ثقافة إنسانية.. أيُّ واقع للتبرع بالأعضاء في الجزائر؟

فاقمت محدودية ثقافة التبرّع بالأعضاء لدى الجزائريين من معاناة وآلام المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات زرع غالبًا ما تكون عاجلة، خاصةً في ظل التكاليف الباهظة لهذا النوع من العمليات في الخارج، ما توجّب إطلاق برنامج للتوعية بأهمية التبرع بالأعضاء.

أعلنت وزارة الصحة الجزائرية أن عمليات زرع الأعضاء ـ لا سيما الكلى ـ ما زالت قليلة جداً بالمقارنة مع عدد المصابين بالفشل الكلوي، إذ يتم تسجيل نحو 3 آلاف إصابة بالفشل الكلوي سنوياً، في مقابل 10 آلاف مريض ينتظرون دورهم لإجراء عمليات زرع الكلى، وأكثر من 23 ألفاً من المرضى يخضعون لغسل الكلى.

وتسجل الهيئة الجزائرية للكلى، وفاة 1500 مريض سنوياً في عيادات العلاج، بينما تقدر اتحادية القصور الكلوي عدد عمليات زراعة الكلى في البلاد، بنحو 500 عملية.

هذه أبرز المعيقات..

قال الطبيب المختص في الصحة العمومية، «أمحمد كواش»: إن “واقع التبرع بالأعضاء في الجزائر معقّد نوعًا ما، بالنظر إلى عدة اعتبارات وعوامل اجتماعية، علمية، وأخرى ترتبط بثقافة الأفراد، إذْ تكاد تنحصر العملية بين أفراد الأسرة الواحدة فقط”.

وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور «كواش» في تصريح لـ«الأيام نيوز»: أن “التبرع بالأعضاء في الجزائر يكاد يقتصر على عمليات زرع الكلى، أمّا التبرع بالأعضاء بصفة عامة أو بالنسبة للأشخاص المتبرعين لما بعد الوفاة، فالأمر تقريبا يكاد ينعدم، لأن التخوّف هو سيد الموقف، سواء من الناحية الصحية خلال حياته، أو الدينية عند وفاته”.

وتابع: “إن الإقبال على التبرع بالأعضاء في الجزائر، يعرف تراجعًا ملحوظًا مقارنة ببلدان أخرى، وصلت إلى مراحل متقدّمة في هذا المجال، من خلال إنشاء بنوك خاصة بالتبرع بالأعضاء، يقصدها كبار السن وأولئك الذين وصلوا إلى مراحل متقدمة من المرض، حيث يقومون بالتوقيع على وثائق تأمين تسمح بالتبرع بأعضائهم بعد وفاتهم لإنقاذ حياة أشخاص آخرين أنهكهم المرض”.

وأضاف: “في عدد من الدول المتقدمة وصل مستوى الوعي والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، إلى درجة يضع فيها المتبرع جسده بعد وفاته تحت تصرف وخدمة المختصين لتطوير البحوث الطبية وحتى يستفيد منها المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات زرع، وهذا أسلوب اجتماعي راق جدا، يعكس مدى وعي وتلاحم هذه المجتمعات”.

في سياق متصل، أشار المختص في الصحة العمومية: إلى “أن المجلس العلمي الخاص بوزارة الشؤون الدينية في الجزائر قام بتنظيم أيام دراسية وأيام توعوية بالتنسيق مع وزارة الصحة، للتحسيس بمشروعية التبرع بالأعضاء وأنها تُعتبر عملاً عظيماً وإنسانياً قد يساهم في إنقاذ حياة الملايين ممن يعانون أمراضاً مستعصية لا حل لها غير عمليات الزرع”.

هذا، وأكدّ الدكتور كواش: “أن عمليات التبرع بالأعضاء لابدّ أن تحظى باهتمام أكبر، ومن الضروري أن تخضع لمجموعة من المقاييس العلمية والطبية المرتبطة أساسًا بالقدرة النفسية والجسدية للشخص المتبرع، كما يجب أن يكون هناك تحضير نفسي وطبي للمتبرع من خلال إجراء مجموعة من التحاليل والفحوصات الطبية التي تُمَّكن من التأكد من سلامته من أي مرض خطير أو معدٍ، بعدها تأتي مرحلة التأكد من مدى التطابق الوراثي بين الشخص المتبرع والشخص المتبرع له، حتى لا يرفض العضو الذي تم زرعه بعد إجراء عملية الزرع”.

وتابع: إن “كل هذه التفاصيل تتم على مستوى مستشفيات مؤهلة ومتخصصة وفق معايير ومقاييس علمية، وتحت رعاية طبية قبل أثناء وبعد الزرع بحيث يبقى هناك متابعات طبية وتوصيات طبية تحمي المريض المتلقي والشخص المتبرع”.

الشرع يبيح ويجيز..

وبخصوص الجانب الشرعي والديني للتبرع بالأعضاء، قال رئيس نقابة الأئمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، جلول حجيمي: إن “التبرع بالأعضاء هو عمل إنساني عظيم يُؤجر عليه المرء، ويفك عن أخيه المريض كربة وضائقة، ويُزيل عنه مرضاً قد يودي به إلى الموت وبأساً ملازماً له”.

وتابع حجيمي في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “عمليات التبرع بالكلى وغيرها أصبح أمرَا طبيعيا جدّا، فقط يحتاج إلى مهارات وأناس أكفاء حفاظًا على سلامة النفس البشرية، لكن هناك مسائل أخرى متفق على تحريمها في هذا الإطار على غرار زرع ونقل الأعضاء التناسلية، فحتى طبيًّا وميدانيًا ثبت فشل هذا النوع من العمليات أين حدثت نتائج عكسية”.

وأضاف: “إن غرس ثقافة التبرع بالأعضاء لدى الجزائريين، لا تزال بحاجة إلى جهود توعية أكبر من قبل السلطات ووسائل الإعلام ورجال الدين وغيرهم، ونحن قلنا منذ فترة وفي ملتقيات سابقة بأنه لابد من تحسيس الرأي العام بأن من يقوم بهذا النوع من العمليات يؤجر خاصة في حالات التبرع بعد الوفاة، فالإنسان الذي انتقل إلى رحمة الله عزّ وجل هو في رعاية المولى عز وجل، ومن المستحب أن يكون سببًا بعد وفاته في حياة غيره”.

وفي هذا الشأن، دعا حجيمي: لـ”ترك وصية للتبرع بأعضائه بعد وفاته، وهذا فيه نوع من التيسير على الآخرين”، مبرزا أن المجتمع الجزائري صار يبادر خاصة فيما يتعلق بزرع الكلى التي أخذت تنتشر في كامل الجزائر.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، أدرج عملية التبرع بالأعضاء ضمن “مرتبة التعاون والإيثار وبذل الجهد لإنقاذ الأنفس وإحيائها”.

ودعا المجلس الإسلامي الأعلى في أكثر من مناسبة، إلى تجاوز الذهنيات والثقافة البدائية التي تعتبر العملية تعدياً غير مقبول على الجسد الإنساني، والإقبال على التبرع بأعضائهم بعد وفاتهم، بالتوقيع على سجل وطني يعطي الحق للجهات المختصة في التصرف فيها عند الحاجة، وفي حال موافقة أهلهم وأقاربهم يصبح من الجائز نقل الأعضاء من جسم الميت لإنقاذ حياة أناس آخرين.

يُذكر، أنه تم إعداد وإطلاق سجل التبرع بالأعضاء طبقاً لأحكام قانون الصحة الجزائري، حتى يتسنى للمهنيين عملية تحديد المتبرعين الميتين سريرياً.

وتنص المادة 362 من قانون الصحة على أن “نزع الأعضاء أو الخلايا البشرية من أشخاص متوفين بهدف الزرع، لا يمكن أن يتم إلا بعد المعاينة الطبية والشرعية للوفاة، حسب المعايير العلمية المحددة من قبل الوزير المكلف بالصحة”.

كما تشدد المادة على أن “النزع في هذه الحالة يمكن أن يتم إذا لم يعرب المعني عن امتناعه خلال حياته، ويمكن التعبير عن هذا الامتناع بكل الوسائل، سيما من خلال التسجيل في سجل الامتناع على مستوى الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء”.

ويشير القانون إلى أنه “في حال عدم التسجيل في هذا السجل، فإنه يتم استشارة الأفراد البالغين من عائلة الراحل، حسب ترتيب الأولية التالي: الأب والأم والزوج والأولاد والإخوة والأخوات أو الممثل الشرعي إذا كان الراحل دون عائلة، من أجل معرفة موقفه فيما يخص التبرع بالأعضاء، كما يتم إعلام الأفراد البالغين من عائلة المتبرع المتوفى بخصوص عمليات النزع التي أجريت”.