الخميس : 06-10-2022

تونس.. “الاستبداد المستنير” وفوضى الديموقراطية

تعيد الأحداث التي تعيشها تونس منذ 2011 وما تلاها من تغييرات في المشهد العام السياسي والاجتماعي إلى الأذهان مسار تجربة الحكم في هذا البلد منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، بل وتفرض نوعا من الاستحضار الإجباري لطروحات الرئيس الحبيب بورقيبة حول “ديموقراطية المستبد المستنير.

منذ توليه الحكم وخصوصا بعد 25 يوليو/جويلية 1957 تاريخ إعلان الجمهورية على أنقاض الملكية، ورغم أنه درس في فرنسا وتخرج في جامعاتها وأعجب بنمط الحياة العصري والحداثي فيها، رافع الرئيس بورقيبة من أجل ديموقراطية تختلف عن تلك المعتمدة في الغرب.

يدافع بورقيبة عن مفهوم الديموقراطية المتجانسة مع طبيعة المجتمع وليس المفروضة من فوق عبر عملية توليد قسري، بالقول في أحد خطبه “لا أعتقد أن الوقت ملائم للحديث عن الديموقراطية في مفهومها المطلق، فالمجتمعات العربية همَّشت مُفكِّريها وعلماءها الحداثيين لحساب شيوخ توقف بهم الزمن قبل أربعة عشر قرنًا، وهو الفارق بيننا وبينهم… لذا وجب العمل على نشر ثقافة أكثر واقعية، يكون فيها للعلوم الحديثة مكان أوفر، فلو طلبنا من الشعب التونسي إجراء استفتاء عن موقفه من تعليم المرأة، فسأجزم أن 99.99 % سيرفضون تعليمها”.

ما تميّز به الشعب التونسي من رُقي وسلمية في نضاله السياسي والاجتماعي منذ 2011، إنما كان نتاج المشروع النهضوي البورقيبي الذي بنى مجتمعا متعلّما تعليما جيدا ويقدّس العمل بطريقة لا تشبه أي بلد عربي آخر.

قد يوصف هذا الطرح بالدوغمائية وحتى الشوفينية المبتذلة وربما المساس بقداسة الدين، ولكنَّ قراءةً متأنية لأفكار بورقيبة، بأثر رجعي، بعد مرور أكثر من ستين عاما عن تلك الطروحات، قد تتيح نوعا من الرحابة في مساحة النقاش بعيدا عن التعصب السياسي أو الفكري المحكوم بالإملاءات النظرية الصّرفة.

فالديموقراطية وفق النمط الغربي بالنسبة لبورقيبة هي سلاح ذو حدين قد يرتد على صاحبه فيقتله إن أساء استخدامه، لذلك لم يتردد عبر مكاشفة صريحة وجريئة لشعبه، في الاعتراف بأنه لا معنى لتبنِّي التجربة الديموقراطية الغربية في مجتمع لا يؤمن أساسا بالقيم الغربية التي بنيت عليها دعائم مبادئ تلك الديموقراطية نفسها، وهو طرح بقدر ما قد يُفهم على أنه يُسرف في إظهار الشعب التونسي بموضع العاجز عن إدراك الحقائق من حوله، فإنه في المقابل ينبّه إلى أن الديموقراطية الغربية ليست بالضرورة الوصفة السحرية المناسبة في باقي البلدان من غير الغرب صاحب الفكرة. 

وهو بذلك يؤكد أيضا أن الديموقراطية ليست هدفا بحد ذاته، بقدر ماهي وسيلة لتنظيم الحكم بما يضمن اختيار الشعب لممثليه الذين يحكموه وبما يحقق حياة كريمة للمواطن والأهم بقاء الوطن قائما.

ينطلق تفكير بورقيبة من فهم سياسي اجتماعي عميق لواقع الشعب التونسي، لذلك ركّز على أهمية تحقيق تماسكٍ مجتمعيٍ صلب، بعيدا عن القبلية المتخلفة والجهوية المقيتة وسعى من أجل تحقيق ذلك إلى بناء مشاريع التنمية وتحقيق قيم العدالة الاجتماعية، وفي المقابل حارب كل أنواع الجهل والخرافة وتصدى لتيارات الإسلام السياسي التي رأى أنها تنهل من قاموس قديم متخلف غير متجدد.

لن تجدي محاولات مسك العصا من الوسط ولا تبريرات الحياد السلبي الذي تفرضه سياسات الاصطفاف والتموقع الظرفي، في تجاهل دور حركة النهضة التونسية في حالة الانسداد الذي وصلت إليه البلاد.

وبعيدا عن الحكم على هذه الطروحات، فإن الواقع التونسي الحالي يعيد أفكار بورقيبة إلى الواجهة قسرا، إذ أن وصف مخاض التغيير في تونس بأنه الأنجح والأثبت ضمن سلسلة تجارب ما يسمى بالربيع العربي، إنما جاء برصيد بورقيبة الذي كرّسه خلال سنوات حكمه، عبر الاهتمام بالتعليم وربط العمل بقيمة الإنتاج والمردودية وما يترتب عنها من تنافس ورغبة في إثبات الذات عبر الجهد وتطوير المهارات الفردية وبلغت تونس في هذا الشأن مراتب مهمة يعترف بها العدو قبل الصديق.

إذا ما تميّز به الشعب التونسي من رُقي وسلمية في نضاله السياسي والاجتماعي منذ 2011، إنما كان نتاج المشروع النهضوي البورقيبي الذي بنى مجتمعا متعلّما تعليما جيدا ويقدّس العمل بطريقة لا تشبه أي بلد عربي آخر، وهو المناخ الذي ساهم أيضا في تكريس اتحاد للشغل فاعل على الساحة التونسية، تحوّل مع الوقت إلى قوة ضاربة بإمكانها تغيير واقع المشهد السياسي والاجتماعي التونسي من خلال موقف مؤيد أو معارض وهو ما حدث مع قرارات الرئيس الحالي قيس سعيّد عندما جمّد عمل البرلمان وأمسك السلطة التنفيذية بين يديه، إذ كان الرهان حينها على موقف اتحاد الشغل في ترجيح الكفة لصالح الرئيس أو لصالح خصومه.

لم تعد التعريفات الأكاديمية الحديثة لمفهوم الديموقراطية وحدها التي تستند إلى معايير جودة الحياة وحجم السعادة لتقييم سياسات الحكم في بلد ما، بل أن الأجيال الجديدة في حد ذاتها لم تعد تهتم بمن يحكمها بقدر من يوفر لها حياة أفضل.

ومن جهة أخرى فإن تشخيص بورقيبة لظاهرة تيارات الإسلام السياسي لم يكن –بأثر رجعي- ترفا سياسيا أو إيديولوجيا وإنما كان تخوفا مشروعا من ضياع مفهوم الدولة الوطنية لصالح تنظيمات وجماعات عابرة للحدود، وبعد أكثر من ستة عقود ها هي الساحة السياسية التونسية تفرز سلطة حكم إسلاموية قد لا تبدو بنفس حدّة الأوصاف التي سمّاها بورقيبة وإن كانت في الحقيقة لا تختلف سوى في شكل البذلات الأنيقة ولون ربطات العنق المختارة بعناية.

لن تجدي محاولات مسك العصا من الوسط ولا تبريرات الحياد السلبي الذي تفرضه سياسات الاصطفاف والتموقع الظرفي، في تجاهل دور حركة النهضة التونسية في حالة الانسداد الذي وصلت إليه البلاد، تماما مثلما يصعب إخفاء تحالفات الحركة التنظيمية والأيديولوجية خارج دائرة المصالح الوطنية والتحالف مع المال الفاسد وانتهاك مبادئ الثورة التي ركبت الحركة سروجها في الوقت بدل الضائع لجني الأرباح من خلال تجريدها(الثورة) من مبدأ المدنية باسم الديموقراطية والمدنية.

أليس هذا هو خطر التفعيل الشامل لأدوات الديموقراطية بمفهومها الغربي الذي حذّر من تداعياته بورقيبة، ألم تتحوّل الديموقراطية إلى مجرد أداة جميلة لممارسة الاستبداد في طبعته المحدّثة، عبر إدماج الآلاف من أتباع الحركة في مؤسسات الدولة والمرافق العمومية الحيوية وفق مبدأ الولاء لا الكفاءة وما يترتب عن ذلك من عمليات إقصاء ممنهج وعمل خارج القانون أحيانا كثيرة، في شكل لا يختلف إن لم يكن أسوأ من المراحل التي كانت توصف أنها بوليسية قمعية.

ليست مُقنِعة أية محاولة للتشبث بمفهوم الديموقراطية الغربية لمجرد السعي نحو تحقيق اكتفاء ذاتي من الترف والبراستيج الثقافي أو بسبب مناكفة سياسية تحوّلت إلى خصومة تحلب من رصيد فكري أو ثقافي أو اجتماعي توقّفت ساعة حركته وحيويته عند الأنا المتضخمة، لتبرير أن الديموقراطية بشكلها الغربي هي الحل الوحيد حتى وإن جرّدت الشعب التونسي من إنجازاته التي تم تحقيقها خلال ستين عاما، مقابل تقارير حقوقية غربية تمتدح هذه التجربة “النورانية” أو حرية شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع. 

لم تعد التعريفات الأكاديمية الحديثة لمفهوم الديموقراطية وحدها التي تستند إلى معايير جودة الحياة وحجم السعادة لتقييم سياسات الحكم في بلد ما، بل أن الأجيال الجديدة في حد ذاتها لم تعد تهتم بمن يحكمها بقدر من يوفر لها حياة أفضل، على نسبيتها بين دولة وأخرى، فلم يمنع مثلا تصنيف الإمارات المتحدة في ذيل قائمة الدول الديموقراطية من كونها الوجهة الحلم للعديد من شباب العالم الغربي وليس العربي فقط.