الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

تصدير الفيلم الجزائري.. من يملك مفاتيح الوصول إلى السوق العالمية؟ 

Author
هارون عمري 30 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يفتح النقاش حول تصدير الفيلم الجزائري سؤالًا أوسع من المشاركة في المهرجانات، يتعلق بقدرة السينما الوطنية على بناء دورة اقتصادية تبدأ من السيناريو والتمويل، وتشمل الإنتاج والتسويق وبيع الحقوق والتوزيع في القاعات والمنصات، ويجمع هذا المسار بين وظيفة ثقافية تنقل الرواية الجزائرية إلى العالم، وقيمة اقتصادية يمكن أن تولد الإيرادات وتجذب التصوير الأجنبي وتسوّق المدن والمواقع التاريخية والحرف والموسيقى والوجهات السياحية. 

ويرى المخرج والمنتج ياسين بوعزيز أن بلوغ السوق الدولية يبدأ بتحسين السيناريو والتكوين وبناء صناعة منتظمة داخل الجزائر، فيما يؤكد أمين خلفات أن الفيلم القابل للتصدير يحتاج منذ مرحلة كتابته إلى جمهور مستهدف وخطة تمويل ومبيعات وتوزيع، ويلتقي الرأيان عند أولوية الانتقال من إنتاج أعمال متفرقة إلى منظومة تدير حياة الفيلم كاملة، وتحفظ هويته ضمن قصة إنسانية مفهومة خارج سياقها المحلي. 

السوق الدولية تبدأ من الداخل 

أقرت الجزائر القانون رقم 24-07 المؤرخ في 29 أفريل 2024 المتعلق بالصناعة السينماتوغرافية، وأدخلت ضمن مجاله الإنتاج والتوزيع والاستغلال والترويج والتصدير والإنتاج المشترك والاستثمار والتكوين وحفظ الأرشيف، ويمنح هذا الإطار السينما صفة الصناعة التي تتطلب مؤسسات ورؤوس أموال ومهارات تقنية وأسواقًا، عوض التعامل معها بوصفها نشاطًا ينتهي عند اكتمال التصوير أو العرض الأول. 

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال المخرج والمنتج السينمائي ياسين بوعزيز إن تدويل السينما الجزائرية يقتضي الارتقاء أولًا إلى مستوى المعايير الدولية قبل التفكير في اتفاقيات الإنتاج المشترك، مشيرًا إلى التحسن المحقق في جودة الصورة والإضاءة والتصوير السينمائي، مقابل استمرار نقائص كبيرة في كتابة السيناريو. 

واعتبر بوعزيز أن المشكلة النوعية الأساسية تكمن في السيناريوهات التي ما زالت بعيدة عن المستوى الذي بلغته البلدان صاحبة الصناعات الراسخة، لذلك يضع التكوين في مقدمة الأولويات، ثم بناء صناعة سينمائية وطنية قادرة على إنتاج الأفلام بانتظام. 

وتنسجم هذه الملاحظة مع الدراسة العملياتية التي عرضتها وزارة الثقافة والفنون في جويلية 2025 لإنعاش السينما، واقترحت عشرين إجراءً في الحوكمة والتكوين والتمويل والتوزيع والإنتاج الدولي المشترك والاستثمار الخاص والمهرجانات والذكاء الاصطناعي، ويؤكد تنوع الإجراءات أن جودة الفيلم ترتبط بسلسلة مترابطة، يبدأ ضعفها من النص وقد يستمر إلى غياب الموزع والسوق. 

السيناريو بوابة الفيلم إلى الجمهور 

يتطلب الفيلم القابل للتصدير قصة محلية واضحة البناء، وشخصيات ذات دوافع مفهومة، وصراعًا إنسانيًا يستطيع مشاهد في آسيا أو أوروبا أو إفريقيا متابعته حتى إن كان يجهل تاريخ الجزائر، وتوجد المادة الخام في الذاكرة الوطنية والصحراء والمدن القديمة والموسيقى والعلاقات الاجتماعية والتعدد اللغوي والثقافي، بينما تكمن المهمة الفنية في تحويلها إلى حبكة متماسكة. 

وقال أمين خلفات، المكلف بالإعلام بالمسرح الوطني الجزائري، إن السؤال الأساسي يتمثل في تحديد ما تستطيع الجزائر تقديمه للعالم، والسبب الذي يدفع الجمهور والموزع والمنصة إلى شراء هذا المحتوى، فالفيلم عند تصديره يتحول إلى منتج إبداعي قابل للتداول، يبيع القصة والصورة والهوية والتجربة في وقت واحد. 

ويرى خلفات أن الجزائر تملك تاريخًا ثريًا وذاكرة استثنائية وجغرافيا تشكل كنزًا بصريًا، غير أن توفر المادة لا يضمن تحويلها إلى منتج عالمي، ويحدد المشكلة في سلسلة القيمة المحيطة بالقصة، بما تتضمنه من تمويل وتطوير وتسويق ومبيعات وترجمة وتوزيع واستغلال تلفزيوني ورقمي. 

وتقوم المعادلة التي يقترحها على الجمع بين المحلي العميق والإنساني الواسع، لأن العالم لا ينتظر نسخة جزائرية من الأفلام الأمريكية أو الفرنسية، ويكتسب العمل قدرته التنافسية عندما يقدم مكانًا ولغة بصرية وشخصيات وموسيقى لا تتكرر، ضمن قصة تتناول الحب أو الفقد أو العدالة أو الذاكرة أو الصراع بين الأجيال بلغة سينمائية دقيقة. 

التوزيع الحلقة التي تصنع الإيراد 

تواجه السينما الجزائرية محدودية في شبكات التوزيع ووكلاء المبيعات الدولية، إلى جانب ضعف السوق المحلية وقاعات العرض واستثمار القطاع الخاص، وقد سجلت الجلسات الوطنية للسينما أن التوزيع يمثل الحلقة الأضعف، ودعا المشاركون إلى استرجاع القاعات وترميمها وتسهيل استغلالها، ودعم نوادي السينما وتحديث البنية التقنية المخصصة للعرض. 

وأوضح بوعزيز أن منافسة البلدان التي تنتج مئات الأفلام سنويًا تحتاج إلى قاعدة داخلية حقيقية، تشمل القاعات والجمهور والإنتاج المنتظم، فالعمل الذي لا يجد مسارًا اقتصاديًا في بلده يواجه صعوبة أكبر في إقناع الشريك الأجنبي بوجود صناعة قادرة على الوفاء بمتطلبات التمويل والإنجاز والتسليم. 

وأكد خلفات أن المهرجان ليس سوقًا في حد ذاته، وأن الجائزة لا تمثل إيرادًا اقتصاديًا بالضرورة، وقد يحصل فيلم على تتويج كبير من دون بيع حقوقه، بينما يستطيع فيلم آخر الوصول إلى منصات وقاعات في عدة بلدان وتوليد دخل، رغم عدم فوزه بجائزة رئيسية. 

ويبدأ التصدير الفعلي بملف بيع يتضمن نسخة مترجمة باحتراف، وإعلانًا تشويقيًا، وملصقًا، وصورًا عالية الجودة، وبيانات الحقوق، وخطة للجمهور والأسواق، كما يحتاج المنتج إلى وكيل مبيعات يتفاوض حول حقوق القاعات والتلفزيون والطائرات والمنصات والمناطق الجغرافية، وتظهر أهمية هذه المهن في سوق كان السينمائي الذي يجمع سنويًا أكثر من 15 ألف مهني ومئات مؤسسات البيع والإنتاج والتوزيع من أكثر من 140 بلدًا. 

الإنتاج المشترك ينقل المعرفة والأسواق 

يرى خلفات أن الإنتاج المشترك ليس وسيلة للحصول على تمويل أجنبي فقط، لأنه يتيح الوصول إلى شبكة من التقنيين والمختبرات ووكلاء المبيعات والمهرجانات والمنصات والموزعين، ويصف ذلك برأس المال الشبكي الذي قد يمنح فيلمًا متوسط الميزانية فرصًا أكبر من فيلم جيد يفتقر إلى شريك يعرف الأسواق الدولية. 

وشكل توقيع اتفاق الإنتاج السينمائي المشترك بين الجزائر وإيطاليا في 23 جويلية 2025 خطوة عملية في هذا الاتجاه، ويمنح الاتفاق الأعمال المشتركة صفة العمل الوطني في البلدين، بما يسمح لها بالاستفادة من المزايا التي توفرها تشريعات كل طرف، كما يحدد مساهمة المنتجين بين 20 و80 بالمئة من إجمالي النفقات، ويشمل الأفلام الروائية والوثائقية والتحريك وأشكال الإنتاج والتوزيع الجديدة. 

وتظهر قيمة الاتفاق عند تحويله إلى مشروعات فعلية تضم كتابًا وتقنيين وممثلين جزائريين، وتحافظ على الحقوق والمساهمة الإبداعية الوطنية، ويجب أن تسبق التوقيع دراسة للعقد وتقسيم الملكية ومناطق الاستغلال والإيرادات والنسخ واللغات، حتى لا يصبح الطرف الجزائري مقدم مواقع تصوير أو خدمات تنفيذية داخل مشروع يقوده الشريك الأجنبي. 

ويتيح الإنتاج المشترك رفع المعايير التقنية في الصوت والتلوين والمؤثرات وما بعد الإنتاج، كما يفرض جداول إنجاز وضوابط مالية ونسخًا مطابقة لمتطلبات الشاشات والمنصات. وتبقى فائدته المستدامة مرتبطة بنقل الخبرة إلى الفرق الجزائرية وتكوين المنتجين في التفاوض والتمويل وإدارة الحقوق. 

الهوية ميزة تنافسية وليست قيدًا 

قال خلفات إن قابلية الفيلم للتصدير لا تتطلب تخفيف هويته أو تقليد السينما الأجنبية، لأن الهوية تصبح في السوق العالمية ميزة تنافسية حين تدار فنيًا بذكاء، فالمكان واللغة والموسيقى والعمارة واللباس والذاكرة تمنح العمل شخصية واضحة وسط تدفق هائل من المحتوى. 

ويملك الفيلم الجزائري مخزونًا يشمل القصبة وتلمسان ووهران وجانت وبجاية، وحرب التحرير والعمق الإفريقي والمتوسطي، والأبعاد العربية والأمازيغية، والموسيقى والحرف والطبخ والعمارة، وتحتاج هذه العناصر إلى الاندماج داخل الحدث والشخصيات، حتى لا تظهر في صورة زخرفة فولكلورية أو مادة إعلانية مباشرة. 

ويؤدي الفيلم الناجح وظيفة سياحية عندما يجعل المكان جزءًا من خيال المشاهد، فالقصة المصورة في الصحراء تستطيع إثارة الاهتمام بجانت، والعمل الذي يتحرك داخل القصبة قد يدفع الجمهور إلى البحث عن تاريخها وزيارتها، كما يفتح الفيلم الموسيقي سوقًا للتسجيلات والحفلات، ويمنح ظهور الحرف والمنتجات التقليدية فرصة للوصول إلى مشترين جدد. 

ولهذا يقترح خلفات قياس القيمة التي ينشئها الفيلم حوله، إلى جانب إيرادات شباك التذاكر، ويشمل ذلك أيام عمل التقنيين، وإنفاق فريق التصوير، والإقامة والنقل، وحركة المواقع السياحية، وبيع الموسيقى والكتب والمنتجات، وفرص الاستثمار التي يولدها حضور الجزائر بصريًا. 

 

السينما قوة ناعمة وصناعة تصديرية 

يستطيع الفيلم تقديم تجربة جزائرية لمدة ساعتين إلى مشاهد لم يزر البلاد من قبل، وهو تأثير يصعب تحقيقه بالبيانات الرسمية وحدها، وتعمل الدبلوماسية الثقافية عندما تدعم الدولة حرية القصة وجودة الإنتاج وتسهل التصوير وتحمي الملكية الفكرية وتمول الترجمة والحضور في الأسواق، من دون تحويل العمل إلى خطاب دعائي يفقد صدقه الفني. 

ويحتاج هذا المسار إلى لجنة وطنية للأفلام تروّج لمواقع التصوير وتنسق التراخيص، وجناح مهني دائم في الأسواق الكبرى، وقاعدة بيانات للمنتجين والتقنيين والمواقع والخدمات، كما يتطلب إنشاء صندوق لتطوير السيناريو، ودعمًا مستقلًا للتسويق والتوزيع، وحوافز للاستثمار الخاص، وبرامج لإعداد وكلاء مبيعات ومديري حقوق ومختصين في المنصات.

وتوفر المبادرات الإفريقية مجالًا إضافيًا، فقد أعلن بنك التصدير والاستيراد الإفريقي سنة 2025 عن صندوق للأفلام يصل إلى مليار دولار لدعم الإنتاج والتوزيع العالمي، بعد إعلان أولي خلال تظاهرة “كانكس” في الجزائر سنة 2024، ويمنح هذا المسار المنتجين الجزائريين فرصة لبناء شراكات إفريقية والوصول إلى رأس مال موجه للصناعات الإبداعية. 

تبدأ صناعة التصدير من فيلم مكتوب جيدًا، وممول وفق خطة، ومنجز بمعايير مهنية، ومصحوب بموزع ووكيل مبيعات قبل اكتماله، وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح الهوية الجزائرية رأسمالًا إبداعيًا، ويتحوّل الفيلم إلى بوابة للثقافة والسياحة والاستثمار، ومنتج يريد العالم مشاهدته وشراءه. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"