فقط في المكان، بل في إيقاع الحياة نفسها.

 إعادة هندسة المكان ومحو الذاكرة

كما شدد المحلل السياسي الفلسطيني، على أن ما يجري في الضفة الغربية يتجاوز بكثير حدود التوسع العمراني التقليدي، ليصل إلى مستوى إعادة هندسة شاملة للحيّز الجغرافي والرمزي على حد سواء. فالمسألة لا تتعلق فقط ببناء مستوطنات جديدة، بل بإعادة صياغة المكان نفسه، من خلال تغيير معالمه وإعادة ترتيب مكوناته، بما يخدم سردية مغايرة تحاول فرض نفسها كأمر واقع. فالاستيطان يعمل على تغيير أسماء الأماكن واستبدالها بمسميات جديدة، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الجغرافيا لتطال الذاكرة والتاريخ. كما تُعاد كتابة الخرائط بشكل يعكس هذا التحوّل، حيث تختفي تدريجيًا الأسماء الأصلية وتُستبدل برؤية جديدة تسعى إلى ترسيخ حضور مختلف يمحو الرواية الفلسطينية أو يدفع بها إلى الهامش.

ومع تكاثر البؤر الاستيطانية بشكل لافت، تبدو هذه العملية وكأنها تمتد أفقيًا وعموديًا في آن واحد، ليس فقط عبر السيطرة على الأرض، بل عبر إعادة تعريفها. هذا التمدد لا يعكس مجرد رغبة في التوسع، بل يكشف أيضًا عن شعور متزايد لدى القائمين عليه بأن الكلفة السياسية لهذا المسار أصبحت محدودة، في ظل غياب ردع فعلي أو مساءلة حقيقية.

وبذلك، يتحول الاستيطان إلى أداة مزدوجة: يغيّر ملامح المكان ماديًا ويعيد تشكيل الوعي المرتبط به رمزيًا، في محاولة لخلق واقع جديد لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد تأثيره إلى الذاكرة الجماعية ومستقبل الرواية التاريخية للمنطقة.

 الصمود كخيار وجودي يومي

وفي قلب هذا المشهد المعقّد، أشار المتحدث إلى أن الفلسطيني يجد نفسه أمام معادلة قاسية تزداد حدّة يومًا بعد يوم: أرض تتقلّص تدريجيًا، وفضاء حيوي يضيق بفعل القيود المتزايدة، مقابل إصرار متواصل على البقاء. وفي هذا السياق، لا يُفهم الصمود كخيار عابر أو موقف رمزي، بل كفعل وجودي يومي يفرضه واقع لا يترك بدائل كثيرة.

فعند الفلسطينيين لم يعد الصمود شعارًا يُرفع في المناسبات، بل تحوّل إلى ممارسة يومية تتجسد في التمسك بشجرة زيتون رغم التهديد بالاقتلاع، في إعادة بناء منزل هُدم رغم تكرار الهدم، وفي الإصرار على البقاء في قرى معزولة ومحاصرة رغم صعوبة العيش فيها. هذه الأفعال، على بساطتها الظاهرية، تعبّر عن إرادة جماعية في مقاومة التلاشي والحفاظ على الحد الأدنى من الحضور فوق الأرض.

كما يعكس هذا الصمود وعيًا متزايدًا بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على البقاء ذاته، وعلى الحق في الحياة الطبيعية. فكل يوم يمرّ يحمل تحديات جديدة، من قيود الحركة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الاستمرار في الحياة بحد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة. بهذا المعنى، تتحوّل هذه التفاصيل الصغيرة إلى خطوط دفاع أخيرة في مواجهة واقع غير متكافئ، حيث لا تُقاس القوة فقط بالإمكانات، بل أيضًا بالقدرة على الاستمرار. فالصمود هنا ليس مجرد رد فعل، بل استراتيجية بقاء، تعكس تمسكًا عميقًا بالأرض والهوية، وإصرارًا على عدم الانسحاب من مشهد يُعاد تشكيله بالقوة.

 عجز دولي واتساع الفجوة بين القول والفعل

وأعرب ناجي عن موقفه تجاه المجتمع الدولي، الذي وصفه بالعاجز، مؤكدًا أنه اكتفى بلغة الإدانة اللفظية دون أن يرافقها أي تحرك فعلي على الأرض. فالمواقف الرسمية، رغم حدّتها أحيانًا، بقيت حبيسة البيانات والتصريحات، في وقت تتسارع فيه وتيرة الأحداث ميدانيًا. ويشير إلى أن هذا العجز لم يعد ظرفيًا أو مؤقتًا، بل أصبح نمطًا متكررًا يعكس حالة من الشلل السياسي، حيث تتكرر عبارات “القلق” و“الرفض” دون أن تُترجم إلى إجراءات رادعة أو ضغوط حقيقية.

وقال إنه، في ظل هذا الواقع، تتسع الفجوة بشكل لافت بين ما يُقال في المحافل الدولية وما يحدث فعليًا على الأرض؛ فبينما تُعقد الاجتماعات وتُرفع الشعارات الداعية إلى احترام القانون الدولي، تواصل الجرافات عملها دون توقف، في مشهد يعكس اختلال ميزان التأثير. هذا التباين لا يمنح المشروع الاستيطاني مساحة أكبر للتوسع فحسب، بل يعزز أيضًا شعورًا متناميًا بأن المنظومة الدولية فقدت قدرتها على فرض قراراتها، وأن القانون الدولي بات أقرب إلى نصوص نظرية تفتقر إلى آليات التنفيذ.

 مفترق طرق.. أي مستقبل للضفة الغربية؟

وفي نهاية هذا المشهد المتشابك، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، أن الضفة الغربية تقف عند مفترق طرق تاريخي، يحمل في طيّاته أسئلة مصيرية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى مستقبل القضية برمّتها. فالتطورات المتسارعة على الأرض وتزايد وتيرة الاستيطان يضعان الواقع الفلسطيني أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما استمرار هذا القضم البطيء الذي يعيد تشكيل الجغرافيا تدريجيًا إلى حد قد تتحول فيه الفكرة الفلسطينية إلى مجرد ذكرى جغرافية، أو إعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول إمكانية إنقاذ ما تبقى من الأرض والهوية.

وفي هذا السياق، يؤكد ناجي أن الحديث عن السلام لم يعد مجرد مسار سياسي تقليدي، بل بات مرتبطًا بواقع ميداني يتغير بشكل يومي. فكيف يمكن الحديث عن تسوية أو حلول مستقبلية في ظل أرض تُستنزف باستمرار ومعالم تُعاد صياغتها على نحو يصعب التراجع عنه؟ هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يطرح تحديات حقيقية أمام أي أفق للحل. كما أن تأجيل الإجابات الكبرى لم يعد يعني الجمود، بل يفتح المجال أمام فرض وقائع جديدة تُكتب على الأرض بصمت، لكنها تحمل آثارًا عميقة وطويلة المدى، فكل يوم يمرّ يضيف طبقة جديدة من التعقيد ويجعل من إمكانية العودة إلى نقطة البداية أمرًا أكثر صعوبة.