الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

تصاعد المخاوف الأوروبية.. هل تقترب الحرب الروسية الأوكرانية من مرحلة أكثر خطورة؟

Author
ربيعة خطاب 12 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية تطورات متسارعة تعيد تشكيل المشهد الأمني في أوروبا، في ظل تصاعد الهجمات الجوية الروسية وتزايد المخاوف الغربية من اتساع نطاق التهديد. وفي هذا السياق، حذرت صحيفة الإندبندنت البريطانية من أن موسكو قد تستغل ما وصفته بحالة الارتباك داخل حلف الناتو وتراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية لتوسيع ضغوطها العسكرية، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الأمن الأوروبي واحتمالات انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي، ديمتري بريجع، مدير مركز الدراسات الأوراسية بروسيا، أن هذه التحذيرات تعكس بالدرجة الأولى حالة القلق المتزايدة داخل العواصم الغربية من استمرار الصراع وتداعياته على الأمن الأوروبي، لكنها لا تمثل دليلاً على وجود استعداد روسي لشن هجوم عسكري مباشر ضد دول حلف شمال الأطلسي.

وأوضح ديمتري بريجع أن الحديث المتكرر في بعض وسائل الإعلام الغربية عن احتمال توسع الحرب إلى أوروبا يجب التعامل معه بحذر، لأن الحسابات العسكرية والاستراتيجية تختلف عن الخطاب السياسي والإعلامي. فروسيا، بحسب تقديره، تدرك جيدًا أن أي مواجهة مباشرة مع حلف الناتو ستؤدي إلى تصعيد واسع النطاق قد يتجاوز حدود الأزمة الأوكرانية، وهو سيناريو لا يخدم مصالح أي من الطرفين في المرحلة الحالية.

وأضاف ديمتري بريجع أن موسكو ما زالت تركز عملياتها العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما يشكل أحد أهم المؤشرات التي تنفي وجود نية لفتح جبهة عسكرية مباشرة مع دول الحلف. وفي المقابل، يرى أن الغرب يرفع من مستوى التأهب بسبب مجموعة من التطورات الميدانية، من بينها تكثيف الضربات الروسية بعيدة المدى، والزيادة المستمرة في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تصاعد ما يعرف بالحرب الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية والضغوط السياسية والإعلامية، وهي أدوات أصبحت جزءًا من الصراع بين موسكو والغرب.

وفي حديثه عن التطورات العسكرية، أكد ديمتري بريجع أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أوكرانيا، خلال المرحلة الحالية، يتمثل في تراجع قدراتها في مجال الدفاع الجوي، خاصة مع محدودية منظومات “باتريوت” التي تعد من أكثر الأنظمة فاعلية في اعتراض الصواريخ الباليستية والصواريخ الفرط صوتية. ويرى أن هذا العامل قد يغير طبيعة العمليات العسكرية خلال الأشهر المقبلة إذا لم تتمكن كييف من تعويض هذا النقص عبر الدعم الغربي.

وأشار ديمتري بريجع إلى أن استمرار نقص منظومات الدفاع الجوي قد يمنح روسيا فرصة لتوسيع نطاق الضربات الجوية ضد أهداف استراتيجية داخل أوكرانيا، تشمل البنية التحتية العسكرية ومنشآت الطاقة ومراكز القيادة والسيطرة، وهو ما قد يزيد الضغوط على القيادة الأوكرانية ويؤثر في قدرتها على إدارة العمليات العسكرية بصورة فعالة. كما أن استهداف البنية التحتية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الأوكراني وعلى قدرة الدولة على مواصلة الحرب لفترة طويلة.

ويرى ديمتري بريجع أن هذا الواقع قد يدفع موسكو إلى الاعتماد بصورة أكبر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، باعتبارها وسائل تحقق نتائج عسكرية بكلفة أقل مقارنة بالعمليات البرية واسعة النطاق. ويضيف أن القيادة الروسية قد تسعى إلى استثمار أي تراجع في القدرات الدفاعية الأوكرانية لتحقيق مكاسب ميدانية إضافية، بما يعزز موقفها التفاوضي إذا ما تهيأت الظروف لإطلاق مفاوضات سياسية في المستقبل.

وفي المقابل، شدد ديمتري بريجع على أن استمرار الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وخاصة من خلال تزويدها بمنظومات دفاع جوي إضافية وتسريع وتيرة تسليمها، يمكن أن يحد من هذا التفوق الروسي ويعيد قدرًا من التوازن إلى ساحة المعركة. لذلك، فإن مسار الحرب خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بسرعة استجابة الدول الغربية لاحتياجات كييف العسكرية، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي.

وتطرق ديمتري بريجع إلى مستقبل العلاقة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، معتبرًا أن أي تراجع في تماسك الحلف أو ظهور خلافات بين أعضائه بشأن استمرار دعم أوكرانيا سيمنح موسكو مساحة أوسع للمناورة السياسية والعسكرية. فالوحدة الغربية، بحسب رأيه، كانت أحد أهم عناصر الضغط على روسيا منذ بداية الحرب، وأي تصدع فيها سيؤثر في موازين القوى وفي طبيعة القرارات التي قد تتخذها الأطراف المتصارعة.

وأضاف ديمتري بريجع أن تعدد الأزمات الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى، قد يؤدي إلى تشتيت اهتمام القوى الغربية وتقليص الموارد المخصصة لدعم أوكرانيا، وهو ما قد تستفيد منه موسكو لتعزيز مواقعها الميدانية. كما أن استمرار الانقسامات داخل الناتو قد يضعف قدرة الحلف على تبني استراتيجية موحدة، الأمر الذي قد ينعكس على مستوى التنسيق العسكري والسياسي بين الدول الغربية.

وفيما يتعلق بآفاق الحل السياسي، يرى ديمتري بريجع أن استمرار الحرب يرفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية والإنسانية على جميع الأطراف، وهو ما قد يدفع في نهاية المطاف إلى العودة لطاولة المفاوضات. لكنه يؤكد أن نجاح أي عملية تفاوضية لن يكون ممكنًا إلا إذا توافرت مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها وجود توازن ميداني بين الطرفين، وتقديم ضمانات أمنية مقبولة لكل من روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى توافق دولي يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ولفت ديمتري بريجع إلى أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ما تزال محدودة في الوقت الراهن، بسبب تمسك كل طرف بأهدافه الاستراتيجية وعدم استعداد أي منهما لتقديم تنازلات جوهرية. ويرى أن المشهد الحالي يشير إلى استمرار الصراع في المدى القريب، مع بقاء الباب مفتوحا أمام حلول دبلوماسية مستقبلية إذا تغيرت المعطيات العسكرية والسياسية على الأرض.