الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

تدشين المركز الوطني للسينما.. هل ينعش الشباك الموحد الإنتاج السينمائي في الجزائر؟

Author
هارون عمري 26 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يأتي تدشين المقر الجديد للمركز الوطني للسينما ببلدية حيدرة واستحداث الشباك الموحد كخطوة استراتيجية عميقة لرقمنة وتجميع المعاملات الإدارية الخاصة بالتراخيص والدعم وتأشيرات الاستغلال، ليرفع بذلك مستوى الرهان حول قدرة تحسين الخدمات العمومية على تجاوز عقبات التسيير التقليدي وتسهيل مسار صناعة الفيلم في الجزائر، وتؤسس هذه الحركية المؤسساتية لمرحلة متجددة تقطع مع الأساليب الكلاسيكية وتضع الانشغالات المهنية للمخرجين والمنتجين في صلب الاهتمام الرسمي لتطوير المشهد الثقافي وتوفير بيئة محفزة على الإبداع والاستثمار السينمائي.

وفي هذا السياق المتعلق بكيفية إسهام الشباك الموحد في تبسيط المسار الإداري للسينمائيين وتحويل الخدمات العمومية إلى محرك فعال لإنعاش الإنتاج، تبرز الرؤية الجديدة للوزارة الوصية كاستجابة فعلية لمطالب الأسرة الفنية، وتؤكد الآراء الإدارية للمشرفين على القطاع كما صرح الأستاذ مراد شويحي مدير المركز الوطني للسينما على حتمية تجميع الإجراءات لتبسيط المسارات وتطوير الصناعة، وتترافق هذه الخطوة العملية مع التفاتة رمزية بالغة الأهمية تتمثل في إطلاق اسم المخرج الراحل لمين مرباح على هذا المرفق الحيوي تزامنا مع رحيله، لتتكامل جهود العصرنة الإدارية مع قيم العرفان لرواد الفن السابع وتتجسد معالم مقاربة تشاركية تهدف إلى رسم آفاق واعدة للسينما الوطنية.

عصرنة الإدارة العمومية تواكب ديناميكية القطاع السينمائي

تشكل الخطوات المتسارعة نحو تحديث الهياكل الثقافية في الجزائر توجها حتميا تفرضه التحولات العميقة التي تعرفها الصناعة السينماتوغرافية على المستوى العالمي، وأشرفت وزيرة الثقافة والفنون السيدة مليكة بن دودة على تدشين المقر الجديد للمركز الوطني للسينما ببلدية حيدرة بالجزائر العاصمة لتجسيد هذه الإرادة الفعلية على أرض الواقع، وتندرج هذه العملية ضمن إطار استراتيجية شاملة تتبناها الوزارة الوصية بهدف عصرنة الإدارة العمومية وتخليصها من التراكمات المعرقلة لوتيرة الإنتاج.

وتستدعي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السينما الوطنية توفير فضاءات عمل لائقة ومجهزة بأحدث التقنيات لضمان التكفل الأمثل بالملفات المودعة من طرف صناع السينما، ويعكس المقر الجديد للمركز الوطني بفضل هندسته الوظيفية وتجهيزاته الحديثة حرص السلطات العمومية على تحسين الخدمات الموجهة لمهنيي القطاع وتوفير بيئة محفزة على الإبداع والابتكار، وتساهم هذه البنية التحتية المتطورة في استقطاب الكفاءات وتسهيل التواصل المباشر بين الإدارة والمبدعين في ظروف مهنية ترقى إلى مستوى التطلعات وتضمن راحة المرتفقين.

الشباك الموحد يجمع المعاملات ويسرع عجلة الإنتاج

يمثل استحداث الشباك الموحد داخل المقر الجديد للمركز الوطني للسينما نقلة نوعية في مسار تبسيط الإجراءات الإدارية التي كانت تتسم في السابق بالتعقيد والتشتت بين مختلف المصالح، ويتميز هذا الفضاء المبتكر بقدرته العالية على تجميع مختلف الخدمات والعمليات المتعلقة بالنشاطات السينماتوغرافية تحت سقف واحد مما ينهي معاناة التنقل المستمر بين المكاتب، وتضمن هذه الآلية المركزية تقليص الآجال الزمنية المخصصة لدراسة الملفات وتسريع وتيرة الاستجابة لطلبات المهنيين بكفاءة وشفافية.

وفي تصريح لـ«الأيام نيوز»، أكد مراد شويحي مدير المركز الوطني للسينما أن تدشين المقر الجديد للمركز شهد إعلان وزيرة الثقافة والفنون عن إطلاق اسم المخرج السينمائي الراحل لمين مرباح على الشباك الموحد، تكريماً لمسيرته الفنية وإسهاماته في ترسيخ الهوية السينمائية الجزائرية. وأوضح أن الشباك الموحد يهدف إلى تجميع مختلف الإجراءات والخدمات المرتبطة بالنشاط السينمائي في فضاء إداري واحد، بما يضمن تبسيط المسارات الإدارية وتحسين مرافقة المهنيين والمستثمرين في القطاع.

آليات تنظيمية لمعالجة الرخص والدعم السينمائي

يتولى هذا المرفق الحيوي مهام استقبال ومعالجة حزمة متكاملة من الخدمات الأساسية التي يحتاجها كل منتج أو مخرج للشروع في تجسيد عمله الفني على أرض الواقع، وتتصدر طلبات منح تأشيرة الاستغلال السينمائي والتأشيرة الثقافية قائمة المهام الموكلة للشباك الموحد لتسهيل تداول المصنفات الفنية وعرضها أمام الجمهور في أحسن الظروف، وتتوسع صلاحيات هذا الفضاء لتشمل دراسة طلبات الدعم العمومي الموجه للصناعة السينماتوغرافية وفق معايير دقيقة تضمن تكافؤ الفرص بين المبدعين.

وأضاف أن هذه الآلية تتولى استقبال طلبات الرخص والتصاريح الخاصة بممارسة النشاطات السينماتوغرافية وطلبات الاستفادة من الدعم العمومي وملفات الحصول على تأشيرات الاستغلال والتأشيرات الثقافية، إلى جانب التكفل بالأمانة التقنية لهيئة الوساطة وآداب وأخلاقيات النشاط السينمائي.

وأشار إلى أن الشباك الموحد يشرف أيضاً على إعداد دفاتر الشروط وشهادات المطابقة الخاصة باستغلال قاعات السينما وفضاءات العرض، ويتولى الأمانة التقنية للجنة تصنيف قاعات السينما واستقبال طلبات الحصول على البطاقة المهنية، فضلاً عن مسك السجل العمومي للسينما بما يعزز عصرنة الخدمات الإدارية وتطوير الصناعة السينمائية الوطنية.

تكريم لمين مرباح يرسخ الهوية السينمائية الأصيلة

تكتسي عمليات تدشين المرافق الثقافية الكبرى أبعادا رمزية عميقة حين تقترن بأسماء القامات الفنية التي أفنت حياتها في خدمة الإبداع وتأسيس دعائم الفن السابع في الجزائر، وتزامنت هذه الالتفاتة الرسمية النبيلة مع رحيل هذا الهرم السينمائي ومواراة جثمانه الثرى لتؤكد وقوف الدولة إلى جانب رموزها الثقافية في كل المحطات وتثمينها لمسارهم الفني، وتحمل هذه التسمية دلالات بالغة الأهمية تكريما لمسيرة فنية حافلة بالتميز والعطاء استمرت لعقود طويلة من الزمن وساهمت في إثراء الخزانة السينمائية الوطنية بأعمال خالدة.

ويأتي هذا العرفان المؤسساتي تتويجا لإسهامات الراحل البارزة في خدمة السينما الجزائرية وتوثيق محطاتها التاريخية والاجتماعية بعين المخرج المتبصر والمثقف الملتزم بقضايا وطنه ومجتمعه، وتعتبر الوزارة الوصية هذا التكريم بمثابة رسالة واضحة للأجيال الصاعدة بضرورة الاقتداء بصناع المجد الثقافي والحفاظ على المكتسبات المحققة في هذا المجال الحيوي.

ويمثل الراحل لمين مرباح أحد الركائز الأساسية التي ساهمت بفعالية واقتدار في ترسيخ هوية سينمائية جزائرية أصيلة تعبر عن آمال وطموحات الشعب وتدافع عن قضاياه العادلة، وتتحول تسمية الشباك الموحد باسمه إلى جسر يربط بين الذاكرة الفنية وتطلعات المستقبل ليظل طيفه حاضرا بين صناع السينما وهم ينجزون معاملاتهم الإدارية اليومية في هذا المرفق.

مسيرة إبداعية تجمع الإخراج والإدارة الثقافية

يمتد المشوار الحافل للراحل لمين مرباح المولود في مدينة تيغنيف بولاية معسكر سنة ست وأربعين وتسعمائة وألف ليعكس قصة شغف لا ينتهي بعوالم الصورة وسحر الشاشة، ونشأ هذا المبدع في كنف عائلة وطنية بامتياز باعتباره نجل المناضل الوطني مولاي مرباح أحد رموز الحركة الوطنية الجزائرية ليتشبع بقيم الدفاع عن الهوية والانتماء منذ صغره، وتلقى تكوينه السينمائي الأكاديمي بالمعهد الوطني للسينما بالجزائر العاصمة قبل أن يوسع مداركه المهنية بالاحتكاك بالتجربة البولندية العريقة في هذا التخصص الدقيق.

وتدرج الراحل في العديد من المناصب الحساسة داخل مؤسسات الإنتاج الوطنية ليجمع بين النظرة الفنية الثاقبة والحنكة الإدارية في تسيير الشأن الثقافي والسمعي البصري بامتياز، وعمل في بداياته بالشركة الوطنية للنشر والتوزيع ثم انتقل إلى مجال الإنتاج بالإذاعة والتلفزيون الجزائري ليترك بصمته الخاصة في مختلف الأعمال التي أشرف عليها بحرفية عالية، وتوج مساره الإداري بتعيينه مديرا عاما للشركة الوطنية للإنتاج السمعي البصري لسنوات طويلة قبل أن يؤسس لاحقا شركته الخاصة للإنتاج السينمائي التي أثرت الساحة بأعمال مميزة.

وترك هذا المخرج الفذ رصيدا ثريا من الأعمال المتنوعة التي شملت الأفلام القصيرة والروائية الطويلة والمسلسلات التلفزيونية والأشرطة الوثائقية لتشكل جميعها جزءا هاما من ذاكرة السينما الجزائرية، وصنع الراحل مجده السينمائي من خلال تقديم أعمال بارزة على غرار فيلمه الأشهر المسمى بني هندل وكذا أفلام المنتصر والمهمة وراضية ولخضر والبيروقراطي التي عالجت قضايا مجتمعية بأسلوب فني راق، وأنهى مسيرته الحافلة بإعلان اعتزاله الإخراج لأسباب صحية بعد أن أسهم في تكوين أجيال متعاقبة من المبدعين الشباب.

مقاربة تشاركية ترسم آفاق الفن السابع بالجزائر

تكتمل الرؤية الاستراتيجية لقطاع الثقافة بانفتاح الإدارة الوصية على محيطها المهني والاستماع المباشر لانشغالات الفاعلين الحقيقيين في الميدان لبناء سياسات عامة تستجيب للتطلعات الفعلية، وعرفت مراسم التدشين حضور نخبة من الفنانين والمخرجين والمنتجين إلى جانب عدد من الفاعلين والناشطين في مجال السينما لتشكيل فسيفساء ثقافية تعكس حيوية المشهد الفني وتنوعه، وتتحول مثل هذه اللقاءات الميدانية إلى منصة تفاعلية مباشرة لتبادل الآراء وتصحيح المسارات وتجاوز العقبات التي تواجه صناعة الفيلم في مختلف مراحلها.

وتتويجا لهذه الحدث أكدت السيدة الوزيرة على عقد لقاء تشاوري مع الأسرة السينمائية في أقرب الآجال، ليكون فضاءً للحوار وتبادل الأفكار والمقترحات وطرح مختلف الانشغالات المهنية، بما يسهم في ترقية وتطوير الصناعة السينماتوغرافية الوطنية وترسيخ مقاربة تشاركية في رسم آفاق السينما الجزائرية نحو الأفضل.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"