الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

“تكديس الكتب”.. ظاهرة ثقافية أم هوس مَرَضي؟

Author
ابتسام مباركي 27 سبتمبر 2023
X Facebook TikTok Instagram

“يوما ما سأقرأ كل هذه الكتب وعندها أصير رائعا، المشكلة أن هذا اليوم لم يأت بعد”، هي إحدى الاقتباسات الساخرة والواقعية التي جاءت في كتاب “قصاصات قابلة للحرق” للأديب المصري أحمد خالد توفيق ـ والذي احتوى على مجموعة من العبارات ـ قدم عبرها خلاصة تجاربه والحكم التي صادفته في الحياة، وبعثها بطريقة سريالية عبثية لكنها مباشرة ترصد المعنى وتفترسه.

تصف العبارة المقتبسة عن أحمد خالد توفيق، حالة عشق المثقفين للكتب، خاصة القديمة والمستعملة منها، فما إن يعثر بعضهم على كتاب عتيق حتى يجتاحه شعور بالغبطة العارمة وكأنه وجد كنزا مفقودا، فيحمل الكتاب برقة لا متناهية، يقلب صفحاته الصفراء بحذر، ومهما كان ثمنه باهظا يحرص على ضمه إلى مكتبة منزله، على أمل قراءته في يوم من الأيام، إلا أن “هذا اليوم” قد لا يأتي مطلقا.

ولع ثقافي أم هوس مرضي!

هذا “الولع” بشراء الكتب وتكديسها، هي ظاهرة ليست حكرا على المثقفين فقط، بل هناك الكثيرين ممن يسيرون على نهجهم، فنجدهم دوما عند أبواب معارض الكتب الدولية وعلى عتبات المكتبات يجمعون أطنانا من الكتب، قد تصبح بعد ذلك مجرد “زينة” على رفوف مكتبة المنزل دون أن يتم قراءة ولو صفحة واحدة منها.

فلا يغفل عنا جميعا الإقبال الكبير الذي تشهده معارض الكتب السنوية حول العالم بصفة عامة وفي الجزائر خاصة، فقد تجاوز زوار الطبعة الـ25 لصالون «سيلا» 2022 عتبة 1.5 مليون زائر.

وربما زار غالبيتنا هذا المعرض على اختلاف أهدافنا، فهناك أشخاص يطالعون الإصدارات الجديدة من الكتب، وآخرون يشاركوا في الفعاليات المختلفة التي تقام على خلفية هذا المعرض، ولكن لا ننكر أن الهدف المباشر غالبا ما يكون اقتناء مجموعة مميزة من الكتب بنية قراءتها لاحقا، ومن ثم نلاحظ أن هذه المجموعات تكدست بشكل ما ولم نقم بقراءتها كما كانت النية.

حالة من النشوة

هذه الحالة، تطلق عليها الثقافة اليابانية مصطلح «تسوندوكو» الذي يصف هذا السلوك كهوس مرضي، وأصبح هذا المصطلح معروفا عالميا، يستخدمه القراء عبر العالم ليعبروا عن حصول هذه الحالة معهم بعد اقتناءهم للكتب.

ومن أشهر الأدباء الذين علقوا في هذه الظاهرة هو المؤلف أ. إدوارد نيوتن حين قام بجمع 10,000 كتاب في مكتبته دون أن يقرأها بداية، وعَبر عن ذلك في مقولته الشهيرة “حتى عندما تكون القراءة مستحيلة، فإن الاستحواذ على الكتب يخلق حالة من النشوة، إذ أن شراء كتب أكثر مما يستطيع المرء قراءته لا يقل عن سعي الروح إلى بلوغ اللانهاية”.

تسوندوكو

وكما ذكرنا آنفا، فـ«تسوندوكو» (Tsundoku)، هو مصطلح ياباني يصف ظاهرة تكديس الكتب لدى المثقفين، هذه الكلمة تجمع بين الكلمات Tsunde، التي تعني “تكديس الأشياء”، وdoku التي تعني “يقرأ”.

ووفقا لموقع «كوارتز» الأمريكي، فإن «تسوندوكو» نشأت كتلاعب بالكلمات في أواخر القرن التاسع عشر، خلال ما يعرف بعهد «ميجي» في اليابان، وقد أكد أندرو غيرستل، أستاذ النصوص اليابانية في عصر ما قبل الحداثة بجامعة لندن، أن المصطلح قد يعود إلى عام 1879.

وأشار غيرستل إلى ظهور المصطلح في نص يتحدث عن مدرس لديه الكثير من الكتب لكنه لا يقرؤها، ومن المرجح أن استخدامه كان ساخرا، رغم تأكيده أن الكلمة لا تحمل معنى سلبيا أو وصمة عار في اليابان، بل تعتبر كلمة “عامية محببة”.

ويعرف قاموس «كامبريدج» هذا المصطلح بأنه “ممارسة شراء الكثير من الكتب والاحتفاظ بها في كومة لأنك تنوي قراءتها، ولكنك لم تفعل ذلك بعد”، كما أشار القاموس الإنكليزي إلى أن كلمة «تسوندوكو» تستخدم أيضا للإشارة إلى كومة الكتب المتراكمة.

الببليومانيا

ورغم أنه لم يذكر القاموس أي مرادف مباشر لهذا المصطلح الياباني في الإنكليزية، لكن، هناك مصطلح آخر يعرف بـ«الببليومانيا» (Bibliomania) أو “هوس الكتب” أو “جنون الكتب” وقد ظهر في إنكلترا في ذات الوقت تقريبا الذي ظهر فيه مصطلح “تسوندوكو”.

بالنسبة إلى رجل الدين الإنكليزي توماس فروجنال ديبدين مؤلف كتاب “الرومانسية الببليوغرافية”، فإن هذا الهوس يعتبر خوفا حقيقيا أكثر من كونه موهبة غير ضارة، كما اعتبره نوعا من “العصاب” الخيالي يدفع أولئك الذين يعانون منه إلى هوس يدفعهم إلى جمع الكتب من جميع الأنواع، حتى لو لم يكن لديهم وقت لقراءتها، وقد شاع هذا السلوك في القرن التاسع عشر بين السادة خاصة في المملكة المتحدة، بحسب صحيفة “غارديان” البريطانية.

وقدم ديبدين قائمة بعدد من الأعراض التي تتجلى في أنواع معينة من الكتب التي كان السادة يبحثون عنها بقلق شديد، والتي تحتوي عناوين مثل “الطبعات الأولى، والطبعات الحقيقية، والكتب المطبوعة بأحرف سوداء، والنسخ الورقية الكبيرة”، لكن ديبدين نفسه كان مهووسا بالجوانب المادية للكتب، وفي أوصافه اهتم بشدة بتفاصيل تجليدها ومطبوعاتها بدلا من المحتوى.

لماذا يكدس المثقفون الكتب؟

ويبدو بشكل ما أن عادة تجميع الكتب دون قراءتها ظاهرة شائعة بين الأشخاص المهتمين بالقراءة ويعتبرون الكتب مصدرا مهما للتعلم والاستفادة الثقافية، وفي الواقع هناك عدة أسباب تفسر هذه الظاهرة.

عالم الفيزياء والرياضيات الإنكليزي الشهير إدوارد نيوتن الذي كان متعطشا أيضا لجمع الكتب، يعتبر أنه “حتى عندما تكون القراءة مستحيلة، فإن وجود الكتب ينتج نشوة كبيرة لدرجة أن شراء كتب أكثر مما يستطيع المرء قراءته ليس أقل من وصول الروح إلى نحو اللانهاية (…) نحن نعتز بالكتب حتى وإن لم تقرأ، فمجرد وجودها يبعث على الراحة، وسهولة الوصول إليها طمأنينة”.

وبهذا، فإن تكديس الكتب قد يكون جزء من هواية المثقفين وتحفيزهم الثقافي، حيث يشعروا بالرضا والسعادة بتوفر مكتبة شخصية غنية ومتنوعة، كما قد يكون هناك سبب آخر أشارت إليه مدونة «برين بيكينغز» ـ لكاتبة ومفكرة بلغارية-أمريكية تدعى ماريا بوبوفا ـ وهو “المكتبة المضادة”، التي اعتبرتها بمثابة توفير تذكير دائم ومزعج بكل ما لا نعرفه، إذ كتبت في مدونتها أن هذه الكتب غير المقروءة تذكرها بأنها لا تعرف سوى القليل، وأن هذه الأرفف من الأفكار غير المستكشفة تدفعنا إلى مواصلة القراءة، ومواصلة التعلم.

لوحات فنية في عيون المثقفين

كما يرى بعض المثقفين في جمع الكتب استثمارا ثقافيا، لأن الكتب قد تصبح في حد ذاتها قيمة عالية مع مرور الوقت، وقد تعتبر الكتب لوحات فنية في عيون المثقفين، ويعترف بعض المثقفين أنهم لن يستطيعوا قراءة كل الكتب التي يمتلكونها في الوقت الحالي، ولكنهم يعتقدون أنها قد تكون مفيدة في المستقبل أو للأجيال المقبلة.

ووجدت إحدى الدراسات، أن الأطفال الذين تربوا في منازل تضم ما بين 80 إلى 350 كتابا أظهروا تحسنا في مهارات القراءة والكتابة والحساب وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات عند البلوغ، واقترح الباحثون أن التعرض للكتب يعزز هذه القدرات المعرفية من خلال جعل القراءة جزءا من روتين الحياة وممارساتها.

وقد تكون هناك أسباب أخرى، مثل شراء كتب بناء على نصائح أو توصيات أصدقاء أو مراجعات، ما يجعل البعض يتورط في شراء الكثير من الكتب دفعة واحدة دون أن تكون لديهم خطة واضحة لقراءتها جميعا.

أفكار للتخلص من متلازمة «تسوندوكو»؟

يبدأ التعافي من متلازمة تسوندوكو tsundoku أو هوس الكتب ببعض الخطوات البسيطة التي يمكن لأي مهووس البدء بها، ومن ثم القضاء على عادة شراء الكتب وتكديسها:

    تحديد مبالغ محددة للشراء

الخطوة الأولى هي عدم اقتناء كتب كثيرة من البداية، بل تحديد قيمة مالية محددة لما تود شراءه، بالطبع يجب أن تتحلى تلك الميزانية بالمرونة بعض الشيء، لكن، يجب ألا تجعل الأمر يفرط دون محاسبة، وتشتري كل الكتب التي تصادفها، ذلك أن تحديد ميزانية يساعدك في وضع أولويات رغما عنك وشراء الكتب التي تود قراءتها حقا.

    المداومة على القراءة

للأسف قد يمر أسبوع أو أكثر لأي شخص دون قراءة، بحجة أنه لا وقت، في الواقع يفرض علينا نمط الحياة السريع الذي نعيشه انشغال جل أوقاتنا بسفاسف الأمور، مثل متابعة موقع فيسبوك مثلا، فإن اقتطعت بعض الوقت فقط يوميا للقراءة ستبدأ بمطالعة كل الكتب الموجودة بمكتبتك بدلا من وضعها على الأرفف.

    التبرع بالكتب

أفضل وسيلة للتحرر من عادة اقتناء الكتب هي البدء بالتخلص التدريجي من الكتب المستبعد الاطلاع عليها، كما يمكن التبرع بالكتب للجمعيات أو المكتبات العامة أو الأشخاص المقربين، أو مهاداة البعض بها.

    تحديد الكتب المهمة لك حقا

صحيح أن لكل كتاب عشاقا، لكن عليك أن تعرف اهتماماتك وتعرف ما يشغلك حقا، وبناء عليه تشتريه، لأنك هنا فقط ستجد الرغبة الحقيقية في قراءته فورا بدلا من تكديسه.