الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

تراجع المواليد لا يعني تراجع النمو.. التكنولوجيا تكتب قواعد الاقتصاد الجديد

Author
سارة حمدون 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد تراجع معدلات المواليد يُقرأ اقتصاديا بالطريقة نفسها التي كان يُنظر بها إليه قبل عقود، فلطالما ارتبط انخفاض عدد السكان بمخاوف من تقلّص اليد العاملة وارتفاع أعباء الشيخوخة وتراجع الإنتاج والنمو، غير أن صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات بدأ يفرض معادلة جديدة، تقوم على أن انخفاض عدد العمال قد يدفع الاقتصادات إلى الاستثمار أكثر في التكنولوجيا ورأس المال والابتكار بما يسمح برفع إنتاجية العامل الواحد.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة في ظل التحولات الديموغرافية العالمية، فقد أظهرت دراسة حديثة نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأمريكي NBER، بعنوان “Baby Busts and Growth Booms: Demographic Change and the Macroeconomy”، أن انخفاض معدلات المواليد ارتبط عبر الدول بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لكل شخص في سن العمل، وارتفاع الأجور في مناطق أمريكية، دون أن يظهر أثر سلبي على الناتج المحلي الإجمالي أو الأرباح الإجمالية. ويربط الباحثون هذه النتائج باستجابة تكنولوجية لتراجع المعروض من العمال الأصغر سنا، حيث ترتفع براءات الاختراع الموفرة للعمل ويتوسع النشاط عالي التقنية في المناطق ذات معدلات المواليد المنخفضة.

وتشير الدراسة إلى أن تراجع المواليد لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد سيصبح أصغر، بل قد تتغير طريقة إنتاج الثروة داخله، فمع تقلص أعداد الداخلين إلى سوق العمل يصبح الاستثمار في التكنولوجيا أكثر جاذبية بالنسبة للمؤسسات، خصوصا عندما تصبح العمالة أكثر ندرة وكلفة.

من وفرة العمال إلى تعميق رأس المال

يقوم أحد التفسيرات الاقتصادية لهذه العلاقة على مفهوم تعميق رأس المال، أي زيادة حجم رأس المال المستخدم لكل عامل، من آلات ومعدات وبرمجيات وتقنيات إنتاج، فعندما يتراجع عدد العمال بينما تحافظ المؤسسات على استثماراتها أو ترفعها، يصبح نصيب العامل من رأس المال أكبر، وهو ما يمكن أن يرفع إنتاجيته.

وهنا ينتقل معيار تقييم قوة الاقتصاد تدريجيا من مجرد عدد العمال إلى ما ينتجه العامل خلال فترة زمنية محددة، أي إنتاجية العمل، ولذلك فإن اقتصادا يضم عددا أقل من العمال، لكنه يستخدم تقنيات أكثر تقدما ويحقق قيمة مضافة أعلى لكل عامل، قد يحافظ على قدرته التنافسية بل ويعززها.

وفي هذا الإطار، يوضح الخبير في الشأن الاقتصادي، الدكتور هواري تيغرسي، في تصريحه لـ”الأيام نيوز“، أن تراجع معدلات المواليد لا يمثل بالضرورة تهديدا مباشرا للنمو، مضيفا أن تأثيره يرتبط بقدرة الاقتصاد على التكيف مع التحولات الديموغرافية، فبالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على وفرة اليد العاملة منخفضة التكلفة، يمكن أن يمثل انخفاض عدد العمال تحديا حقيقيا، لكنه قد يتحوّل إلى حافز للاستثمار في التكنولوجيا والابتكار ورأس المال البشري.

ويضيف تيغرسي أن انخفاض المواليد يؤدي مع مرور الوقت إلى تقلص أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بما قد يرفع تكلفة العمالة ويجعل عملية التوظيف أكثر صعوبة، وهو ما يدفع المؤسسات إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءة، من بينها الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي.

 عندما يصبح نقص العمالة حافزا للتكنولوجيا

لا تتوقف المسألة عند استبدال العامل بالآلة، بل تتعلق بإعادة توزيع المهام بين الإنسان والتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنجاز عدد كبير من المهام الروتينية وتحليل كميات ضخمة من البيانات، فيما يمكن للروبوتات تولي الأعمال المتكررة أو الشاقة، وهو ما يسمح للعامل بالتركيز على المهام التي تحتاج إلى مهارات بشرية وحكم مهني وإبداع.

وتؤكد أبحاث حديثة لصندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل يوفر وقتا من العمل البشري على نطاق عالمي، ووفق ورقة بحثية للصندوق صدرت في يوليو 2026 قدرت القيمة المكافئة لتكاليف العمل للوقت الذي يوفره استخدام الذكاء الاصطناعي بنحو2,7  تريليون دولار سنويا، أي ما يعادل نحو 3,2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، غير أن الدراسة تشير في الوقت نفسه إلى أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتركز بدرجة أكبر في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، بينما يبقى الاستخدام في الاقتصادات النامية أكثر تركيزا داخل شريحة مهنية محدودة.

ويؤكد تيغرسي، في هذا السياق، أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لن يعوّضا جميع الوظائف، لكنهما قادران على تولي جزء كبير من المهام المتكررة، بما يسمح برفع إنتاجية العامل الواحد. ويشير إلى أن هذا التأثير يمتد من الصناعة إلى الإدارة والطب والهندسة والتعليم والخدمات المالية، بينما يمكن للروبوتات تولي الأعمال الشاقة والمتكررة.

الإنتاجية بدل عدد العمال

إذا كانت المعادلة الاقتصادية التقليدية تقوم على أن زيادة عدد العمال تؤدي إلى زيادة الإنتاج، فإن اقتصاد المعرفة يضيف عنصرا أكثر تأثيرا، وهو قدرة التكنولوجيا على مضاعفة إنتاجية العامل، وفي هذا السياق، يوضح تيغرسي أن العلاقة بين تراجع عدد العمال وارتفاع الناتج لكل عامل يمكن فهمها من خلال تعميق رأس المال، إذ يصبح نصيب العامل من الآلات والمعدات والتكنولوجيا أكبر عندما ينخفض عدد العمال. كما تصبح المؤسسات أكثر استعدادا للاستثمار في الابتكار لتقليل اعتمادها على العنصر البشري.

لكن هذه المعادلة لا تعني أن انخفاض السكان أصبح أمرا إيجابيا في حد ذاته. فالتراجع الديموغرافي يمكن أن يضغط على حجم القوة العاملة، ويزيد أعباء أنظمة التقاعد والصحة والرعاية الاجتماعية ويقلّص قاعدة دافعي الضرائب، ولذلك فإن استفادة الاقتصاد من التكنولوجيا تتوقف على قدرته على تحويل نقص العمالة إلى استثمارات منتجة، وليس على انخفاض عدد السكان بحد ذاته.

ثورة تكنولوجية تعيد تشكيل سوق العمل

ومع توسع الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال آخر: هل ستكون التكنولوجيا وسيلة لتعويض نقص العمالة، أم أنها ستؤدي إلى فقدان أعداد كبيرة من الوظائف؟

يرى تيغرسي أن التجارب التاريخية للثورات الصناعية تشير إلى أن التكنولوجيا تلغي بعض الوظائف، لكنها تخلق في المقابل وظائف جديدة أكثر تخصصا، ويشير إلى مجالات مثل تحليل البيانات والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات وصيانة الروبوتات وإدارة الأنظمة الذكية والاقتصاد الرقمي، وبالتالي، فإن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي يمكن أن تختفي، بل بقدرة التعليم والتكوين المهني على مواكبة التحول وإعادة تأهيل العمال.

وهذا يتقاطع مع توجهات منظمة العمل الدولية، التي تؤكد في تقاريرها حول مستقبل المهارات أن التحولات الرقمية والخضراء ستعيد تشكيل الاحتياجات المهنية والمهارات المطلوبة، وأن تطوير المهارات الرقمية والتكوين المستمر سيكونان عنصرين أساسيين لضمان جاهزية سوق العمل لهذه التحولات.

من الصناعة إلى الزراعة والصحة والخدمات

ولا يقتصر التحوّل التكنولوجي على المصانع، ففي الزراعة تسمح تقنيات الاستشعار والطائرات المسيرة وتحليل البيانات بتحسين استخدام المياه والأسمدة ومراقبة المحاصيل وفي الصحة، يمكن للأنظمة الذكية أن تساعد في تحليل الصور والبيانات الطبية وتسريع بعض عمليات التشخيص، أما في الخدمات المالية والإدارية فتتولى الخوارزميات عددا متزايدا من المهام الحسابية والتحليلية والروتينية.

ويعتبر تيغرسي أن قطاعات الصناعة الذكية والتصنيع المتقدم والزراعة الدقيقة والخدمات اللوجستية والنقل الذكي والصحة الرقمية والتكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والطاقة وإدارة الشبكات الذكية، من بين القطاعات المرشحة للاستفادة بصورة أكبر من هذا التحوّل، وهكذا يتجه الاقتصاد العالمي تدريجيا من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على كثافة اليد العاملة، إلى نموذج يعتمد أكثر على المعرفة والتكنولوجيا والإنتاجية.

 ماذا عن الجزائر؟

بالنسبة إلى الجزائر، تبدو الصورة مختلفة عن الاقتصادات التي تواجه حاليا نقصا حادا في اليد العاملة، فبحسب الديوان الوطني للإحصائيات، بلغ عدد سكان الجزائر نحو 46,7  مليون نسمة في الأول من يناير 2024، مع تقدير عدد السكان بنحو 47,4  مليون نسمة في الأول من يناير 2025، كما سجلت الجزائر في 2023 نحو 895 ألف ولادة حية، وهو أول تراجع في عدد الولادات إلى ما دون 900 ألف منذ 2010، وفق آخر إصدار ديموغرافي منشور للديوان الوطني للإحصائيات حول الفترة 2020-2023.

وتظهر هذه الأرقام أن الجزائر تشهد بالفعل تغيّرا في الاتجاهات الديموغرافية، حتى وإن كانت لا تواجه في الوقت الحالي وضعا مماثلا للدول الأكثر تقدما في السن، وبالتالي فإن المسألة بالنسبة إلى الجزائر لا تتمثل في تعويض نقص حاد في العمالة اليوم، وإنما في الاستعداد للتحولات التي قد تطرأ على سوق العمل خلال العقود المقبلة.

وفي المقابل، فإن التحدي الاقتصادي الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى الجزائر يرتبط برفع الإنتاجية وتنويع مصادر النمو. فقد أكد البنك الدولي، في تحديثه الاقتصادي للجزائر الصادر في يونيو 2025، أن الناتج المحلي غير النفطي نما بنسبة 4,8 بالمئة في 2024، وشدد على ضرورة رفع الإنتاجية وتحويل العمالة تدريجيا نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، كما اعتبر أن تحقيق مكاسب في الإنتاجية،خصوصا في الصناعة والخدمات، أمر أساسي لإطلاق إمكانات النمو الجزائري، وفي هذا السياق، لا تبدو التكنولوجيا مجرد خيار مستقبلي، بل جزء من معركة رفع الإنتاجية وتنويع الاقتصاد. ويشير البنك الدولي أيضا إلى أهمية الاستثمار في رأس المال البشري وجذب الاستثمارات التي تساعد على نقل التكنولوجيا والممارسات الإنتاجية والإدارية إلى الاقتصاد الجزائري.

اقتصاد جزائري أكثر إنتاجية

ويرى تيغرسي أن الجزائر ما تزال تمتلك قاعدة سكانية شابة تمنحها فرصة للاستفادة من نافذتها الديموغرافية، غير أن هذه الميزة لا يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية دائمة ما لم تترجم إلى إنتاجية أعلى.

ويعتبر أن الأولية ينبغي أن تتمثل في الاستثمار في التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحديث التكوين المهني وربطه باحتياجات الصناعة الذكية، وتشجيع المؤسسات على الأتمتة التدريجية، ودعم البحث العلمي والابتكار وتحفيز الشركات الناشئة في مجالات البرمجيات والروبوتات، فضلا عن تطوير البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.

ويتقاطع هذا الطرح مع توصيات المؤسسات المالية الدولية بشأن الاقتصاد الجزائري، فقد دعا صندوق النقد الدولي في ختام بعثته الى الجزائر في يوليو 2026 إلى مواصلة الإصلاحات التي تدعم نموا أكثر استدامة يقوده القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال ورفع مرونة أسواق السلع والعمل والحد من الاقتصاد غير الرسمي عبر الرقمنة، مع مواصلة جهود تنويع الاقتصاد وتعزيز التنافسية والاستثمار الخاص.

كما أكد الصندوق أن نمو الاقتصاد الجزائري قدر بـ3,9 بالمئة في 2025، مع توقع نمو بـ 3,8 بالمئة في 2026، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تحقيق نمو مستدام على المدى المتوسط يتطلب مواصلة الإصلاحات وتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار الخاص.

الرهان على الإنسان والتكنولوجيا معا

وهنا تبرز المفارقة الأساسية، فالدول التي تعاني من انخفاض المواليد قد تواجه تقلصا في اليد العاملة، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أكثر اندفاعا نحو التكنولوجيا لتعويض هذا النقص، أما الدول التي ما تزال تتمتع بوفرة نسبية في العمالة مثل الجزائر فلديها فرصة مختلفة تتمثل في استغلال هذه المرحلة لبناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية قوية قبل أن تفرض التحولات الديموغرافية ضغوطا أكبر على سوق العمل.

ويؤكد الدكتور هواري تيغرسي أن الرهان بالنسبة إلى الجزائر لا ينبغي أن يقتصر على الحفاظ على النمو الديموغرافي، بل يجب أن يقوم على الاستثمار المتزامن في الإنسان والتكنولوجيا، معتبرا أن قوة الاقتصاد في المستقبل ستتحدد بقدرته على رفع إنتاجية العامل وتحويل المعرفة والابتكار إلى قيمة مضافة وثروة، وليس بعدد السكان وحده.

وبذلك، فإن السؤال الاقتصادي الذي تطرحه التحولات الديموغرافية لم يعد فقط كم يبلغ عدد السكان أو كم يبلغ حجم القوة العاملة؟ بل أصبح أيضا كم يستطيع كل عامل أن ينتج؟ وكم من التكنولوجيا يمكن أن توضع بين يديه لرفع إنتاجيته؟

ففي اقتصاد المستقبل، قد لا تكون الأفضلية بالضرورة لمن يملك أكبر عدد من العمال، وإنما لمن يملك القدرة على تحويل كل عامل إلى عنصر أكثر إنتاجية، وربط رأس المال البشري بالتكنولوجيا والابتكار، وبالنسبة إلى الجزائر فإن امتلاك قاعدة سكانية شابة اليوم قد يمثل ميزة، لكن تحويل هذه الميزة إلى نمو مستدام يتطلب رفع جودة التعليم والتكوين وتسريع الرقمنة، وتطوير الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة وربط النمو بعدد أكبر من العمالة المنتجة لا بمجرد اتساع حجم السكان.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي