الأحد، 16 أغسطس 2026 — 1 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

توازن هش وصراع مستمر.. كيف تحولت الصومال إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي؟

Author
ربيعة خطاب 20 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق تشهد فيه منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تصاعداً ملحوظاً في التوترات الجيوسياسية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تتزايد المخاوف من انعكاس هذه التحولات على استقرار الدول ووحدة أراضيها. وتُعد هذه المنطقة إحدى أهم الساحات الإستراتيجية في العالم، بالنظر لارتباطها بممرات بحرية حيوية وحساسيات أمنية متراكمة، ما جعلها محورا دائما للتجاذبات السياسية والتحالفات المتغيرة.

وفي هذا الإطار، صدر بيان مشترك عن عدة دول عربية وإسلامية، شمل كلّ من الجزائر، مصر، الصومال، السودان، ليبيا، بنغلاديش، السعودية، فلسطين، تركيا، إندونيسيا، باكستان، والكويت، باستثناء الإمارات ليعكس موقفاً موحداً رافضا للإجراءات الأحادية التي تمس سيادة الدول ووحدة أراضيها، مع التركيز على التطورات المرتبطة بالصومال وما يُعرف بـ”أرض الصومال“.

ويؤكد هذا الموقف استمرار الدعم الإقليمي والدولي لمؤسسات الدولة الصومالية الشرعية، في ظل رفض أي خطوات من شأنها تكريس واقع سياسي أو جغرافي مواز خارج إطار الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق يصرح الباحث السياسي وليد عتلم لـ”الأيام نيوز” أن الصومال تمثل “كعب أخيل” في منطقة القرن الإفريقي شديدة الحساسية من الناحية الجيوسياسية والإستراتيجية، مشيرا إلى أن خصوصية الحالة الصومالية تنبع من تناقض بنيوي واضح؛ فهي دولة ضعيفة وهشة داخليا، لكنها في الوقت ذاته ذات أهمية إستراتيجية كبرى على الصعيد الخارجي، وهو ما يجعلها مرشحة باستمرار لسيناريوهات الانزلاق نحو الفوضى أو إعادة التشكل السياسي.

وليد عتلم

ويضيف وليد عتلم، أن البنية الداخلية للدولة الصومالية لم تنجح تاريخيًا في إنتاج عقد اجتماعي جامع يتجاوز الانقسامات القبلية، الأمر الذي جعل الولاء للعشيرة يسبق الولاء للمؤسسة الوطنية، في ظل ضعف الجيش الوطني وتعدد مراكز القوة، وهو ما يرسخ عمليًا نموذج “الدولة الوطنية غير المكتملة”، مقابل وجود واقع فعلي يتمثل في كيانات شبه مستقلة مثل أرض الصومال وبونتلاند.

وفي المقابل، يشير المتحدث إلى وجود عامل كابح يحول دون التفكك الكامل للدولة، يتمثل في الرفض الإقليمي والدولي لإعادة رسم الحدود، خوفًا من تداعيات “عدوى الانفصال” في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية. ونتيجة لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا، بحسبه، ليس الانهيار الكامل ولا الاستقرار المستدام، بل استمرار نموذج الدولة الضعيفة ذات السيادة المنقوصة، مع قابلية دائمة لإعادة التشكل تبعًا لموازين القوى الداخلية والتدخلات الخارجية.

ويؤكد وليد عتلم أن العامل الحاسم في تحديد مسار الصومال لا يرتبط بالداخل فقط، بل يتجاوزه إلى البعد الخارجي، حيث تحولت البلاد إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى إقليمية ودولية تتعامل معها كمنصة جيوسياسية أكثر من كونها دولة مكتملة السيادة. ويوضح أن الدور التركي، على سبيل المثال، تجاوز الدعم العسكري والتدريب ليشمل بناء نفوذ مؤسسي طويل الأمد عبر مشاريع البنية التحتية والموانئ والمطارات، بما يمنح أنقرة قدرة تأثير تتجاوز البعد الأمني إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة نفسها.

في المقابل، يشير وليد عتلم إلى حضور إماراتي مسيطر ومستغل يركز بالأساس على تأمين الموانئ وخطوط الملاحة البحرية، بينما تتعامل إثيوبيا مع الصومال من منظور أمني مباشر يرتبط بحماية أمنها القومي ومنع تحول الأراضي الصومالية إلى تهديد محتمل أو عائق أمام تطلعاتها للوصول إلى منفذ بحري.

ويرى وليد عتلم أن هذا التعدد في الأجندات الخارجية لا ينتج توازنًا مستقرًا، بل يخلق حالة “توازن هش” يقوم على تقاطع المصالح لا على توافقها، حيث تدعم كل قوة استقرارًا جزئيًا يخدم أهدافها الخاصة، دون السعي إلى استقرار شامل للدولة الصومالية. وبالتالي، فإن أي تغير في هذه التوازنات، سواء بانسحاب طرف أو تصاعد دور آخر أو إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، قد يعيد بسرعة إنتاج مسارات الفوضى.

ويؤكد أن هذا النمط من التحالفات والتدخلات يساهم في منع الانهيار الكامل، لكنه لا ينجح في بناء استقرار مستدام، لأنه يركز على إدارة الأزمة بدل معالجتها جذريًا، ما يبقي الدولة في حالة تعليق سياسي وأمني دائم.

وعلى صعيد أمن البحر الأحمر، يوضح وليد عتلم أن انعكاسات الوضع في القرن الأفريقي مباشرة وحاسمة، إذ لم يعد الأمن البحري منفصلًا عن البيئة السياسية للدول المطلة عليه. فباب المندب وخليج عدن يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الداخلي في الصومال، وأي اضطراب هناك ينعكس سريعًا على حركة الملاحة الدولية.

ويشير وليد عتلم إلى أن طبيعة التهديدات في المنطقة لم تعد تقليدية قائمة على الصراع بين الدول، بل أصبحت هجينًا تشارك فيه فواعل غير دولاتية تلعب دورًا محوريًا في تعطيل الملاحة ورفع تكلفتها، دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على الممرات البحرية، وهو ما يجعل احتواءها عبر الأدوات العسكرية التقليدية أكثر صعوبة.

ويضيف وليد عتلم أن أمن الممرات البحرية لم يعد مرتبطًا فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل أصبح مرهونًا باستقرار الدول المطلة عليها، ما يجعل من الصومال عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن البحري. كما أن تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة أو استخدام بعض الفاعلين الإقليميين لهذه الجماعات كأدوات ضغط قد يضاعف من مستوى التهديد غير المباشر للملاحة الدولية.

ويشير وليد عتلم إلى أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة تتجه نحو نمط “التنافس منخفض الحدة مرتفع الاستمرارية”، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة بسبب كلفتها الاقتصادية العالية، خاصة في ظل التوترات الدولية المتصاعدة، بما في ذلك الحرب الإيرانية الأمريكية، لكنها في المقابل لا تتخلى عن محاولة السيطرة على الممرات الاستراتيجية.

وحسب وليد عتلم فإن هذا الوضع يؤدي إلى تكريس صراعات غير مباشرة عبر القواعد العسكرية، والتحالفات البحرية، واستخدام الوكلاء، وتكثيف الحضور الاستخباراتي، بما يحافظ على حد أدنى من الاستقرار يسمح باستمرار التجارة الدولية، لكنه يبقي المنطقة في حالة توتر مزمن.

ويؤكد وليد عتلم أن الصومال تمثل عقدة ارتكاز في معادلة جيوسياسية أوسع من حدودها، وأن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها على بناء دولة مستقرة، بل بمدى توافق أو تصادم مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة عليها.

كما أن استقرار القرن الإفريقي يرتبط بإعادة ضبط شاملة لمعادلات النفوذ، فيما سيظل البحر الأحمر وخليج عدن ساحة اختبار دائمة لهذه التوازنات، حيث تتحول هشاشة الداخل الإقليمي إلى عامل مباشر في إعادة تشكيل أمن الممرات البحرية العالمية، مع خطر متزايد يتمثل في تراكم أزمات متفرقة ترفع تدريجيا تكلفة الأمن البحري دون الوصول إلى مواجهة كبرى شاملة.