تقرير: دولةٌ واحدةٌ لا تكفي لإعلان “الحرب الاقتصادية” على الصين

كشف خبراءٌ اقتصاديون بأن أمريكا تبذل جهودا مُضاعفة لفرض تفوّقها وهيمنتها في القرن الواحد والعشرين، رغم أنها فقدت دعائم وأساسيات هذا التفوّق، وكل ما تستطيع فعله هو “الدّفع” بالاقتصاد العالمي إلى الرّكود والكساد العالمي الحادّ. وقالت وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” بأن أمريكا “في سعيها إلى تحقيق تفوُّق أحاديّ القطب، تقوم إدارة جو بايدن في الولايات المتحدة، بتعريض الاستقرار الاقتصادي للصين، وأوروبا، ودول آسيا الصاعدة، والآفاق المستقبلية لأكثر من نصف العالم، إلى الخطر”.

نقلت وكالة “شينخوا” ما كتبَه، في 31 أوت/أغسطس، مُحلّل السوق، “جاك كيمب”، بأنه منذ أوائل عام 2018، “اتّبعت الولايات المتحدة سياسة مُتعمّدة في محاولة الإضرار بالاقتصاد الصيني، استجابة لمخاوف تتعلق بتحوُّل في ميزان القوى الاقتصادية وممارسات تجارية غير عادلة”. كما نقلت الوكالة رأي الخبيرة الاقتصادية “آن أو. كروجر”، حول حرب ترامب التجارية ضد الصين، التي لاقت “فشلا ألحق الضّرر بكل من الصين والولايات المتحدة على حدّ السّواء”. وأوضحت الوكالة بأن “الكثيرين كانوا يأملون في أن يأتي فوز بايدن مصحوبا بعملية تعاون ثنائية بين بكين وواشنطن، لكن العكس هو الذي حدث”. وأضافت “مع قيامه (بايدن) بالبناء على سياسات ترامب المَعيبة، بدأ البيت الأبيض في تعزيز تلك السياسات، مع تنويع المخاطر أمام حلفاء الولايات المتحدة”.

المملكة المُتّحدة هي أقوى حلفاء أمريكا التي أعلنت حربا اقتصادية، وحاولت فرض عقوبات بأشكال مُختلفة على الصين. فقد أعلنت رئيسة وزراء المملكة المتحدة الجديدة، “ليز تروس” تصنيف الصين على أنها “تهديد” وليس مجرّد “منافس منهجي”. ويتماشى تصنيفها مع أحدث مُراجعة دفاعية في المملكة المتحدة، والتي تصف الصين بأنها “أكبر تهديد قائم على الدولة” للأمن الاقتصادي للبلاد.

كانت هناك أفعال تطابق هذه الكلمات، حيث تم تفويض حكومة المملكة المتحدة لإزالة جميع مُعدات “هواوي” من شبكات “جي 5” بحلول عام 2027. وقد رفضت التملّك الصيني لشركة برمجيات التصميم الإلكتروني “بولسيك” لأسباب أمنية، ومن المرجح أن تمنع شراء أكبر مصنع لأشباه الموصلات في المملكة المتحدة، “نيوبورت ويفر فاب”، من طرف شركة تابعة لشركة “وينج تك” الصينية.

لا تعكس هذه التّحرّكات ضد “بكين” المخاوف الأمنية للمملكة المتحدة فحسب، بل تعكس أيضًا انزعاجها من سجّل بكين “المشكوك” فيه في مجال حقوق الإنسان. فقد أعربت المملكة المتحدة عن قلقها بشأن قضايا مثل معاملة الأويغور في شينجيانغ، وقمع الحقوق الديمقراطية في هونغ كونغ، وممارسة ما أطلق عليه اسم “دبلوماسية فخ الديون”..

وهناك أيضا، قضية تايوان، فقد استدعت “ليز تروس”، عندما كانت وزيرة خارجية بلادها، في العاشر أوت/ أغسطس الماضي، السفير الصيني لدى المملكة المتحدة، “تشنغ تسيغانغ”، وقدّمت له مساءلة حول “تصعيد بكين العدواني وواسع النطاق” ضد تايبيه.

من خلال اتخاذ إجراءات تجارية ضد بكين، لا شك أن حكومة المملكة المتحدة ستستخلص دروسًا من الخلافات الأخيرة بين أستراليا والصين. لكن القيام بذلك قد يؤدي إلى سوء تقدير خطير، لأنه لا تكفي دولة واحدة لمواجهة العملاق الصيني، بل في إطار جماعي، وهذا هو الدّرس الأوّل.

أما الدرس الثاني، فهو أن المصالح المشتركة الأساسية في العلاقات التجارية والاقتصادية يمكن أن تصمد أمام التوترات السياسية، مهما كانت حادة. فبعد كل الخلافات، لم تتعرض تجارة خام الحديد بين أستراليا والصين، إلى أيّ تأثّر.

لكن مثل هذه الدروس قد لا تكون قابلة للتطبيق في سياق قلق المملكة المتحدة المتزايد بشأن “التهديد” الصيني. وإذا كان المقصود من مهاجمة الصين في الخطاب السياسي، أن يكون إلهاءً سياسيًا للبريطانيين عن الوضع الاقتصادي السيئ في بلادهم، فهناك خطرُ “خلط القلق الاستراتيجي” الواسع مع العمل، لفرض عقوبات على التجارة الصينية، بطريقة يمكن أن تؤدي إلى تصعيد التوتر وخطر الصراع.

إن خيار العقوبات المتطرف – وإن لم يكن مستحيلًا – سيكون جهدًا جماعيًا للحد من وصول الصين إلى أشباه الموصلات التايوانية، التي تعتمد بشكل كبير على واردات مُعدات تصنيع أشباه الموصلات الأمريكية. سيؤدي هذا، في الواقع، إلى توسيع نطاق عقوبات إدارة ترامب السابقة، التي منعت شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات من تزويد شركة “هواوي”.

لقد أمضت واشنطن سنوات، بشكل متواصل، في تصعيد القيود المفروضة على قدرة الصين في تطوير قدرة الرقائق المحلية، من خلال الحدّ من أنواع مُعدّات صنع الرقائق التي يمكن للشركات الأمريكية تصديرها إلى الصين، مع تجنيد شركاتها “الصديقة”، مثل شركة “نيكون” اليابانية، وشركة “المواد الحجرية” في هولندا، لتنضم إلى حصارها التكنولوجي على الصين.

والنتيجة هي أن الصين تعتمد الآن على تايوان في 90 في المائة من أشباه الموصلات، الذي يُمثّل شريان الحياة للاقتصاد الصيني. ويؤدي هذا الاعتماد إلى ثغرة يمكن، في سيناريو متطرف، استغلالها من خلال حظر مُعتمد بشكل جماعي لأشباه الموصلات. والمعضلة النهائية هي أن الحظر المفروض على وصول الصين إلى أشباه الموصلات التايوانية، هو من بين أكثر الأسباب المعقولة للهجوم العسكري الصيني على تايوان.

هناك طرق بديلة لحل الخلافات مع بكين. ومنها منظمة التجارة العالمية، على الرغم من أنها تفتقر إلى آلية لتسوية المنازعات. وقد نصح أستاذ الدراسات الصينية، في ورقته البحثية لعام 2020 التي قدّمها إلى مؤسسة “تشاتام هاوس البحثية”، بأن “التعامل مع بكين.. لا يكون بالعداء والتّخويف، بل يجب أن يكون في صميم سياسة المملكة المتحدة تجاه الصين”.