الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

تيمڤاد.. من “الذاكرة الحجرية” إلى صناعة الوجهة العالمية

Author
هارون عمري 07 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تمثل مدينة تيمڤاد الأثرية بولاية باتنة حجر الزاوية في الرؤية الجزائرية الجديدة لعام 2026، الرامية إلى تثمين الموروث المادي وتحويله من مجرد شواهد تاريخية صامتة إلى محركات حيوية للتنمية المستدامة.

شهدت تيمڤاد، مؤخرا، حركية دبلوماسية رفيعة المستوى باستقبال سفير دولة إيطاليا ووفود رسمية من إسبانيا وفرنسا، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي المتزايد بالكنوز الأثرية الجزائرية.

وتطرح هذه الزيارات قضية جوهرية تتعلق بكيفية استثمار “دبلوماسية المواقع” لتأسيس شراكات تقنية واقتصادية متينة، تضمن حماية الأصالة التاريخية وتفتح في الوقت ذاته آفاقا واسعة للاستثمار السياحي القائم على المعايير العالمية المعاصرة.

دبلوماسية المواقع الأثرية: هندسة الصورة الذهنية وترميم الثقة الدولية

​تعكس الحركية الدبلوماسية المتزايدة نحو المواقع الأثرية في الجزائر، وعلى رأسها تيمڤاد، توجّها استراتيجيا لتحويل التراث إلى رافعة سياحية واستثمارية، في سياق يربط بين حماية الذاكرة التاريخية وبناء اقتصاد ثقافي مستدام قائم على الشراكات الدولية.

أ.صدام حسين سرايش

وفي هذا الإطار، يؤكد المختص في الشأن السياحي وحفظ الآثار، د. صدام حسين سرايش، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن زيارات الوفود الأوروبية رفيعة المستوى إلى تيمڤاد تندرج ضمن ما يُعرف بـ”دبلوماسية المواقع الأثرية”، حيث تساهم هذه الزيارات في نقل انطباعات إيجابية حول استقرار المنطقة، ما يعزز تصنيفها السياحي والثقافي، ويفتح المجال أمام استقطاب الاستثمارات في مجالات حماية وتأهيل الموقع، خاصة عبر مشاريع الرقمنة وإدارة التراث.

​ويُحلل هذا التوجه الدبلوماسي بوصفه أداة فعالة لإعادة صياغة الصورة الذهنية للجزائر كمقصد سياحي آمن ومجهز لاستقبال النخب والبعثات الدولية. وتؤدي الشهادات الميدانية التي يدلي بها الدبلوماسيون دورا محوريا في التأثير على تقارير الهيئات الدولية المعنية بتصنيف الوجهات السياحية، ما ينعكس إيجابا على تدفق السياح الأجانب.

وأوضح الدكتور سرايش أن هذه الشهادات الميدانية المباشرة تساهم في كسر الصور النمطية، وتشجع السياحة الأجنبية نحو المواقع الأثرية الجزائرية، إلى جانب فتح آفاق لشراكات دولية في الترميم العلمي، وتأهيل المحيط الأثري، ورقمنة المواقع، بما يجعل تيمڤاد وجهة تستجيب للمعايير العالمية.

ويُسهم هذا التواجد الرسمي في تحويل تيمڤاد من معلم محلي إلى منصة للتواصل الحضاري والتعاون التقني الذي يتجاوز الحدود الجغرافية.

​آفاق التعاون الأورومتوسطي: التقنيات الحديثة في خدمة البحث الأثري

​تُعد الضفة الشمالية للمتوسط، وبخاصة دول مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، شريكا تقنيا وتاريخيا مهما للجزائر، في مجال إدارة التراث الأثري الروماني، نظرا للاشتراك في الخصائص المعمارية والحقب الزمنية.

وفي سياق متصل، أشار سرايش إلى أن فرص التعاون العلمي والتقني مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا متعددة، وتشمل إطلاق مشاريع مشتركة للتنقيب الأثري باستخدام تقنيات حديثة، وتبادل الباحثين، وتشكيل فرق بحثية مشتركة، إلى جانب إعادة تأهيل التراث الثقافي والاستفادة من برامج الشراكة الأورومتوسطية في تمويل الأبحاث.

وتسمح هذه الشراكات بفتح آفاق جديدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والمسح الطبوغرافي المتقدم في استكشاف ما لم يتم الكشف عنه من أسرار مدينة “تيمقاد” القديمة.

​ويبرز الجانب التقني كأولوية في حماية المواقع من عوامل التعرية والتقادم، وتبرز هنا الحاجة لتوطين الخبرات العالمية في الميدان الوطني.

وأضاف سرايش أن قنوات البحث العلمي الأثري في الجزائر لها دور محوري في الكشف عن التراث الوطني، وأن الاستفادة من التجارب الأجنبية في حماية التراث تمثل ضرورة، خاصة من خلال توظيف تقنيات التصوير الجيوفيزيائي، والمسح الأثري، والتنقيب العلمي، في إطار حماية وتوثيق البقايا الأثرية المطمورة.

كما شدد على أهمية التعاون في ترميم المواقع والمتاحف، خصوصا مع دول تمتلك خبرة رائدة في إدارة المواقع الأثرية المتوسطية. وتؤدي هذه العمليات العلمية الدقيقة إلى رفع القيمة السياحية للموقع، حيث يتحول البحث الأثري نفسه إلى مادة جاذبة للسياح المهتمين بالمعرفة والاكتشاف، ما يعزز من جودة المحتوى الثقافي المقدم للزوار.

​تأهيل المحيط الحيوي للأوراس: استثمار الزخم في بناء أقطاب سياحية

​تمتلك منطقة الأوراس بصفة عامة، وولاية باتنة بصفة خاصة، مقومات طبيعية وبشرية تؤهلها لتكون قطبا سياحيا متكاملا، وتعتبر تيمڤاد النواة المركزية لهذا المشروع الطموح.

أما بخصوص استثمار هذا الزخم الدبلوماسي، فأوضح الدكتور سرايش أن منطقة الأوراس تمتلك مقومات تؤهلها لتطوير سياحة النخب والسياحة الثقافية، من خلال تحويل موقع تيمڤاد إلى قطب جذب عالمي مستدام، عبر تأهيل المناطق الأثرية المحيطة، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وربط التراث بالصناعات التقليدية.

ويستوجب هذا التوجه خلق تناغم بين المعلم الأثري والمحيط الاجتماعي والاقتصادي، لضمان استفادة المجتمع المحلي من الحركية السياحية، ويستدعي هذا التحول الاستراتيجي مراجعة شاملة لآليات الترويج والاستثمار الميداني لضمان استدامة النتائج المحققة.

وأشار سرايش إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجية استثمار هذا الزخم، عبر تطوير السياحة الثقافية والتاريخية، وتنظيم فعاليات دولية بأساليب مبتكرة، وتكثيف الخرجات الميدانية للتعريف بالمواقع الأثرية، إلى جانب تعزيز دور وسائل الإعلام الوطنية والدولية في الترويج لها.

كما دعا إلى تسريع وتيرة تصنيف المواقع وتأهيلها وفق متطلبات العصر، ودعم الاستثمار في البنية التحتية الفندقية، خاصة في ولاية باتنة ومحيطها، بما يجعل من تيمڤاد رافدا اقتصاديا حقيقيا.

وتساهم جودة المرافق الخدماتية المحيطة في إطالة مدة إقامة السائح، ما ينعكس بشكل مباشر على زيادة العائدات المالية وتوفير بيئة خصبة للمقاولاتية الشبابية في مجالات الخدمات السياحية والحرف التقليدية المرتبطة بالهوية الأوراسية.

​سيكولوجية السائح المعاصر: البحث عن الأصالة وتثمين التجارب المحلية التفاعلية

​يتطلب النجاح في جذب السائح الأجنبي، وخاصة الأوروبي، فهما عميقا لتحولاته السلوكية وتوقعاته من الرحلة السياحية، حيث تشهد التوجهات العالمية ميلا نحو السياحة المسؤولة والأصيلة.

وفيما يتعلق بسلوك السائح الأوروبي، أوضح سرايش أنه يركز على الأصالة الثقافية، والاستدامة البيئية، والتجارب المحلية التفاعلية، بعيدا عن الأنماط السياحية التقليدية.

ويقود هذا التوجه إلى ضرورة تكييف العرض السياحي في تيمڤاد ليكون أكثر إنسانية وتفاعلية، بحيث يجد الزائر نفسه جزءاً من حكاية المكان وليس مجرد مشاهد خارجي للأطلال الحجرية.

​وتؤدي جودة الإرشاد والمرافقة دورا حاسما في صياغة انطباع الزائر ودفع عملية الترويج الشفهي والإلكتروني للموقع. وأشار سرايش إلى أن هذا النوع من السياح يفضل التعامل مع مرشدين محليين يقدمون سردا تاريخيا عميقا، مع احترام الخصوصية والبيئة، مؤكدا أن الإرشاد الثقافي والتاريخي يعزز بشكل كبير من جودة تجربة الزائر.

كما يفضل الإقامة في بيوت ضيافة تقليدية، وتناول الطعام في مطاعم شعبية نظيفة، والاحتكاك المباشر بالسكان المحليين لفهم نمط حياتهم، بحثا عن تجربة سياحية أصيلة وغير مصطنعة.

ويفرض هذا السلوك على المخططين السياحيين ضرورة دعم الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة التي تقدم خدمات ذات طابع محلي أصيل، وتثمين المنتجات الغذائية والصناعية التي تميز منطقة الأوراس، لخلق تجربة فريدة لا يمكن للسائح أن يجدها في وجهات أخرى منافسة.

​نحو منظومة مقاولاتية ثقافية مولدة للثروة

​يُعد التأهيل المستدام للمواقع الأثرية عملية مستمرة تتطلب توازنا دقيقا بين حماية المادة الأثرية وبين الاستغلال السياحي الكثيف، وتعتبر المخططات العلمية للتهيئة هي الضامن الوحيد لهذا التوازن.

وأكد المختص د. صدام حسين سرايش أن تحقيق هذا الهدف يمر عبر التأهيل المستدام للموقع، من خلال مخططات تهيئة تضمن استدامته، وتحويله إلى مصدر للثروة والتنمية، مع فتح المجال أمام الاستثمار المقاولاتي في ظل التنوع السياحي الأثري الذي تزخر به المنطقة.

ويُسهم هذا التوجه في بناء اقتصاد ثقافي صلب يعتمد على تنوع المداخيل، ويقلل من التبعية للقطاعات التقليدية، عبر دمج التراث في صلب السياسات التنموية الوطنية.

​إن الانتقال بمدينة تيمڤاد من فضاء للذاكرة الحجرية إلى قاطرة للتنمية السياحية العالمية، يتطلب تضافر جهود كافة المتدخلين من قطاعات الثقافة، السياحة، والجماعات المحلية والبحث العلمي.

وتُشكل الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى، والوفود الأوروبية التي تشهدها تيمڤاد باستمرار، حافزا قويا لتسريع وتيرة المشاريع الاستثمارية والتقنية. وتظل القدرة على ابتكار نماذج تسيير حديثة، تعتمد على الرقمنة والاحترافية في التعامل مع السائح، هي المفتاح الحقيقي لاستعادة الجزائر مكانتها الطبيعية كوجهة سياحية رائدة في حوض المتوسط.

ويضمن هذا المسار الطموح حماية الأمانة التاريخية للأجيال القادمة، مع تقديمها للعالم في حلة عصرية تبرز العمق الحضاري للجزائر، وتؤكد قدرتها على تطويع التاريخ لصناعة المستقبل الاقتصادي المرجو.

 

رابط دائم
https://elayem.news/73mqm
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"