الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

ترامب يقود العالم نحو مرحلة غير مسبوقة من الفوضى

Author
بثينة صايفي 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الدولية، في السنوات الأخيرة، تحولات متسارعة، أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية النظام الدولي وقدرة المؤسسات الأممية على ضبط التوازنات العالمية.

فبين تصاعد منطق القوة، وتراجع الالتزام بالقوانين والاتفاقيات الدولية، تتنامى المخاوف من دخول العالم مرحلة أكثر هشاشة واضطرابا، تتداخل فيها المصالح وتضعف فيها مرجعيات الشرعية التقليدية التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود.

 

ترامب والنظام الدولي.. اتهام بتقويض قواعد الشرعية

وفي هذا السياق، يرى الكاتب الجزائري نور الدين ثنية أن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية، عنوانها الأبرز تراجع دور المؤسسات والهيئات التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية لضمان السلم والأمن الدوليين، وبحسبه، فإن السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تعكس ميلا متزايدا نحو تجاوز قواعد الشرعية الدولية والاعتماد على منطق القوة والانفراد بالقرار في إدارة الملفات الدولية الحساسة.

نور الدين ثنية كاتب وأكاديمي ومؤرخ جزائري
نور الدين ثنية كاتب وأكاديمي ومؤرخ جزائري

ويعتبر ثنية أن ترامب لا يتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة كبرى ملزمة باحترام التوازنات والقوانين الدولية، بل يتبنى نهجا يقوم على فرض الإرادة الأمريكية خارج الأطر التقليدية للدبلوماسية والعمل متعدد الأطراف، ويرى أن هذا التوجه تجسد في عدد من المواقف والقرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، والتي أثارت جدلا واسعا بشأن مدى التزام واشنطن بالاتفاقيات الدولية وبالمؤسسات المخولة قانونا بإدارة النزاعات وتسوية الأزمات.

كما يذهب الكاتب إلى أن هذا النهج لا يهدد فقط مكانة المؤسسات الدولية، بل يساهم أيضا في إضعاف الثقة بالنظام العالمي القائم على القواعد والقانون، ويفتح المجال أمام انتشار منطق القوة على حساب الحوار والتوافق، ويؤكد أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مرحلة أكثر اضطرابا في العلاقات الدولية، حيث تصبح المصالح الآنية للدول الكبرى مقدمة على الالتزامات القانونية والاتفاقات الدولية التي شكلت لعقود أساس الاستقرار العالمي.

 

الضربة الأمريكية لإيران.. تجاوز للمؤسسات الدولية

ويستدل الكاتب نور الدين ثنية على رؤيته من خلال الضربة الأمريكية التي استهدفت إيران، معتبرا أنها تمثل نموذجا واضحا لما يصفه بتراجع الالتزام بقواعد الشرعية الدولية والمؤسسات المكلفة بتنظيم العلاقات بين الدول، ويرى أن هذه الخطوة لم تستند، وفق قراءته، إلى تفويض صادر عن الهيئات الدولية المختصة، وفي مقدمتها مجلس الأمن، كما أنها أثارت تساؤلات داخل الولايات المتحدة نفسها بشأن مدى توافقها مع الأطر الدستورية والقانونية الناظمة لاستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.

ويؤكد ثنية أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في الرسائل السياسية التي تبعثها إلى المجتمع الدولي، إذ تعزز، بحسب رأيه، فكرة إمكانية تجاوز المؤسسات الدولية والالتفاف على القواعد القانونية عندما يتعلق الأمر بمصالح القوى الكبرى، ويرى أن هذا النهج يضعف مكانة المنظمات الدولية ويقلل من قدرتها على أداء دورها في احتواء الأزمات وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.

كما يعتبر الكاتب أن اللجوء إلى العمل العسكري خارج الأطر التوافقية الدولية من شأنه أن يفاقم حالة الاحتقان في مناطق التوتر، ويزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي والدولي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني أصلا من أزمات متشابكة وصراعات ممتدة. وبحسب تحليله، فإن مثل هذه التحركات قد تدفع أطرافا أخرى إلى تبني سياسات مماثلة، ما يهدد بتآكل منظومة القواعد التي تحكم العلاقات الدولية ويجعل العالم أكثر عرضة للفوضى وعدم الاستقرار.

ويخلص ثنية إلى أن احترام الاتفاقيات الدولية والاحتكام إلى المؤسسات متعددة الأطراف يبقى، في نظره، السبيل الأمثل للحفاظ على الأمن الجماعي وتجنب الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تتجاوز آثارها حدود الدول المعنية لتطال الاستقرار الدولي برمته.

ويذهب الكاتب إلى أن إدارة ترامب تعتمد بصورة متزايدة على منطق القوة في إدارة الملفات الدولية، معتبرا أن هذا النهج يقوم على فرض الإرادة الأمريكية وتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، ويرى أن اللجوء إلى الضغوط والعقوبات والتحركات العسكرية يعكس توجها نحو تكريس الهيمنة بدلا من تعزيز التعاون الدولي والحلول التفاوضية.

 

تراجع دور المؤسسات الدولية

ومن بين أبرز النقاط التي يثيرها الكاتب ما يصفه بتهميش المؤسسات الدولية وإضعاف دورها في تسوية النزاعات وحفظ السلم العالمي، ويعتبر أن تجاهل قرارات الهيئات الدولية أو الالتفاف على آلياتها القانونية يساهم في إضعاف الثقة بالنظام الدولي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، ويهدد المبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية الحديثة، ومن بين أبرز النقاط التي يثيرها الكاتب نور الدين ثنية في قراءته للمشهد الدولي الراهن، ما يصفه بتراجع ملحوظ في دور المؤسسات الدولية وتهميش متزايد لصلاحياتها في إدارة الأزمات وتسوية النزاعات وحفظ السلم والأمن العالميين. ويشير إلى أن هذه المؤسسات، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية وعلى رأسها الأمم المتحدة، كانت تهدف إلى وضع إطار جماعي يحدّ من منطق القوة ويضمن الاحتكام إلى القانون الدولي بدل الصراعات الأحادية.

ويرى الكاتب أن ما يحدث اليوم يعكس مسارا تدريجيا نحو إضعاف هذا الإطار المؤسسي، من خلال تجاهل بعض القرارات الصادرة عن الهيئات الدولية أو الالتفاف عليها، أو حتى تجاوزها بشكل مباشر عند اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية كبرى، ويعتبر أن هذا السلوك يفرغ النظام الدولي من جوهره القائم على التوافق والشرعية الجماعية، ويحوّل العلاقات الدولية إلى ساحة مفتوحة لتوازنات القوة بدل قواعد القانون.

كما يؤكد ثنية أن هذا التراجع لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى الجانب الرمزي والمعنوي، حيث تتآكل الثقة تدريجيا في قدرة المؤسسات الدولية على فرض احترام القانون أو حماية الدول الصغيرة من ضغوط القوى الكبرى، ويعتبر أن هذا الوضع يضعف مصداقية النظام الدولي برمته، ويجعل الكثير من الدول تشكك في جدوى الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات إذا لم تُحترم من قبل الفاعلين الكبار.

ويخلص الكاتب إلى أن استمرار هذا المسار من التهميش والتجاوز قد يؤدي إلى إعادة تشكيل غير متوازنة للنظام الدولي، تُستبدل فيها آليات الحوار والتعددية بمنطق الهيمنة، وهو ما يشكل، في نظره، تهديدا مباشرا للمبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية الحديثة منذ منتصف القرن العشرين.

كما يربط الكاتب بين السياسة الأمريكية في عهد ترامب والدعم غير المشروط الذي تحظى به “إسرائيل”، معتبرا أن هذا التحالف يمثل أحد أبرز مظاهر الاختلال في موازين العدالة الدولية، ويرى أن استمرار هذا النهج يعمق الأزمات الإقليمية ويزيد من حدة التوترات في الشرق الأوسط، في ظل غياب حلول سياسية عادلة ومستدامة.

 

مخاوف من تداعيات مستقبلية خطيرة

ويحذر الكاتب نور الدين ثنية من أن استمرار السياسات القائمة على تجاوز القواعد الدولية وتهميش الأطر المؤسسية قد يقود العالم إلى مرحلة أكثر اضطرابا وتعقيدا في العلاقات الدولية، ويرى أن النظام الدولي، الذي بُني على أسس التوازن والشرعية الجماعية بعد الحرب العالمية الثانية، بات يواجه ضغوطا متزايدة نتيجة تصاعد منطق القوة على حساب القانون، ما قد يفتح الباب أمام تحولات غير محسوبة في بنية الاستقرار العالمي.

ويشير الكاتب إلى أن خطورة هذا المسار تكمن في كونه لا يقتصر على أزمات ظرفية أو توترات إقليمية محدودة، بل قد يتطور إلى حالة من عدم اليقين الدائم في العلاقات بين الدول، حيث تصبح القواعد الدولية غير ملزمة بشكل فعلي، وتتحول القرارات الكبرى إلى نتائج لتوازنات القوة المباشرة بدل الآليات القانونية والدبلوماسية، وهو ما قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى اتساع رقعة الصراعات وارتفاع منسوب التوتر في أكثر من منطقة حول العالم.

كما يلفت ثنية إلى أن تراجع دور المؤسسات الدولية في ضبط النزاعات، قد يضعف منظومة الردع الجماعي التي ساهمت لعقود في الحد من اندلاع حروب واسعة النطاق، معتبرا أن فقدان هذه الآلية سيجعل العالم أكثر عرضة للأزمات المتكررة والمواجهات غير المتوقعة، سواء بين الدول الكبرى أو في مناطق النزاع الهشّة.

ويلفت الكاتب إلى أن مواجهة هذه المخاطر تقتضي، في نظره، إعادة الاعتبار للقانون الدولي وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف، إلى جانب إحياء ثقافة الحوار والتعاون بدل الانفراد بالقرار، فبرأيه، لا يمكن ضمان استقرار النظام الدولي في المستقبل إلا عبر احترام القواعد المشتركة التي تنظم العلاقات بين الدول وتحد من منطق التصعيد والقوة المطلقة.

 

دعوة إلى إعادة الاعتبار للشرعية الدولية

وفي ختام قراءته للمشهد الدولي، يؤكد الكاتب نور الدين ثنية أن الحفاظ على الاستقرار العالمي، في ظل التحولات المتسارعة، يقتضي العودة إلى تعزيز مكانة المؤسسات الدولية وإعادة الاعتبار لدورها المركزي في ضبط العلاقات بين الدول، ويرى أن هذه المؤسسات، رغم ما قد يعتري أداءها من اختلالات أو ازدواجية في المعايير، تظل الإطار الأكثر قدرة على تنظيم التفاعلات الدولية ومنع انزلاقها نحو الفوضى أو الصراع المفتوح.

ويشدد الكاتب على أن الالتزام بالقوانين والاتفاقيات الدولية لم يعد خيارا سياسيا يمكن للدول تبنيه أو تجاهله وفق مصالحها الآنية، بل أصبح ضرورة حيوية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار في نظام عالمي تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، ويعتبر أن احترام الشرعية الدولية يشكل الضمانة الأساسية لحماية التوازن بين الدول، ومنع هيمنة منطق القوة والانفراد بالقرار.

كما يحذر ثنية من أن استمرار السياسات الأحادية التي تتجاوز الأطر القانونية والمؤسساتية قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والبعيد، من خلال تعميق الانقسامات الدولية وتوسيع دوائر التوتر وعدم الثقة بين الفاعلين الدوليين، ويرى أن هذا المسار قد يفضي إلى عالم أكثر هشاشة واضطرابا، تغيب فيه المرجعيات المشتركة ويضعف فيه دور القانون كأداة لضبط العلاقات الدولية.

ويخلص الكاتب إلى أن المرحلة الراهنة تستدعي إعادة التفكير في أسس النظام الدولي، بما يضمن تعزيز التعاون متعدد الأطراف وتفعيل آليات الحوار والتسوية السلمية للنزاعات، بعيدا عن منطق القوة والسياسات الأحادية، حفاظا على استقرار العالم وتجنبا لانزلاقه نحو مزيد من الأزمات غير المحسوبة.