السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

7 أيام من السحر والمعرفة.. تظاهرة “7/7 ثقافتي” تحتفي بيوم الطفل العالمي

Author
هارون عمري 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعيش الجزائر على وقع حراك ثقافي وفني استثنائي يمتد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، تزامنا مع الاحتفالات باليوم العالمي للطفولة. فقد أعلنت وزارة الثقافة والفنون عن إطلاق تظاهرة وطنية ضخمة تحت شعار “7/7 ثقافتي“، وهي المبادرة التي تحوّل بموجبها كافة المؤسسات الثقافية، المتاحف، قاعات السينما، المسارح والمكتبات العمومية عبر الـ58 ولاية إلى فضاءات مفتوحة مجانا للأطفال وعائلاتهم على مدار سبعة أيام كاملة، من الأول إلى السابع من جوان.

وفي هذا السياق الأكاديمي والثقافي، وفي تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، أكد البروفيسور العيد جلولي، عميد كلية الأدب بجامعة ورڤلة سابقا والمختص في أدب الطفل والمحكم الدولي في العديد من الجوائز الخاصة بهذا المجال، أن أدب الأطفال في الجزائر حقق خلال العقود الأخيرة حضورا أكاديميا وثقافيا متزايدا، بعد أن فتحت الجامعات الجزائرية أبوابها لدراسة هذا المجال وإدراجه ضمن البرامج العلمية والبحثية.

وتأتي هذه التظاهرة الوطنية لتترجم هذا الاهتمام الأكاديمي إلى واقع ملموس في الساحات والمؤسسات الثقافية، مكرسة الرؤية الرامية إلى جعل الثقافة وسيلة لبناء شخصية الطفل الجزائري وتنمية مهاراته الذهنية والإبداعية.

 

استراتيجية وطنية وثقافية: الأبواب المفتوحة وصناعة الغد

تأتي تظاهرة “7/7 ثقافتي” كخطوة استراتيجية من وزارة الثقافة والفنون تهدف إلى كسر الحواجز التقليدية بين الطفل والمؤسسة الثقافية، حيث تُفتح الأبواب بالمجان طيلة الأسبوع لإتاحة الفرصة أمام كل الفئات الاجتماعية دون استثناء للاستفادة من أنشطة مصممة بعناية. الشعار يحمل دلالة رقمية واضحة تتمثل في سبعة أيام كاملة، تتضمن سبعة برامج كبرى، لزرع قيم أساسية في نفوس الناشئة تعزز الهوية، الإبداع، القراءة، التذوق الفني، حماية التراث، التواصل والتحدي.

تتحوّل رقعة الوطن بفضل هذا البرنامج إلى ورشة عمل تفاعلية كبرى، حيث دعت الوزارة الأطفال وعائلاتهم ليكونوا هم صناع هذا الحدث الاستثنائي والمشاركين الفعليين في صياغة تفاصيله، وليسوا مجرد مستهلكين للعروض، ما يعزز مفهوم المواطنة الثقافية منذ الصغر.

تشريح البرامج السبعة: رحلة مشوقة في عالم الخيال والمعرفة

تتوزع التظاهرة على سبعة محاور أساسية تغطي كافة الفنون والآداب، وقد جاءت تفاصيلها مشوقة ومبهرة لتناسب شغف الجيل الجديد وتطلعات الأولياء الأفاضل الذين يبحثون عن محتوى هادف يجمع بين الفائدة والمتعة.

 برنامج القراءة كتابي

عشاق القصص والمطالعة على موعد مع تجربة فريدة، حيث تفتح المكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية عبر كافة الولايات، بالإضافة إلى المكتبة الوطنية بالحامة، أبوابها لإقامة ورشات حية في القراءة، الكتابة الإبداعية، والرسم القصصي برفقة أشهر كتاب أدب الطفل في الجزائر. ولأن الكتاب هو الصديق الأوفى، أعلنت المبادرة عن مفاجأة كبرى تتمثل في كتاب مجاني بانتظار كل طفل يزور المكتبة الوطنية خلال هذا الأسبوع التشجيعي، بهدف تأسيس مكتبات منزلية صغيرة للأطفال وتوطيد علاقتهم بالورق والكلمة المطبوعة.

مغامرة الحكاية تسافر.. كان يا ما كان

في واحدة من أكثر الأفكار ابتكارا وخروجا عن المألوف، وبتنسيق وثيق بين وزارة الثقافة ومؤسسة النقل بالترامواي سيترام، سينتقل سحر الحكايات التراثية والعالمية إلى عربات النقل الجماعي. سيسافر الحكواتي برفقة الأطفال والمسافرين داخل الترامواي عبر سبع ولايات جزائرية، محوّلا الرحلات اليومية الروتينية إلى رحلات خيالية ممتعة تخطف الألباب، مع توفير وتوزيع كتب مميزة وقصص هادفة للمسافرين الصغار لملء وقت رحلتهم بالمعرفة والمتعة البصرية والسمعية.

الحكواتي الصدّيق ماحي في ورشة كان يا مكان

 رحلات مجانية عبر الزمن.. تراثي

التاريخ الجزائري العريق يفتح ذراعيه للجيل الجديد؛ إذ أعلنت الوزارة أن أبواب جميع المتاحف الوطنية، الحظائر الثقافية، والمواقع الأثرية المصنفة عالميا ستكون مفتوحة بالكامل ومجانا للأطفال ومرافقيهم من الأولياء. لن تقتصر الزيارات على التجوال الفردي العابر، بل سيتولى مرشدون متميزون تقديم جولات مشوقة بأسلوب قصصي يناسب الأطفال، مع تنظيم أنشطة بيداغوجية وتاريخية خاصة في مواقع رمزية كبرى كالضريح الملكي بتيبازة وضريح إمدغاسن بباتنة، لربط الحاضر بالماضي المجيد.

شاشات السينما تفتح ذراعيها..

لم يغب الفن السابع عن المشهد، إذ تم تخصيص عروض سينمائية مجانية موجهة للأطفال في قاعات السينما العمومية، مع تركيز خاص واهتمام استثنائي بجنوبنا الكبير لضمان العدالة الثقافية وتكافؤ الفرص بين جميع أطفال الوطن.

وفي هذا السياق، يحتضن متحف السينما بالجزائر العاصمة فعالية سبعة أيام سينما الطفل، وهي فضاء تفاعلي لا يقتصر على العرض فحسب، إنما يتيح للأطفال فرصة لقاء ومناقشة النجوم الصغار الذين تألقوا وأبدعوا في السينما والمسلسلات التلفزيونية الجزائرية مؤخرا.

قفوا على خشبة المسرح.. فرجتي

المسارح الجهوية ودور الثقافة عبر ربوع الوطن أعدت ريبرتوارا غنيا من العروض المسرحية المبهرة التي تشمل مسرح العرائس، المسرح الغنائي، والمسرح التربوي الهادف. الميزة الفاصلة في هذا البرنامج هي إتاحة الفرصة للأطفال لدخول الكواليس، والتعرف على أسرار صناعة العرض المسرحي، بل والمشاركة بأنفسهم في الأداء فوق الخشبة وتحت الأضواء لإذابة حاجز الرهبة وصقل مواهبهم الخطابية والجسدية وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

احتفال مسرح عنابة بالطفولة

ورشات الرسم والتشكيل.. إبداعي

لكل طفل يملك ريشة سحرية ويرى العالم بالألوان، تفتح المدارس الفنية والمتاحف المتخصصة ورشات حية في الهواء الطلق وفي الصالات المغلقة. هذه الورشات تمنح الصغار الحرية الكاملة لتلوين أحلامهم وإظهار مواهبهم في الرسم، النحت، والتشكيل أمام الجمهور، وبإشراف أساتذة وفنانين تشكيليين يوجهون أناملهم نحو الإبداع الصحيح ويساعدونهم على تفجير طاقاتهم الكامنة.

 تحدي الأبطال.. شاركوا وفوزوا

لإضفاء روح الحماس والتنافس الإيجابي، أدرجت الوزارة مسابقات ثقافية وفنية ممتعة ومميزة ترافق كافة الأنشطة والورشات السابقة. التحدي مفتوح لجميع الأطفال لإطلاق خيالهم، حيث سيتم اختيار سبعة فائزين محظوظين في كل ولاية وفي كل برنامج، ليتم تتويجهم لاحقا بجوائز قيمة ورائعة على المستوى الوطني، ما يحفز الأطفال على الالتزام والاندماج وتقديم أفضل ما لديهم من مواهب وقدرات.

البُعد الأكاديمي والنقدي لأدب الطفل بالجزائر: رؤية البروفيسور العيد جلولي

لا يمكن فصل هذه الجهود الميدانية لوزارة الثقافة عن المسار الأكاديمي والبحثي المعمق الذي يرافق ثقافة الطفل في الجزائر. وفي هذا الصدد، قدم البروفيسور العيد جلولي قراءة نقدية وتاريخية شاملة لواقع أدب الطفل ومستقبله في البلاد، مبرزا الأهمية البالغة لتكامل الأدوار بين الجامعة والمؤسسة التنفيذية الثقافية.

وأوضح البروفيسور العيد جلولي أن أدب الأطفال أصبح يُدرّس في أقسام اللغة العربية وآدابها، كما تُنجز حوله الرسائل الجامعية والأطروحات الأكاديمية، إلى جانب تنظيم الملتقيات العلمية وإنشاء وحدات بحث متخصصة تُعنى بدراسة مختلف قضاياه وإشكالاته. وأشار، في سياق حديثه لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الساحة النقدية الجزائرية عرفت بروز عدد من الباحثين والنقاد الذين أسهموا في إثراء الدراسات المتعلقة بأدب الطفل، من خلال أبحاثهم ومؤلفاتهم النقدية التي ساعدت على ترسيخ هذا الحقل المعرفي داخل الجامعة الجزائرية.

وأضاف عميد كلية الأدب سابقا والمختص في أدب الطفل أن وزارة الثقافة والفنون ساهمت بدورها في دعم هذا المسار من خلال تشجيع نشر المجموعات القصصية والدواوين الشعرية الموجهة للأطفال، ومرافقة المبادرات الثقافية المرتبطة بثقافة الطفل وإبداعاته.

وأكد أن أدب الأطفال في الجزائر قطع مسارا طويلا بدأ مع رواد الحركة الإصلاحية الذين أدركوا أهمية الكلمة في تربية الناشئة، ثم عرف تطورا ملحوظا بعد الاستقلال بفضل جهود الشعراء والقصاصين والمسرحيين والباحثين والمؤسسات الثقافية والتربوية.

ورغم هذه المكاسب، يرى المتحدث أن أدب الأطفال ما يزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتشجيع والترويج، حتى يتمكن من مواكبة التحولات التي يعيشها الطفل الجزائري في ظل الثورة الرقمية وتعدد الوسائط التكنولوجية الحديثة.

كما اعتبر أن الاحتفاء باليوم العالمي للطفل يشكل فرصة لتجديد الاهتمام بثقافة الطفل وأدبه، وترسيخ الوعي بأهمية الاستثمار في الأجيال الصاعدة بوصفها أساس بناء المجتمع ومستقبل الوطن.

الإعلام الرقمي يواكب الحدث: عصافير الجزائر في الواجهة

تتميز تظاهرة “7/7 ثقافتي” لعام 2026 بتبنيها الكامل للتكنولوجيات الحديثة والوسائط الرقمية؛ فقد وجهت وزارة الثقافة والفنون نداء دافئا إلى كل عصافير الجزائر، مؤكدة أن الوزارة ومؤسساتها الثقافية هي بمثابة بيتهم الكبير الذي يفتح أبوابه ليلعبوا، يتعلموا، ويرسموا ذكريات لا تُنسى في تلاحم بهيج يجمع العائلات بأبنائهم في فضاءات الإبداع.

ولمواكبة هذا الحدث الضخم، تم تجنيد فرق إعلامية متخصصة ومصممي محتوى وفنيين، حيث امتدت التغطية لتشمل كل ورشات الولايات.

امتلأت قاعات العرض والورشات بالعدسات والكاميرات التي تولت وتتولى نقل إبداعات الأطفال، رسوماتهم، قراءاتهم، وتفاعلاتهم المسرحية بشكل مباشر وبث حي ومستمر عبر مختلف منصات ومواقع التواصل الاجتماعي باستخدام الأوسمة النشطة للتظاهرة.

هذا الربط الرقمي سمح للعائلات بمتابعة أبنائهم والافتخار بإنجازاتهم، كما فتح المجال واسعا لإبراز الطفل الجزائري المبدع في أبهى صوره محليا ودوليا.

إن هذا التلاحم الملحوظ بين الإرادة السياسية والثقافية لوزارة الثقافة، والعمق الأكاديمي المعرفي الذي تمثله الجامعة الجزائرية، والتفاعل الشعبي الواسع من قبل الأولياء والأطفال، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو صياغة مشهد ثقافي متكامل، يؤمن بأن عقل الطفل هو الثروة الحقيقية والاستثمار الأبقى مستقبلا.

الأبواب لا تزال مفتوحة، والفعاليات مستمرة لتصنع من أسبوع الطفولة هذا فصلا جديدا من فصول البهجة والتميز الجزائري الخالص الذي يبني جيل الغد الواعي والمبدع.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"