الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

ترامب يهدّد ويتساءل.. لماذا لا يستسلم الإيرانيون؟

Author
الأيام نيوز 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، تدخل الأزمة مرحلة جديدة تتواصل خلالها الاتصالات والوساطات الدبلوماسية، في وقت تتمسك فيه إيران بمواقفها المعلنة، إذ تربط أي استجابة لمطالب خصومها بتوفير ضمانات واعتبارات أمنية وسياسية واضحة. وفي ذروة هذه التطورات، يتركّز الاهتمام على الكيفية التي ستتعامل بها طهران مع الضغوط الأمريكية، وطبيعة الخيارات التي قد تعتمدها خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع تصاعد التساؤلات بشأن ما إذا كانت التهديدات الأمريكية تندرج في إطار الضغط التفاوضي أم تمهد لعمل عسكري محتمل. تلك هي أبرز المحاور التي يجيب عنها خبراء في الشؤون الإستراتيجية والعلاقات الدولية، تحدثت إليهم “الأيام نيوز”.

ما تزال المؤشرات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الملف يتحرك عبر مسارين متوازيين؛ يتمثل الأول في التصعيد الأمريكي والتلويح بالعودة إلى الخيار العسكري، بينما يقوم الثاني على الاتصالات والوساطات التي تقودها سلطنة عُمان بهدف التوصل إلى تفاهم ينظم الملاحة في المضيق ويحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة. ويتزامن ذلك مع تضارب واضح بين الرواية الأمريكية التي تتحدث عن محادثات مع إيران، والموقف الإيراني الذي ينفي إجراء أي تفاوض مباشر مع واشنطن.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إحراز تقدم في المفاوضات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، معربا عن أمله في التوصل إلى اتفاق قريب. وأشار إلى أن الحوار القائم بين سلطنة عُمان وإيران يستهدف ضمان عبور السفن بأمان خلال الفترة المقبلة، معتبرا أن استئناف الملاحة يمثل أولوية لواشنطن، مع استمرار تمسكها بمطالبها المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

في المقابل، كشفت مصادر إيرانية عن تقدم المشاورات مع مسقط بشأن آلية لإدارة الملاحة في المضيق. ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر إيراني رفيع أن الجانبين يناقشان خطة تمنح إيران دورا رئيسيا في تنظيم حركة السفن الداخلة إلى المضيق، بينما تمر حركة السفن المغادرة عبر مسار يقع بين السواحل الإيرانية والعُمانية، على أن تصدر سلطنة عُمان تصاريح المغادرة بعد التنسيق مع طهران. وذكر المصدر أن النقاش ما يزال مستمرا، مع تمسك إيران بالصيغة التي تضمن مصالحها الأمنية ورفضها أي ترتيبات بديلة.

وينسجم هذا المسار مع ما أعلنه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية وعضو وفد التفاوض إسماعيل بقائي، إذ أوضح أن المحادثات مع سلطنة عُمان تتركز على الاتفاق بشأن ممر آمن ومؤقت للملاحة يضمن استمرار حركة السفن عبر مضيق هرمز، مبينا أن هذه الاتصالات تمثل القناة الوحيدة التي تعتمد عليها طهران في المرحلة الحالية.

رسائل إيرانية حاسمة بشأن مضيق هرمز

وتعزز التصريحات الإيرانية هذا المسار. إذ شدد مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، اللواء محسن رضائي، على أن بلاده لن تسمح بإنشاء “ممر ثان” داخل مضيق هرمز، محذرا من اقتراب أي قطع بحرية أو قوات عسكرية من المنطقة، ومؤكدا تمسك طهران بإدارة هذا الملف وفق اعتبارات السيادة والأمن القومي.

على الجانب الآخر، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن وجود محادثات مع إيران، واعتبرها “الفرصة الأخيرة” للتوصل إلى اتفاق، زاعما أن هذه الاتصالات تجري بطلب من عدة دول في المنطقة. غير أن طهران سارعت إلى نفي هذه الرواية، إذ نفى مصدر سياسي أمني إيراني رفيع وجود أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، واتهم ترامب بمحاولة التنصل من مسؤولية إفشال التفاهمات السابقة وإلقاء اللوم على الآخرين. وأوضح المصدر أن الاتصالات الجارية تقتصر على سلطنة عُمان بحكم مسؤوليتها المشتركة مع إيران عن المضيق، معتبرا أن الولايات المتحدة أدت دورا سلبيا في أمن المنطقة طوال السنوات الماضية.

وجاءت تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي منسجمة مع هذا الموقف، إذ نفى وجود أي اتصالات أو مواعيد لاجتماعات مع واشنطن، موضحا أن جميع أعضاء الفريق التفاوضي الإيراني يوجدون داخل البلاد، باستثناء وزير الخارجية عباس عراقجي الذي يزور العراق، وأن المشاورات الوحيدة تتركز على ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز بالتنسيق مع سلطنة عُمان. ونقلت وكالة “رويترز” أيضا عن مصدر إيراني رفيع تأكيده عدم وجود خطط لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الحالية.

أمير الموسوي، دبلوماسي إيراني سابق

ويرى الدبلوماسي الإيراني السابق أمير الموسوي، في تصريحات لـ”الأيام نيوز”، أن إيران تتعامل مع ملف مضيق هرمز انطلاقا من مسؤولياتها السيادية ومصالحها الوطنية، وليس وفق المهل التي تفرضها أي دولة. وأوضح أن المضيق يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، وأن طهران تعتبر أمن الملاحة جزءا من أمنها القومي متى توفرت بيئة تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي. ولفت إلى أن أي تفاهم مستقبلي ينبغي أن يرتبط بمعالجة أسباب التوتر، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووقف الضغوط الأحادية والحد من عسكرة الخليج.

تقديرات تستبعد رضوخ طهران للضغوط

ويتبنى مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية في العراق، الدكتور محمود الهاشمي، تقديرا مشابها، إذ يستبعد أن تربط إيران قرارا بهذا الحجم بمهلة أعلنها الرئيس الأمريكي. وأوضح أن القيادة الإيرانية تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره عنصرا استراتيجيا في معادلة التوازن، لذلك فإن أي قرار بشأن تنظيم الملاحة سيأتي ضمن تسوية سياسية وأمنية أوسع تراعي مصالحها. ورجح استمرار الوساطات الإقليمية للوصول إلى تفاهم يسمح باستئناف الملاحة ويحفظ مصالح الأطراف المعنية.

محمد النون، خبير الشؤون الإيرانية

من جانبه، يرى خبير الشؤون الإيرانية محمد النون أن القرارات المرتبطة بالممرات الاستراتيجية تخضع لحسابات الأمن القومي والقانون الدولي، وليس للإنذارات السياسية. وأشار إلى أن سياسة الضغوط والعقوبات أخفقت في تحقيق أهدافها، بل دفعت إيران إلى التمسك بالتفاوض القائم على الندية والاحترام المتبادل، مع استمرار رفضها تحويل ملفات السيادة إلى أدوات ضغط سياسي.

وحول التهديدات الأمريكية، يتفق الخبراء الثلاثة على أنها تستهدف تعزيز الموقف التفاوضي أكثر من تمهيدها لعمل عسكري واسع. ويرى أمير الموسوي أن أي مواجهة ستترك آثارا مباشرة على أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي يرفع كلفة الخيار العسكري على جميع الأطراف.

محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية

ويذهب الهاشمي إلى أن واشنطن تستخدم التصعيد لانتزاع شروط تفاوضية أفضل، غير أن أي حرب قد تتحول إلى أزمة إقليمية واسعة تمس الملاحة الدولية وأسواق الطاقة. ويؤكد النون أن أي هجوم على إيران سيخلف تداعيات كبيرة على التجارة العالمية والاقتصاد الدولي، الأمر الذي يجعل استمرار الضغوط السياسية والرهان على المسار الدبلوماسي الاحتمال الأقرب خلال المرحلة الحالية.

وتتلاقى هذه التقديرات مع مؤشرات برزت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن مراجعة واشنطن خياراتها في التعامل مع إيران. وأفادت شبكة “سي إن إن” بأن ضابطا في فرع الاستخبارات بالقيادة المركزية الأمريكية وجّه رسالة إلى محللين عسكريين طالبهم بتقديم أفكار “جديدة وإبداعية وغير تقليدية” لزيادة الضغط على طهران، وهو ما رآه مراقبون مؤشرا على أن الأدوات التي اعتمدتها واشنطن خلال الأشهر الماضية لم تحقق النتائج السياسية التي استهدفتها.

البيت الأبيض يبحث عن خيارات جديدة

وتدعم هذه المعطيات ما نقلته مصادر عسكرية عن مراجعة تجريها القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” لاستراتيجيتها، بعدما خلصت تقديرات استخبارية أمريكية إلى أن الضربات العسكرية، رغم الأضرار التي سببتها، لم تدفع إيران إلى تغيير موقفها التفاوضي. وأشار رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إلى أن للقوة الجوية حدودا، في إشارة إلى أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لفرض تسوية سياسية على طهران.

وأفادت تقارير أخرى بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، أبلغ البيت الأبيض ووزارة الدفاع أن حملة القصف حول مضيق هرمز بلغت أقصى فاعليتها، وأن مواصلة العمليات بالوتيرة نفسها لن تحقق نتائج إضافية، بينما يستلزم الانتقال إلى مرحلة أخرى تصعيدا أوسع يحمل مخاطر سياسية وعسكرية مرتفعة. واكتسب هذا التقييم أهمية إضافية لتزامنه مع تحذيرات من ارتفاع كلفة أي مواجهة جديدة على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

في المقابل، حافظت إيران على خطاب يربط إدارة مضيق هرمز باعتبارات السيادة والأمن الإقليمي، مع استمرارها في منح الأولوية للمباحثات التي ترعاها سلطنة عُمان. ويرى متابعون أن طهران تسعى إلى تنظيم حركة الملاحة عبر تفاهمات تراعي مصالح الدول المطلة على المضيق، مع رفض إخضاع هذا الملف للضغوط العسكرية أو الإملاءات السياسية القادمة من خارج المنطقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن انتهاء المهلة الأمريكية لم يغير الموقف الإيراني، بل أبرز حدود سياسة الضغوط التي اتبعتها واشنطن خلال الأشهر الماضية. وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة مراجعة خياراتها العسكرية والبحث عن أدوات أكثر فاعلية، تتمسك إيران بأن أي تفاهم حول مضيق هرمز يجب أن يقوم على احترام سيادتها ومصالحها الأمنية، مع منح دول المنطقة الدور الرئيس في إدارة هذا الممر الحيوي.