الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

تسريبات التجسس تُشعل توتراً صامتاً بين واشنطن والكيان الصهيوني

Author
ربيعة خطاب 08 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تسريبات إعلامية أمريكية تتحدث عن توتر متصاعد بين واشنطن وتل أبيب، على خلفية مزاعم تتعلق بأنشطة استخباراتية وتجسس مفترض، وما رافق ذلك من نفي رسمي من الطرفين، يعود النقاش مجددا حول طبيعة العلاقة بين الحليفين الاستراتيجيين، وحدود الثقة المتبادلة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية مرتبطة بالحرب مع إيران وإدارة تداعياتها السياسية والأمنية. وبين تضارب الروايات الرسمية والتسريبات الإعلامية، يبرز مشهد أكثر تعقيدا مما اعتادت عليه العلاقات الأمريكية – الصهيونية خلال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، صرح الكاتب والباحث السياسي، أحمد عرابي، بأن حرب إيران أعادت تشكيل التحالف العسكري الأمريكي – الصهيوني من جديد، فقد أعلنت وزارة دفاع الكيان الصهيوني بدء المحادثات الرسمية مع الإدارة الأمريكية، إذ جاء الإعلان مدفوعا بمتغيرات ميدانية وسياسية أفرزتها وقائع الميدان، لا سيما في الحرب الأخيرة ضد إيران وساحات إقليمية أخرى، فقد وضعت الحرب متعددة الجبهات منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأسلحة الذكية تحت ضغط غير مسبوق، ما تطلب جسورا جوية أمريكية عاجلة لتغطية النقص العسكري الناجم عن هذه الحرب.

وأوضح عرابي أنه وإلى جانب الحسابات الميدانية، يسود تحرك استباقي سياسي من جانب تل أبيب، إذ تخشى الأوساط الأمنية الإسرائيلية من تداعيات مسار المفاوضات الجارية حاليًا بين أمريكا وإيران وذلك للتوصل إلى اتفاق إطار أو تهدئة طويلة الأمد على المدى البعيد، فيما يسعى الكيان الصهيوني بشكل واضح إلى استغلال اللحظة الراهنة ومخاوف واشنطن الإقليمية لتحقيق مكاسب إستراتيجية أوسع، عبر استخدام كلفة الحرب الباهظة وحالة عدم الاستقرار في لبنان وإيران كذريعة لإقناع الكونغرس والبيت الأبيض بأن البنية الأمنية القديمة لم تعد كافية لمواجهة حرب الصواريخ الحديثة، وبالتالي تأمين التزامات دفاعية أمريكية صلبة وغير قابلة للتراجع قبل توقيع واشنطن أي تفاهمات سياسية مع إيران.

وأشار الكاتب والباحث السياسي احمد اعرابي  إلى أن شبكة “إن.بي.سي”، نقلا عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، كشفت أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) رفعت مستوى التحذير من أنشطة التجسس الصهيونية داخل الولايات المتحدة إلى درجة حرجة، ما يعكس تصاعد القلق داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية من اتساع نطاق عمليات جمع المعلومات التي تنفذها تل أبيب ضد حليفها الأبرز، وبحسب المسؤولين، أصدرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة تقييما جديدا لمخاطر التجسس المضاد، تضمّن تعميما داخليا يُصنف التهديد الصهيوني عند أعلى مستوى تحذيري، فيما يشير التقرير إلى مخاوف متزايدة من سعي “إسرائيل” إلى مراقبة كبار المسؤولين الأمريكيين والحصول على معلومات مرتبطة بالمداولات الداخلية لإدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن الأحداث المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة الحرب مع إيران، ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان أزمة ثمانينيات القرن الماضي، عندما تسبب التجسس الصهيوني في شرخ مع واشنطن إثر اعتقال محلل استخبارات القوات البحرية الأمريكية، “جوناثان بولارد”، الذي أمضى ثلاثين عاماً في السجن بعد إدانته ببيع حقائب مليئة بالوثائق السرية للغاية للكيان الصهيوني، وفي المقابل تواصل الولايات المتحدة بدورها تنفيذ برامج تجسس وجمع معلومات بحق حلفائها وخصومها على السواء، وهي الممارسات التي سلطت عليها تسريبات “إدوارد سنودن” عام 2013 الضوء، بعدما كشفت عمليات تنصت أمريكية استهدفت قادة أوروبيين، بينهم “أنجيلا ميركل” المستشارة الألمانية السابقة.

وأكد عرابي أن الكيان الصهيوني يحاول استثمار الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة خلال أشهر الحرب للتأكيد على أن التفوق العسكري الإسرائيلي هو الضمانة الوحيدة لمصالح واشنطن، مستهدفة الحصول على تفويض مطلق للعمل العسكري الحر في كامل المنطقة بأسرها، وفي المحصلة، تتحرك تل أبيب لربط واشنطن بمعاهدة دفاعية تكنولوجية وعملياتية وثيقة بهدف الانتقال من دور الدولة التابعة للمساعدات إلى الشريك التكنولوجي الاندماجي، وهذا التحول الإستراتيجي، الذي صاغته تفاصيل المواجهة العسكرية الأخيرة مع طهران، يضمن للكيان تفوقا نوعيا دائما وحرية حركة عسكرية مطلقة في الإقليم، ما يحمي مصالحها الحيوية حتى وإن تبدلت الحسابات السياسية في واشنطن تجاه طهران في المستقبل.

وفي المقابل، صرح جاستن روسيل، المدير التنفيذي لمركز السياسات الخارجية في واشنطن (Global Foreign Policy Center)، لـ”الأيام نيوز”، بأن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب تشهد، في الوقت الراهن، حالة من التباين في الرؤى، خصوصاً مع استمرار المحادثات الأمريكية مع طهران بهدف الوصول إلى تسوية سلمية للنزاع القائم حول إيران. ويوضح أن هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود قطيعة أو انهيار في التحالف بين الجانبين، لكنه يعكس اختلافاً في تقدير الأولويات وأساليب إدارة الملفات الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني.

وأضاف جاستن روسيل أن العلاقات بين الحلفاء، حتى لو كانت استراتيجية وعميقة مثل العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان، لا تخلو من حالات احتكاك أو توتر محدود في بعض الملفات. ويرى أن التعاون الاستخباراتي بين الدول، حتى بين الحلفاء المقربين، غالباً ما يخضع لاعتبارات سياسية وأمنية دقيقة، وقد لا يشمل دائماً مشاركة كاملة لكل المعلومات، خصوصاً عندما تكون المفاوضات حساسة أو ذات طابع سري مثل المباحثات مع إيران.

وأشار جاستن روسيل إلى أن التاريخ يعكس وجود سوابق لتوترات مشابهة بين الطرفين، رغم استمرار التعاون الوثيق بينهما. ويستشهد في هذا السياق بقضية جوناثان بولارد في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أُدين بالتجسس لصالح إسرائيل أثناء عمله في الولايات المتحدة، وهي قضية أبرزت في حينها حساسية تبادل المعلومات الاستخباراتية حتى بين الحلفاء. ومع ذلك، يؤكد أن تلك الحوادث لم تؤدِّ إلى انهيار التعاون الأمني، بل استمر ضمن إطار استراتيجي أوسع.

كما أوضح جاستن روسيل أن أحد جوانب القلق المطروحة حالياً يتمثل في احتمال عدم إطلاع تل أبيب على جميع تفاصيل المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران. ويرى أن أي نقص في تدفق المعلومات قد يخلق حالة من الغموض لدى صنّاع القرار في الكيان الصهيوني، وهو ما قد يؤثر على تقييمهم للمخاطر الأمنية واتخاذهم للقرارات الدفاعية المناسبة، خصوصاً في ظل حساسية الملف الإيراني بالنسبة للأمن القومي الصهيوني.

وأكد جاستن روسيل أن الكيان، نظراً لقدراته الاستخباراتية المتقدمة واعتمادها الكبير على المعلومات الواردة من شركائها الدوليين، قد يسعى في حال وجود فجوة معلوماتية إلى تعزيز قنواتها الخاصة للحصول على البيانات اللازمة. ومع ذلك، يؤكد أن هذا الوضع لا يعني بالضرورة تصعيداً أو أزمة مفتوحة بين واشنطن وتل أبيب، بل يعكس ديناميكية طبيعية داخل العلاقات بين الحلفاء، حيث تتداخل الثقة الاستراتيجية مع اختلافات في إدارة المعلومات واتخاذ القرار.