الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

ترامب يعيد خلط أوراق الاقتصاد.. هل يدفع الأمريكيون ثمن ضعف الدولار؟

Author
ربيعة خطاب 04 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في قلب السجال الاقتصادي المحتدم في الولايات المتحدة، يعود الدولار إلى واجهة المعركة، كأداة سياسية تدار ببراغماتية حادة؛ فبينما يلوّح دونالد ترامب بفكرة الدولار الضعيف كرافعة لتعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية، يبدو المشهد أكثر تعقيدا مما يسوّق له، بالأخص في مرحلة إدارة ترامب، التي تقصي كل من يروّج عكس مصالحها، حسب ما ورد في الصحف الأمريكية.

الأرقام لا تخفف من حدة هذا التناقض، فقد شهد الدولار، خلال فترة حكم ترامب، تراجعا يقدّر بنحو 10%، في واحدة من أسرع موجات الانخفاض خلال ستة أشهر منذ عقود طويلة. هذا التراجع إشارة مقلقة أعادت فتح ملف حساس: إلى أي حد يمكن للاقتصاد الأمريكي أن يتحمل كلفة سياسات تراهن على الخارج، بينما تثقل كاهل الداخل؟

هكذا، يتبدى المشهد كمعادلة غير متوازنة: مكاسب محتملة في الأسواق الدولية، يقابلها ضغط متصاعد داخل المنازل الأمريكية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقًا: هل ضعف الدولار خيار اقتصادي محسوب، أم مغامرة تُدار على حساب الاستقرار الداخلي؟

في قراءة لتوازنات السياسة النقدية الأمريكية، يوضح الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية بجامعة صن يات سين في الصين، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن صانع القرار في الولايات المتحدة يجد نفسه أمام معادلة دقيقة تجمع بين هدفين متناقضين: تعزيز القدرة التنافسية للصادرات من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار والقوة الشرائية داخليا، من جهة أخرى. ويشير إلى أن خفض قيمة الدولار يمنح المنتجات الأمريكية ميزة سعرية في الأسواق العالمية، ما يدعم الإنتاج ويحفز الطلب على العمالة، لكنه في المقابل يرفع كلفة الواردات، خاصة الطاقة والمواد الأساسية، وهو ما ينعكس في شكل ضغوط تضخمية متزايدة داخل الاقتصاد.

ويلفت الدكتور شاهر الشاهر إلى أن الإدارة الأمريكية لا تعتمد على سعر الصرف وحده لتحقيق هذا التوازن، بل تتحرك عبر أدوات متعددة، أبرزها تفعيل دور الاحتياطي الفيدرالي في إدارة أسعار الفائدة للحد من التضخم دون خنق النمو. كما تعمل على دعم القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، وتقليل الاعتماد على الواردات عبر تنويع سلاسل الإمداد، إلى جانب تحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف أثر ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

ويؤكد شاهر الشاهر أن الرهان على ضعف الدولار كأداة وحيدة لتعزيز التنافسية يظل خيارًا قصير الأجل، قد يتحوّل إلى عبء طويل الأمد إذا ترسّخ التضخم.

ويوضح شاهر الشاهر أن تراجع قيمة الدولار يترك أثرا تدريجيا على مستوى معيشة المواطن الأمريكي، خاصة في اقتصاد يقوم على الاستهلاك والاستيراد. فمع انخفاض العملة، ترتفع أسعار السلع المستوردة كالسيارات والإلكترونيات، وتتزايد تكاليف الطاقة والنقل، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأجور إذا لم تواكب التضخم. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا المسار إلى تآكل المدخرات وارتفاع كلفة الاقتراض، ما يثقل كاهل الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، ويخلق حالة من عدم اليقين تؤثر سلبا على الاستهلاك والاستثمار.

ويضيف شاهر الشاهر أن هذه التأثيرات ليست سلبية بالكامل، إذ قد تستفيد بعض القطاعات المرتبطة بالتصدير من زيادة الطلب الخارجي وارتفاع فرص التوظيف، غير أن هذه المكاسب تظل محدودة إذا لم تقترن بزيادة حقيقية في الإنتاجية والأجور. ويؤكد أن الخطر لا يكمن في ضعف الدولار بحد ذاته، بل في استمراره ضمن بيئة تضخمية مرتفعة وعجز مالي متفاقم، ما قد يؤدي تدريجيا إلى تراجع الثقة الدولية بالعملة الأمريكية.

ويرى الدكتور شاهر الشاهر أن انخفاض الدولار لا يمكن اعتباره نتيجة قرار سياسي مباشر، بل هو انعكاس لتفاعل معقد بين عوامل متعددة، تشمل السياسات المالية، وأسعار الفائدة، ومستويات التضخم والنمو، إضافة إلى ثقة المستثمرين والتوجهات العالمية نحو الأصول الآمنة. ويشير شاهر الشاهر إلى أن فترة إدارة دونالد ترامب شهدت مواقف تميل إلى تفضيل الدولار الأضعف لدعم الصادرات وتقليص العجز التجاري، خاصة في ظل المنافسة مع الاقتصادات الكبرى، إلا أن هذه التوجهات تبقى جزءا من صورة أوسع تحكمها ديناميكيات السوق.

ويؤكد الدكتور شاهر الشاهر أن الولايات المتحدة، رغم قبولها أحيانا بضعف الدولار كأداة ظرفية، تدرك أن قوة عملتها تمثل أحد أعمدة نفوذها الاقتصادي والمالي عالميا، ما يجعل الحفاظ على الثقة بالدولار هدفا استراتيجيا لا يمكن التفريط فيه على المدى الطويل.

الدولار رهينة الصفقات

وفي المقابل، يصرح محمد صالح، خبير في الشأن الدولي، لـ”الأيام نيوز”، بأن طرح دونالد ترامب بشأن “الدولار الضعيف”، يكشف عن نزعة لإدارة الاقتصاد بعقلية الصفقات السريعة. ويؤكد أن تسويق إضعاف العملة كإنجاز هو، في جوهره، تضليل مكلف، لأن ما يبدو دعما للصادرات ليس سوى نقل مباشر للأعباء نحو المواطن الأمريكي الذي يواجه تآكلا في قدرته الشرائية وارتفاعا مستمرا في تكاليف المعيشة.

ويشدد محمد صالح على أن أقوال ترامب تتجاهل عن قصد طبيعة الاقتصاد الأمريكي المعتمد على الاستهلاك والواردات، حيث يؤدي ضعف الدولار إلى تضخّم يلتهم الأجور ويقوّض الاستقرار الداخلي. إذ إن “دعم الصناعة والعمالة” يتحوّل في هذا السياق إلى شعار أجوف، لأن أي مكاسب محدودة في التصدير قد تقابلها خسائر أوسع تمس حياة المواطنين اليومية.

ولا يتوقف النقد عند هذا الحد، إذ يحذر محمد صالح من أن العبث بقيمة الدولار كأداة تكتيكية يقوّض أحد أهم مصادر القوة الأمريكية عالميا، وهو الثقة بالعملة. فالدولار ليس ورقة للمساومة، بل ركيزة للنظام المالي الدولي، وأي تعامل معه بمنطق المناورة السياسية يبعث برسائل قلق للأسواق ويهدد مكانته على المدى الطويل.