الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

تعافي الوجهات المتضررة.. كيف تستعاد المنظومة السياحية بعد الكوارث؟ 

Author
هارون عمري 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

وضعت حرائق الغابات، التي مست عددًا من ولايات الوطن، قطاع السياحة والصناعة التقليدية أمام مسؤولية تتصل بإعادة تأهيل المناطق المتضررة، واستعادة النشاط الاقتصادي في الوجهات الجبلية والغابية التي تعتمد أسرها على السياحة والحرف والتجارة الموسمية. فقد دعت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، الفنادق ووكالات السياحة والمستثمرين والحرفيين والدواوين إلى المساهمة في ترميم منازل العائلات، مع إعطاء الأولوية للأسقف والنوافذ وإنجاز الأشغال قبل حلول الأمطار، بما يحفظ كرامة المواطنين وخصوصيتهم. 

ويرى الناشط السياحي ومفتش الفندقة، حرابي صاليح، أن إعادة التأهيل تحتاج إلى الجمع بين ترميم المساكن واستعادة الوظائف البيئية والسياحية للمناطق المتضررة، مع إشراك سكانها وحرفييها والجمعيات والوكالات والجماعات المحلية، مع التأكيد على ضرورة التكفل بصغار التجار والحرفيين الذين فقدوا مواقع عملهم ومصادر دخلهم، خاصة في الوجهات السياحية التي كانت تستقبل الزوار خلال موسم الصيف، حتى تتحول الهبّة التضامنية من مساعدة عاجلة إلى مسار منظم يعيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى هذه المناطق. 

الحرائق تضرب الغابة ومحيطها الاقتصادي 

ترأست وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، الأحد 30 أوت، اجتماعًا تنسيقيًا مع ممثلي المتعاملين والمهنيين في قطاعي السياحة والصناعة التقليدية، بحضور مسؤولي مجمع فندقة وسياحة وحمّامات معدنية، والديوان الوطني الجزائري للسياحة، وممثلي الفيدراليات والنقابات والجمعيات المهنية لوكالات السياحة والأسفار، إلى جانب إطارات الوزارة. 

وترحمت الوزيرة رفقة الحضور على أرواح ضحايا الحرائق التي مست ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو وميلة وسكيكدة، وأعربت عن تضامنها مع العائلات المتضررة، كما حيّت الهبّة الشعبية التي تجسدت في قوافل المساعدات وحملات جمع المواد الأساسية وإيصالها إلى المواطنين. 

وعرفت الولايات المتضررة حركة تضامنية واسعة شارك فيها المواطنون والجمعيات والقطاعات الحكومية، وشملت المساعدات المواد الغذائية والمياه والأغطية والأدوية، إلى جانب المرافقة النفسية والاجتماعية للأطفال والنساء وكبار السن، في عدد كبير من القوافل توجه جانب مهم منها إلى ولاية جيجل. 

ولا تقف الخسائر عند الأشجار والمساكن والمحاصيل، إذ يؤثر الحريق في منظومة اقتصادية محلية تشمل بيوت الإيواء والمطاعم والنقل والمرشدين والحرفيين وصغار التجار وأصحاب الأنشطة الموسمية، كما يؤدي إغلاق الطرق وتراجع حركة الزوار وتضرر الصورة العامة للوجهة إلى خسائر قد تستمر بعد إخماد النيران. 

ترميم المنازل مدخل لاستعادة الوجهة 

دعت حورية مداحي أصحاب المؤسسات الفندقية ووكالات السياحة والأسفار والمستثمرين وبقية الفاعلين إلى الانضمام إلى المبادرة التضامنية، والمساهمة في إعادة تأهيل وترميم منازل العائلات المتضررة، والتعجيل بإنجاز الأشغال قبل حلول أمطار الخريف. 

وحددت الوزيرة الأسقف والنوافذ ضمن أولويات التدخل، بالنظر إلى صلتهما المباشرة بحماية البيوت من الأمطار والبرد، ودعت إلى تجنيد الحرفيين المحليين في مجالات البناء والترميم، حتى تستفيد المناطق المتضررة من اليد العاملة الموجودة فيها، ويعود جزء من الإنفاق إلى سكانها. 

وترتبط هذه المبادرة بعملية وطنية أوسع للتكفل بالمتضررين، حيث تابعت وزارة الداخلية تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بالتعويض، مع توجيه الولاة إلى استكمال تقييم الخسائر وتسريع دراسة الملفات وفق معايير الشفافية والإنصاف، كما تواصل تسليم مقررات التعويض بناء على المعاينات الميدانية وتقييم الأضرار في الولايات المعنية. 

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال الناشط السياحي ومفتش الفندقة، حرابي صاليح، إن الدولة رسمت مخططًا للتكفل بالمتضررين وتعويضهم، إلى جانب إعادة تشجير وتهيئة المناطق التي تضررت من الحرائق، فيما بادرت وزارة السياحة والصناعة التقليدية إلى إشراك فاعلي القطاع من فنادق ووكالات وحرفيين ودواوين في إعادة تهيئة المناطق السياحية المتضررة. 

وأوضح صاليح أن كثيرًا من المناطق الجبلية والغابية التي مستها الحرائق تعد مقاصد للسياحة الخضراء، ويعتمد سكانها والفاعلون المحليون على النشاط السياحي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لذلك تكتسب إعادة الاعتبار إليها قبل موسم الأمطار أهمية بيئية واقتصادية واجتماعية. 

ويتطلب ترميم البيوت تقييمًا تقنيًا يحدد درجة تضرر الهيكل والأسقف والأبواب والنوافذ وشبكات الكهرباء والمياه، ثم توزيع المهام بين السلطات والمهنيين والمتبرعين، حتى تذهب الموارد إلى الأولويات الفعلية، وتنجز الأشغال وفق معايير السلامة بدل التدخلات المتفرقة. 

الطابع المحلي يحمي هوية المكان 

شدد صاليح على إشراك السكان والحرفيين في عمليات إعادة البناء والتهيئة، مع الحفاظ على الخصوصية المعمارية المحلية للمناطق الجبلية والغابية، لأن المنزل في هذه الوجهات يمثل جزءًا من المشهد الثقافي والسياحي، وتحمل مواده وتقنيات بنائه علاقة بالمناخ والتضاريس ونمط حياة السكان. 

ويمنع احترام العمارة المحلية ظهور ترميمات منفصلة عن هوية القرية، خاصة حين يتعلق الأمر بالأسقف القرميدية والحجر والخشب والواجهات التقليدية والألوان المنسجمة مع البيئة. كما يمنح الحرفيين المحليين فرصة للمشاركة بخبرتهم في المواد وأساليب البناء المناسبة للمنطقة. 

وأكدت الوزيرة أن الولايات السياحية ليست مجموعة من المناظر الطبيعية فحسب، فهي جغرافيا بشرية أساسها المواطن وسكنه وأمنه، وهو تصور يربط جاذبية الوجهة باستقرار أهلها وقدرتهم على مواصلة العيش والعمل داخلها. وتفقد المنطقة جزءًا من قيمتها السياحية إذا استعادت غطاءها النباتي بينما ظل سكانها دون سكن آمن أو مصدر دخل. 

كما شددت مداحي على تنفيذ عمليات التدخل والمساعدة بطريقة تحفظ كرامة المواطنين وخصوصيتهم، وتجعل التضامن فعلًا إنسانيًا يحترم مشاعر العائلات. ويتطلب ذلك تفادي تصوير المتضررين دون موافقتهم، وعدم تحويل تسليم المساعدات إلى مناسبة استعراضية، واعتماد قوائم دقيقة للحاجات يجري إعدادها بالتنسيق مع السلطات المحلية. 

ويرى صاليح أن سكان المناطق المتضررة يمثلون العنصر الأساسي في عملية التعافي، لأنهم الأعرف بمقوماتها وإمكاناتها وقيمة النشاط السياحي فيها، ومن خلال إشراكهم يمكن استعادة وظيفة القطاع الاقتصادية والبيئية، وتوجيه عمليات التهيئة وفق حاجات المكان الحقيقية. 


الحرفيون والتجار يواجهون خسارة الموسم 

أثار صاليح وضع التجار والحرفيين الصغار الذين تضررت أنشطتهم بسبب الحرائق، خاصة العاملين داخل المواقع السياحية وفي محيطها، ومنهم من كانوا يعرضون منتجات حرفية وفنية تعبر عن تراث المنطقة وثقافتها ويعتمدون على موسم الصيف لتأمين جانب مهم من دخلهم السنوي. 

وأشار إلى مواقع سياحية مثل منطقة زيامة منصورية والكهوف العجيبة، حيث ترتبط حركة الزوار ببيع المنتجات المحلية والخدمات الصغيرة، ويعني توقف الزيارات خسارة فورية لأصحاب الأكشاك والحرفيين والناقلين والمرشدين، حتى عندما لا تتضرر تجهيزاتهم مباشرة من النيران. 

ويرى صاليح أن على الوزارة ومديرياتها إيجاد صيغ لتعويض هذه الفئات ومساعدتها على استعادة نشاطها، بما يحمي الحرف المحلية ويعيد الحركية السياحية. ويمكن أن تشمل المساندة منح تجهيزات بديلة، وتهيئة فضاءات مؤقتة للبيع، وتسهيل المشاركة المجانية في المعارض، وتخصيص طلبيات عمومية لمنتجاتهم، إلى جانب القروض الصغيرة أو الإعانات المرتبطة بحجم الضرر المثبت. 

ويحتاج تقييم الخسائر إلى توسيع المعاينة لتشمل توقف النشاط والدخل، ولا تقتصر على المبنى أو المعدات المحترقة، فالحرفي الذي لم يفقد ورشته ربما فقد منفذ البيع وزبائنه وموسمه التجاري، وصاحب الإيواء الذي ظل منزله قائمًا قد يواجه إلغاء الحجوزات بسبب إغلاق الطريق أو تراجع الإقبال. 

إعادة تأهيل بيئي يحمي السياحة الخضراء 

لا تستعيد الوجهة عافيتها بترميم البيوت وحده، إذ تحتاج الغابات والمسارات ومناطق الاستراحة والتربة ومصادر المياه إلى تقييم علمي يحدد ما يمكن تركه للتجدد الطبيعي، وما يتطلب تدخلًا بالتشجير أو تثبيت التربة أو إزالة المخلفات الخطرة. 

وكانت وزارة البيئة وجودة الحياة قد شرعت، في 30 جويلية 2026، في تفعيل مخطط وطني لإعادة تأهيل الأوساط البيئية المتضررة من الحرائق، اعتمادًا على تشخيص آثارها في الغطاء النباتي والتربة والأصناف الحيوانية، مع توجه نحو غرس أصناف مقاومة للنيران وإشراك المؤسسات المصغرة والمجتمع المدني والسكان المحليين. 

وقال صاليح إن إعادة تأهيل المناطق المحترقة تمثل استعادة لمقومات سياحية واقتصادية واجتماعية، وتحتاج إلى تضافر جهود الدولة والفاعلين السياحيين والسكان والجمعيات، حتى تعود الحياة إلى الوجهات وتحافظ على جاذبيتها. 

ودعا إلى تعزيز توعية السكان بمخاطر الحرائق، وترسيخ الوعي بقيمة المناطق الغابية والبيئية ودورها في تنشيط السياحة، مع تفعيل دور الجمعيات السياحية في التحسيس والمرافقة. ويمكن للوكالات والمرشدين إدراج قواعد الوقاية في برامج الرحلات، مثل منع إشعال النار خارج الفضاءات المخصصة، وجمع النفايات، واحترام قرارات غلق الغابات في فترات الخطر. 

كما تستطيع الجماعات المحلية وضع مخططات لإدارة الزوار داخل المواقع الحساسة، وتحديد مسالك الإخلاء ونقاط المياه والاتصال، وتكوين أصحاب الأنشطة والمرشدين في إجراءات الاستجابة الأولية، بما يجعل السياحة شريكًا في الوقاية ويحمي الزائر والسكان والموارد الطبيعية في الوقت نفسه. 

الهبّة التضامنية تعيد الحركية السياحية 

دعا صاليح إلى تفعيل النشاط داخل المناطق المتضررة بطريقة تدريجية وآمنة، واستثمار القوافل والمبادرات التضامنية لفائدة السكان المحليين، مع توعية الزوار بقيمة الجانب البيئي وضرورة احترام المواقع خلال مرحلة التعافي. 

وتستطيع وكالات السياحة، بعد التأكد من سلامة الطرق والمواقع، إعداد برامج تضامنية تمنح الأولوية للإقامة والشراء والخدمات المحلية، وتوجه جزءًا من عائد الرحلة إلى ترميم مرفق أو دعم حرفة، مع تجنب إدخال مجموعات كبيرة إلى مناطق لم تستعد قدرتها على استقبال الزوار. 

ويرى صاليح أن الهبّة التضامنية الواسعة يمكن استثمارها في إعادة الاعتبار للمناطق المتضررة وتنشيط حركتها السياحية، على أن يبقى السكان في مركز العملية، فهم الأعرف بمؤهلات مناطقهم وحاجاتها، والأكثر قدرة على تحديد الأنشطة التي توفر دخلًا وتحافظ في الوقت نفسه على البيئة والهوية المحلية. 

تبدأ استعادة الوجهة من حماية المواطن وإرجاعه إلى بيته، ثم تمتد إلى الحرفي والتاجر والمسار والغطاء النباتي والخدمة السياحية، فحين يشارك السكان في الترميم والوقاية والتنشيط، تتحول المبادرة التضامنية إلى عملية تعاف محلي تحفظ كرامة الأسر، وتصون هوية المكان، وتعيد للمناطق الجبلية والغابية دورها البيئي والسياحي ومصادر الرزق المرتبطة بها. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"