الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

تحولات السودان والقرن الإفريقي.. حراك دبلوماسي جديد لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

Author
ربيعة خطاب 11 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد منطقة السودان والقرن الإفريقي في الآونة الأخيرة تحولات سياسية متسارعة تعكس حجم التداخل بين الأزمات الداخلية والتوازنات الإقليمية والدولية، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية واتساع دائرة الصراعات والنفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية على المستوى الجيوسياسي. وتبرز هذه المتغيرات من خلال الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تشهده المنطقة، والذي يحمل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم شكل العلاقات الإقليمية وطبيعة التحالفات السياسية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

وفي هذا السياق، أكد سعد محمد عبد الله، الكاتب السياسي والقيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، لـ”الأيام نيوز”، أن زيارة القائد مالك عقار إلى جيبوتي للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، عقب فوزه في الانتخابات الأخيرة، حملت أبعاداً سياسية ودبلوماسية عميقة ترتبط بواقع المنطقة المضطرب وما يحيط بها من تحديات أمنية واقتصادية معقدة.

وأوضح أن جيبوتي أصبحت اليوم مركزاً جيوسياسياً بالغ الأهمية على خارطة القرن الإفريقي، بفضل موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى امتلاكها بنية تحتية بحرية وتجارية متقدمة جعلتها محطة أساسية للتجارة الدولية وحركة الملاحة العالمية. كما أن التنافس الإقليمي والدولي المتزايد حول النفوذ في البحر الأحمر منحها مكانة متقدمة في معادلات الأمن الإقليمي، وهو ما يفسر الحضور السياسي والإعلامي المكثف خلال مراسم التنصيب.

وأشار سعد محمد عبد الله إلى أن مشاركة السودان في هذه المناسبة تعكس رغبة واضحة لدى القيادة السودانية في استعادة حضورها الإقليمي بعد فترة من الاضطراب السياسي الذي تسبب فيه النزاع الداخلي والحرب التي تخوضها البلاد ضد مليشيا الدعم السريع، المدعومة من قوى إقليمية ودولية. كما تعبر هذه الخطوة عن إدراك متزايد بأهمية الانفتاح على دول الجوار الإقليمي، باعتبار أن معالجة الأزمة السودانية لن تتم بمعزل عن التفاهمات الإقليمية والدولية.

وأضاف سعد محمد عبد الله أن التطورات الجارية في القرن الإفريقي باتت مترابطة بشكل كبير، سواء من حيث القضايا الأمنية أو الاقتصادية أو ملفات الهجرة والنزاعات المسلحة وتجاذبات القوى الدولية، الأمر الذي يجعل أي تحرك سياسي سوداني تجاه الإقليم جزءاً من رؤية أوسع تستهدف إعادة بناء شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية على أساس المصالح المشتركة والتعاون الإقليمي.

ومع هذه الزيارة، برزت مؤشرات جديدة تعكس تحولات في طريقة تعاطي الأطراف الإقليمية مع الأزمة السودانية، خاصة بعد اللقاء الذي جمع السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، ورقني قبيهو، بنائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، والذي ناقش القضايا المرتبطة بعودة السودان إلى المنظمة وجهود إنهاء النزاعات وتعزيز فرص السلام والاستقرار.

كما اكتسب الاجتماع المغلق الذي ضم الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والقائد مالك عقار، أهمية خاصة باعتباره يرسم ملامح حراك سياسي جديد يسعى إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار بين الحكومات، بعيداً عن حالة الجمود والاستقطاب التي سيطرت على المشهد منذ اندلاع الحرب في السودان.

ويرى المتحدث أن الأطراف الإقليمية بدأت تدرك أن استمرار الحرب في السودان ستكون له تداعيات خطيرة على أمن واستقرار الإقليم بأكمله، خاصة في ظل تزايد التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه دول القرن الإفريقي. ومن هنا، أصبح الحوار السياسي والدبلوماسي يمثل الخيار الأكثر واقعية لمعالجة الأزمة، بعد أن أثبتت التجارب فشل مشاريع الهيمنة والاستقطاب في تحقيق استقرار حقيقي أو بناء مكاسب مستدامة.

كما توحي التحركات الدبلوماسية الأخيرة بوجود رغبة إقليمية لإعادة السودان إلى محيطه الطبيعي باعتباره دولة محورية في المنطقة، وليس مجرد ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. وتكمن أهمية هذا التوجه في إمكانية بناء مقاربة جديدة تقوم على التنسيق الإقليمي المشترك لمعالجة جذور الأزمة السودانية دون المساس بوحدة السودان وسيادته وكرامة شعبه، بما يشمل وقف الحرب وإطلاق العملية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق قدر من التوافق الوطني.

وفيما يتعلق بالعلاقات السودانية ـ الجيبوتية، أشار سعد محمد عبد الله إلى أنها تحمل أبعاداً تاريخية وسياسية مهمة، حيث لعبت جيبوتي أدواراً متوازنة في العديد من الملفات المتعلقة بالسودان، مستفيدة من موقعها الدبلوماسي المقبول لدى مختلف الأطراف. كما ارتبط البلدان بعلاقات تعاون وثيقة في إطار قضايا البحر الأحمر ومنظمة “إيقاد” والتنسيق السياسي في ملفات الأمن الإقليمي.

وأضاف سعد محمد عبد الله أن جيبوتي لعبت أدواراً مهمة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين خلال مراحل مختلفة من تاريخ النزاعات، ما جعل العلاقات بين البلدين تمثل نموذجاً للتعاون القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية العابرة للحدود التي تواجه المنطقة.

وأكد سعد محمد عبد الله أن فرص تطوير هذه العلاقات تبدو اليوم أكبر من أي وقت مضى، خصوصاً مع الحاجة المتزايدة إلى بناء شراكات اقتصادية وتجارية جديدة تربط الموانئ والأسواق الإقليمية وتعزز حركة الاستثمار والتجارة. كما أن السودان يمتلك إمكانيات اقتصادية وبشرية ضخمة يمكن أن تسهم في دعم التكامل الإقليمي إذا توفرت الإرادة السياسية والاستقرار الداخلي، في حين تمتلك جيبوتي خبرة متقدمة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، ما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي واسع بين الطرفين.

ويؤكد سعد محمد عبدالله، في تصريحه، أن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة صياغة العلاقات الإقليمية وفق معايير أكثر واقعية ومرونة، بعيداً عن سياسات الاستقطاب والصراعات التقليدية، مشدداً على أن الحرب في السودان لم تعد قضية داخلية فحسب، بل تحولت إلى ملف يؤثر بشكل مباشر على استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر بأكمله، الأمر الذي يستوجب تبني رؤية استراتيجية قائمة على الحوار والتعاون الإقليمي واحترام سيادة الدول، بما يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً لشعوب المنطقة التي أنهكتها الحروب والأزمات الممتدة.