الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

تهديد عابر للحدود.. الجزائر في مواجهة شبكات المخدرات المنظمة

Author
إيمان مراح 21 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تخوض الجزائر، في السنوات الأخيرة، ما يمكن وصفه بـ”حرب صامتة” ضد آفة المخدرات بكل أنواعها، في ظل تصاعد محاولات إغراق البلاد بكميات كبيرة من الأقراص المهلوسة والمخدرات الصلبة، التي تستهدف بشكل خاص فئة الشباب، وتغذي في الوقت نفسه شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وتُعد هذه الظاهرة من أخطر التحديات التي تمس الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي في البلاد.

وتشير المعطيات الميدانية إلى حجم الضغط الذي تمارسه الشبكات الإجرامية، إذ تمكنت الأجهزة الأمنية، خلال سنة 2025، من تحقيق نتائج كبيرة في مجال مكافحة المخدرات، سواء من حيث الكميات المحجوزة أو عدد الشبكات المفككة. وقد ساهمت هذه العمليات في الحد من محاولات التهريب المكثفة التي تستهدف السوق الجزائرية عبر مسارات معقدة ومتنوعة.

وفي هذا السياق، شكّلت مكافحة ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية أحد أبرز محاور الحصيلة العملياتية، حيث تمكنت وحدات الدرك الوطني، خلال سنة 2025، من حجز 21.222 طن من “الكيف المعالج”، و147.797 كلغ من مادة “الكوكايين”، إلى جانب حجز 13 مليون و428 ألف و252 قرصا مهلوسا. كما تم تفكيك 216 شبكة إجرامية متخصصة في ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية، وتوقيف 25.278 شخصا متورطين في هذه الجرائم، مع إيداع 7293 شخصا الحبس المؤقت في قضايا مرتبطة بالمخدرات، إضافة إلى إتلاف عائدات إجرامية تجاوزت قيمتها 55 مليار سنتيم.

وتؤكد هذه الأرقام أن الجزائر تواجه شبكات تهريب منظمة وعابرة للحدود، تعتمد على أساليب متطورة وتستهدف بشكل مباشر الشباب، عبر تنويع المواد المخدرة وعلى رأسها الأقراص المهلوسة التي تعرف انتشارا مقلقا. ويعكس هذا الوضع تحول الظاهرة إلى تهديد مزدوج، يجمع بين البعد الأمني والبعد الاجتماعي.

وعلى المستوى الاجتماعي، يشكل الإدمان على المخدرات أحد أخطر العوامل التي تؤدي إلى تفشي الآفات الاجتماعية، مثل العنف، والانحراف، والتفكك الأسري، والتسرب المدرسي. كما أصبح الشباب في صلب هذا الخطر، باعتبارهم الفئة الأكثر استهدافا من قبل مروجي هذه السموم، ما يفرض تحديا كبيرا على مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

المخدرات.. حرب خفية تستهدف تماسك المجتمع

في هذا السياق، يوضح الخبير الاجتماعي، رائد ناجي، أنه “في الجغرافيا السياسية المعاصرة، لم تعد الحروب تُخاض دائما بالدبابات والطائرات، بل باتت تُدار في مستويات أكثر خفاء، حيث تُستهدف المجتمعات من الداخل عبر أدوات التفكيك البطيء”.

رائد ناجي، خبير اجتماعي
رائد ناجي، خبير اجتماعي

وأكد المتحدث ذاته، أنّ الجزائر أصبحت تخوض واحدة من أخطر معاركها، “حربا صامتة ضد المخدرات، حربا لا تُرى في نشرات الأخبار بقدر ما تُلمس في تحوّلات السلوك، وفي تآكل المعنى داخل الأجيال الصاعدة”.

ولفت ناجي إلى أنّ المسألة ليست مجرّد مواجهة أمنية مع شبكات تهريب، بل هي صراعٌ مركّب مع منظومات إجرامية عابرة للحدود، تستثمر في الهشاشة الاجتماعية، وتراهن على تفكيك البنية القيمية للمجتمع، مبرزا أنّ الأرقام وحدها تكفي لإدراك حجم التحدي.

وكشف المتحدث نفسه، أنّ ملايين الأقراص المهلوسة تُحجز سنويا، وأطنان من القنب الهندي والكوكايين تُصادر في عمليات متفرقة، ما يكشف عن تدفّق كثيف يستهدف الداخل الجزائري بشكل ممنهج.

في هذا الصدد، يقول ناجي: “السؤال الجوهري ليس: كم حجزت الجزائر؟ بل: ماذا يعني أن تُحجز هذه الكميات؟ إنّها، في جوهرها، تعبيرٌ عن وجود سوق نشط، وعن طلب يتنامى، وعن بيئة قابلة للاختراق”.

وأكد المتحدث ذاته، أنه “حين تتحول المخدرات إلى ظاهرة واسعة الانتشار، فإنها تخرج من نطاق الجريمة التقليدية لتدخل مجال الأمن القومي، وهذا ما بدأ يتكرّس في الخطاب الرسمي الجزائري، حيث تُصنّف المخدرات كتهديد مباشر للنسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة”.

وقال الخبير الاجتماعي، في هذا الإطار “إنّ الجماعات الإجرامية لم تعد تعمل بشكل عشوائي، بل وفق منطق الشبكات المعولمة، حيث تتقاطع مصالح التهريب مع اقتصاد الظل، ومع صراعات النفوذ الإقليمي، فالتقارير الدولية تشير إلى أن شبكات المخدرات باتت أكثر قدرة على التكيّف، مستفيدة من الأزمات العالمية، ومن هشاشة الحدود، ومن التطور التكنولوجي الذي يُخفي مساراتها ويُعقّد تعقّبها”.

بهذا المعنى، تصبح الجزائر في مواجهة نموذجٍ جديد من التهديد، ليس فقط تهريبا، بل محاولة لإعادة تشكيل المجتمع من الداخل، عبر نشر الإدمان، وإضعاف الإرادة الفردية، وتحويل الشباب إلى كائنات مُعطّلة عن الفعل الحضاري، حسب الخبير.

في هذا السياق، قال المتحدث نفسه: “لا يمكن إنكار أن الجزائر حققت نجاحات لافتة على المستوى الأمني، فعمليات الحجز الضخمة، وتفكيك الشبكات، وتوقيف آلاف المتورطين سنويا، تعكس حضورا قويا لمؤسسات الدولة في مواجهة هذه الظاهرة”.

كما أن الجيش والأجهزة الأمنية تمكنت من اعتراض كميات هائلة من المخدرات، بما في ذلك عشرات الملايين من الأقراص المهلوسة سنويا، وهو ما يدل على يقظة عملياتية عالية، حسب المتحدث.

ورغم ذلك، يؤكد ناجي أنّ هذه النجاحات، بالرغم من أهميتها، تبقى في إطار المعالجة “التكتيكية”، أي التعامل مع النتائج، لا مع الأسباب، فكل شحنة تُحجز، تعني بالضرورة وجود شحنات أخرى نجحت في العبور، وكل شبكة تُفكّك، قد تُستبدل بأخرى أكثر تطورا.

وهنا تتبدّى المفارقة، وفق الخبير في أنّ الدولة تربح المعارك اليومية، لكن الحرب طويلة، ومعقّدة، ومتعدّدة الأبعاد.

وشدّد المتحدث ذاته، على أنّ الخطر الأكبر لا يكمن في الكميات المصادرة، بل في التحوّل الثقافي الذي يسمح بانتشار المخدرات داخل الفئات الشابة، فالإدمان ليس مجرد سلوك فردي، بل هو انعكاس لأزمة معنى، حسبه.

وتشير الدراسات إلى أن تعاطي المخدرات في الجزائر يرتبط بجملة من العوامل وهي البطالة، الفراغ، ضعف التأطير الثقافي، وتراجع دور الأسرة والمؤسسات التربوية، وفي ظل هذا الواقع، تتحول المخدرات إلى “بديل نفسي” يمنح شعورا زائفا بالهروب أو السيطرة.

لكن الأخطر من ذلك، هو أن الإدمان يُعيد تشكيل وعي الفرد، ويقوده تدريجيا إلى الانفصال عن المجتمع، وعن القيم، وعن ذاته، وهنا، لا نتحدث عن جريمة، بل عن انهيار داخلي، وفق الخبير.

في هذا الصدد، ذكّر ناجي بأنّ الجزائر اعتمدت استراتيجية وطنية للوقاية من المخدرات (2025–2029)، تقوم على مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الوقاية، والعلاج، والردع، والتعاون الدولي، إدراكا لخطورة الظاهرة.

ووفق ما صرح به الخبير، فإنّ هذه الاستراتيجية تمثل تحولا مهما من منطق “المواجهة الأمنية فقط” إلى منطق “الإدارة الشاملة للظاهرة”، فهي تستهدف المدارس، وتُشرك المجتمع المدني، وتُركّز على التوعية، وإعادة إدماج المدمنين.

غير أن نجاح هذه المقاربة مرهون بقدرتها على اختراق العمق الاجتماعي، لا الاكتفاء بالإجراءات الشكلية، فالتوعية، إن لم تتحول إلى ثقافة، تبقى مجرد شعارات، والعلاج، إن لم يُرافق بإعادة بناء الإنسان، يبقى ناقصا، حسب ناجي.

وفي إجابته عن سؤال هل: تنجح الجزائر في القضاء على هذه الظاهرة؟ أكد الخبير أن الإجابة ليست بسيطة، ولا يمكن اختزالها في “نعم” أو “لا”، فالجزائر تمتلك عناصر القوة المتمثلة في مؤسسات أمنية فعالة، إرادة سياسية واضحة، واستراتيجية وطنية متكاملة، لكنها في المقابل تواجه تحديات معقّدة، وهي حدود واسعة، شبكات دولية متطورة، وتحولات اجتماعية عميقة.

وأبرز المتحدث ذاته، أنّ النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الشحنات المحجوزة، بل بقدرة المجتمع على مقاومة الإدمان، وبقدرة الشباب على بناء معنى لحياتهم خارج دائرة الهروب.

في هذا السياق، قال ناجي: “في النهاية، ليست المخدرات سوى عرضٍ لأزمة أعمق، إنها تعبير عن فراغ وجودي، وعن خلل في العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الفرد ومجتمعه، لذلك، فإن الحرب ضد المخدرات لا تُحسم فقط في الحدود، بل في المدارس، وفي البيوت، وفي الخطاب الثقافي، وفي نموذج الحياة الذي نقدّمه للشباب”، مشددا على أنها معركة وعي، قبل أن تكون معركة أمن، وإذا كانت الجماعات الإجرامية تراهن على تفكيك الإنسان، فإن الرد الحقيقي يكمن في إعادة بنائه، هناك، فقط، يمكن للجزائر أن تنتصر، على حد تعبيره.