الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

تكتيكات روسية جديدة.. هل تمهد لإنجاز استراتيجي في الحرب الأوكرانية؟

Author
ربيعة خطاب 18 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة تحولات ميدانية لافتة، مع استمرار القوات الروسية في تطوير أساليبها القتالية للتكيف مع طبيعة المعركة الحديثة التي تهيمن عليها الطائرات المسيّرة والاستطلاع الفوري. وفي هذا السياق، تشير تقارير غربية إلى أن موسكو باتت تعتمد بشكل متزايد على مجموعات اقتحام صغيرة وتكتيكات التسلل، إلى جانب إنشاء ممرات آمنة تقل فيها فعالية المسيّرات الأوكرانية، وهو ما ساهم في تحقيق تقدم ميداني وإضعاف بعض المواقع الدفاعية الأوكرانية. 

وفي هذا السياق، يصرح العميد حاتم عاطف، المحلل السياسي والعسكري، لـ”الأيام نيوز”، بأن اعتماد روسيا على مجموعات الاقتحام الصغيرة يمثل تحولا جوهريا في العقيدة العسكرية الروسية، التي كانت تعتمد تاريخيا على ما يعرف بـ”كتلة النيران”، والقصف المدفعي الكثيف، والتقدم النمطي للكتائب المدرعة. ويؤكد أن هذا التحول لا يمكن اعتباره مجرد استجابة لظروف ميدانية طارئة، وإنما يعكس، في تقديره، “إعادة صياغة استراتيجية” لطبيعة القتال في بيئة أصبحت مشبعة بوسائل الاستطلاع والمستشعرات الحديثة.

ويضيف العميد حاتم عاطف، أن الانتقال من الاعتماد على التشكيلات العسكرية الكبرى إلى فرق صغيرة، مرنة، وسريعة الحركة، ومنفصلة عن الوحدات التقليدية، يعكس مستوى عاليا من التكيف الروسي مع متطلبات الحرب الشبكية الحديثة. ويوضح أن الهدف من هذا التحول يتمثل في تقليل البصمة الحرارية والرادارية للقوات الروسية، الأمر الذي يجعل من الصعب على منظومات الاستطلاع الأوكرانية والطائرات المسيّرة تحديد أهداف ذات قيمة عسكرية عالية أو تتبع تحركاتها بدقة.

ويشير العميد حاتم عاطف، إلى أن العقيدة العسكرية الروسية باتت اليوم تتبنى مفهوم “اللامركزية التكتيكية” باعتباره أحد أهم أدوات مواجهة السيطرة المتزايدة للطائرات المسيّرة في ساحات القتال. ويرى أن هذا التطور يعكس استيعاب الجيش الروسي للدرس الذي فرضته الحرب، والمتمثل في أن القوات الكبيرة التي تتحرك في ميدان مكشوف تصبح أهدافا سهلة ومشلولة أمام قدرات الرصد والاستهداف الحديثة، وهو ما دفع موسكو، بحسب تعبيره، إلى الانتقال من نموذج “جيش الصناعة الثقيلة” إلى نموذج “جيش التسلل النوعي” القائم على المرونة وسرعة الحركة.

وفيما يتعلق بالممرات الخالية من المسيّرات، يصرح العميد حاتم عاطف بأنها تمثل نموذجا متقدما للذكاء الإلكتروني والتكنولوجي في إدارة العمليات العسكرية. ويوضح أن روسيا استثمرت بصورة مكثفة في تطوير أنظمة الحرب الإلكترونية ذات النطاقات المحدودة والمحمولة ميدانيا، وهو ما مكنها من إنشاء ما يشبه “فقاعات حماية” إلكترونية قادرة على تعطيل عمل المسيّرات الأوكرانية التكتيكية، وتقليص قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والرصد.

ويؤكد العميد حاتم عاطف، أن هذا التطور أسهم في تحييد أحد أهم الأسلحة الاستراتيجية التي كانت تمنح أوكرانيا ما وصفه بـ”الرؤية الكلية” لساحة المعركة. ويضيف أن إنشاء هذه الممرات الإلكترونية أتاح للقوات الروسية الحفاظ على خطوط الإمداد الأمامية، وتأمين حركة مجموعات الاقتحام الصغيرة حتى اللحظات الأخيرة التي تسبق الاشتباك المباشر مع القوات الأوكرانية، وهو ما منحها هامشا أكبر للمناورة والاقتراب من أهدافها دون التعرض للرصد المبكر.

ويرى العميد حاتم عاطف، أن هذا الأسلوب لا يندرج ضمن التكتيكات الدفاعية فحسب، بل يعد تكتيكا هجوميا بامتياز، لأنه يجبر القوات الأوكرانية على فقدان “العمق الرصدي” الذي كانت تعتمد عليه في توجيه نيرانها بدقة. ويضيف أن هذا الواقع يؤدي إلى إضعاف قدرات الدفاع الأوكراني في المواقع الأمامية، ويجعلها أقل قدرة على التنسيق مع الوحدات الخلفية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة إدارة العمليات الميدانية.

وبخصوص ما إذا كانت هذه التكتيكات الجديدة تمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب، يصرح العميد حاتم عاطف بأنه من الضروري التمييز بين مفهوم “الزخم الميداني” وبين مفهوم “الحسم الاستراتيجي”. ويوضح أن النجاحات التكتيكية التي تحققها روسيا بشكل متواصل تمنحها “أفضلية تراكمية” في استنزاف الموارد البشرية واللوجستية الأوكرانية، كما تدفع كييف إلى البقاء في موقع الدفاع المستمر، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي شامل.

ويضيف العميد حاتم عاطف، أن الوصول إلى انتصار استراتيجي كامل يتطلب أكثر من مجرد نجاح تكتيكات الاقتحام، إذ يستلزم حدوث انهيار في “الإرادة القتالية” أو تراجع في “القدرة على التعبئة” لدى الجانب الأوكراني. ويرى أن التكتيكات الروسية الجديدة حولت الصراع إلى “معارك استنزاف عالية التقنية”، تسعى موسكو من خلالها إلى دفع الخصم تدريجيا نحو حالة من “العجز الميداني”، بما يحد من قدرته على مواصلة العمليات الدفاعية والهجومية في آن واحد.

ويؤكد العميد حاتم عاطف، أن النتيجة الاستراتيجية التي تسعى إليها موسكو تتمثل في إجبار أوكرانيا على التراجع المتواصل حتى الوصول إلى “الخطوط الحمراء” التي أعلنتها روسيا منذ بداية الصراع. لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرهونا باستمرار امتلاك روسيا لقدرات لوجستية وصناعية قادرة على تعويض خسائرها البشرية والمادية، والحفاظ على زخم العمليات العسكرية لفترات طويلة.

ويؤكد العميد حاتم عاطف على أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة يمكن وصفها بأنها “صراع عقول استراتيجية” داخل الميدان، حيث لم تعد الغلبة مرتبطة فقط بحجم القوات أو كثافة النيران، وإنما بقدرة كل طرف على التكيف المستمر مع بيئة الحرب الإلكترونية والتكنولوجية. ويشير إلى أن الطرف الذي يمتلك المرونة الأكبر في تطوير تكتيكاته ومواجهة المتغيرات الميدانية سيكون الأقدر على فرض شروطه في نهاية المطاف، معتبرا أن روسيا نجحت، حتى الآن، في تحويل “نقطة قوتها” إلى “قاعدة عمليات” مكّنتها من فرض واقع ميداني جديد أصبح من الصعب على الدفاعات الأوكرانية تجاوزه.