الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

ثقة المستهلك الأمريكي عند أدنى مستوى منذ 2014.. هل تنتقل الضغوط من الأسعار إلى الإنفاق؟

Author
سارة حمدون 02 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

بينما تواصل الأسر الأمريكية الإنفاق، بدأت ثقتها في الاقتصاد تتراجع بوتيرة حادة، في مفارقة تفتح نقاشا أوسع حول قدرة الاستهلاك على الحفاظ على زخمه وسط ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والائتمان، فقد هبط مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي إلى 81.9 نقطة خلال سبتمبر، متراجعا 6.7 نقاط عن أغسطس، ومسجلا أدنى مستوى له منذ أبريل 2014، بالتزامن مع تدهور تقييم الأسر لأوضاع الأعمال وسوق العمل وتزايد مخاوفها بشأن الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

وتطرح هذه المعطيات إشكالية تتجاوز رقم المؤشر نفسه: هل يعكس تراجع الثقة بداية تحول في سلوك المستهلك الأمريكي، أم أن الإنفاق الفعلي لا يزال قادرا على امتصاص الصدمات وتأجيل انعكاس التشاؤم على الاقتصاد؟

وفي قراءة تحليلية قدمها الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، الدكتور عبد الرحمان هادف، لـ”الأيام نيوز“، تبرز أهمية التمييز بين مزاج المستهلك وسلوكه الفعلي، باعتبار أن الاقتصاد الأمريكي يقف حاليا أمام مرحلة اختبار تحددها قدرة الأسر على مواصلة الإنفاق في ظل تراكم الضغوط.

ثقة تتراجع.. وإنفاق يواصل الصعود

أظهر مسح مؤسسة “كونفرنس بورد” تراجع مؤشر الثقة من 88.6 نقطة في أغسطس إلى 81.9 نقطة في سبتمبر، فيما انخفض مؤشر تقييم الأوضاع الحالية 7.9 نقاط إلى 109.3 نقطة، وتراجع مؤشر التوقعات المستقبلية 5.9 نقاط إلى 63.6 نقطة، مسجلا ثالث انخفاض شهري متتال، كما تحولت نظرة المستهلكين إلى أوضاع الأعمال الحالية إلى المنطقة السلبية للمرة الأولى منذ سبتمبر 2024 في وقت تراجعت فيه نظرتهم إلى سوق العمل أيضا، وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كون المؤشر يقيس مواقف الأسر تجاه الظروف الاقتصادية الراهنة وتوقعاتها للدخل وسوق العمل والأسعار وخطط الشراء، ما يجعله مؤشرا مبكرا على اتجاهات السلوك الاستهلاكي.

مع ذلك، ترسم بيانات الإنفاق صورة أكثر تماسكا، فقد ارتفعت نفقات الاستهلاك الشخصي في أغسطس بنسبة 0.9%، وفقا لمكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، بالتزامن مع ارتفاع الدخل الشخصي بنسبة 0.2% والدخل الشخصي المتاح بنسبة 0.3%، وبلغ معدل الادخار الشخصي 4.1% من الدخل الشخصي المتاح، كما ارتفعت مبيعات التجزئة وخدمات الأغذية بنسبة 1.2% في أغسطس مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى 773.9 مليار دولار، وفقا لمكتب الإحصاء الأمريكي.

ويفسر الدكتور عبد الرحمان هادف هذه المفارقة بوصفها فجوة قائمة بين مزاج المستهلك وسلوكه الفعلي، موضحا أن الأمريكيين أصبحوا أكثر تشاؤما بشأن المستقبل مع استمرارهم في الإنفاق خلال المرحلة الحالية، وقد يعكس ذلك قدرة شرائح من الأسر على الحفاظ على مستويات استهلاكها، رغم ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد حالة عدم اليقين، لكن استمرار الإنفاق بهذه الوتيرة يرتبط بقدرة الأسر على الحفاظ على دخولها ومدخراتها وقدرتها على الاقتراض، وهي عناصر يمكن أن تتغير مع استمرار الضغوط.

الطاقة والتضخم.. فاتورة تضغط على ميزانية الأسرة

برزت أسعار الطاقة ضمن أهم العوامل التي شكلت مزاج المستهلك خلال سبتمبر. وتشير مؤسسة “كونفرنس بورد” إلى ارتفاع الإشارات في إجابات المستهلكين إلى الأسعار وتكاليف السلع والخدمات، خصوصا أسعار النفط والغاز، في وقت ارتفعت فيه توقعات التضخم لدى المستهلكين للأشهر الاثني عشر المقبلة. وتعملصدمة الطاقة عبر مسارين متداخلين، المسار الأول مباشر، إذ ترتفع فاتورة الوقود والنقل والطاقة المنزلية، أما المسار الثاني فيمر عبر تكلفة الإنتاج والنقل فتنتقل الضغوط إلى أسعار مجموعة أوسع من السلع والخدمات.

ويفسر هادف أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤثر مباشرة في ميزانية الأسرة، كما يرفع بصورة غير مباشرة تكاليف النقل والسلع والخدمات لتصبح القدرة الشرائية أمام ضغط مزدوج، ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض ما يجعل تمويل السيارات والمساكن والائتمان الاستهلاكي أكثر تكلفة.

وتظهر أهمية هذه النقطة في خطط الأسر المستقبلية، إذ سجل مسح “كونفرنس بورد” تراجعا في خطط شراء السيارات والمنازل وبعض الخدمات والأنشطة الكمالية، وهذه القرارات تحديدا ترتبط بدرجة كبيرة بثقة الأسرة في دخلها المستقبلي وكلفة التمويل.

من التشاؤم إلى تأجيل القرارات الكبرى

يمثل تراجع الثقة في حد ذاته مؤشرا نفسيا، لكن أهميته الاقتصادية ترتفع عندما يبدأ في تغيير القرارات الفعلية، فشراء منزل أو سيارة على سبيل المثال، يحتاج إلى التزام مالي طويل الأجل، ولذلك تتأثر هذه القرارات بسرعة أكبر عندما ترتفع أسعار الفائدة أو تتزايد مخاوف الأسر بشأن الوظائف والدخل.

ويؤكد هادف أن استمرار الوضع الحالي يبقى مرتبطا بقدرة الأسر على مواصلة الإنفاق، فإذا تحوّل الحذر من مجرد تراجع في النوايا إلى تأجيل فعلي للمشتريات الكبرى، فقد ينتقل الأثر تدريجيا إلى الطلب الداخلي، ومنه إلى وتيرة النمو بالنظر إلى الوزن الكبير للاستهلاك في الاقتصاد الأمريكي، وتكشف بيانات الادخار عن جانب آخر من المعادلة. فقد بلغ معدل الادخار الشخصي 4.1% في أغسطس، وفقا لمكتب التحليل الاقتصادي، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق.

وهذا المستوى يعكس مساحة محدودة نسبيا أمام الأسر لامتصاص صدمات إضافية عبر تقليص الادخار، خصوصا إذا استمرت تكاليف الطاقة والائتمان في الارتفاع، ومن ثم تصبح قدرة المستهلك على مواصلة الإنفاق مرتبطة أكثر باستمرار نمو الدخل واستقرار سوق العمل.

سوق العمل.. تماسك حالي ومؤشرات على تباطؤ الزخم

لا تقدم سوق العمل الأمريكية حتى الآن صورة أزمة حادة، فقد أضاف الاقتصاد 162 ألف وظيفة في أغسطس واستقر معدل البطالة عند 4.1% وفقا لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي، لكن بعض المؤشرات تكشف تغيرا في قوة الطلب على العمالة. فقد بلغ عدد الوظائف الشاغرة نحو 7.079 ملايين وظيفة في أغسطس، مع معدل وظائف شاغرة عند 4.3%، وفقا لبيانات مسح الوظائف الشاغرة ودوران العمالة الصادر عن المكتب نفسه.

ويقرأ هادف هذه الصورة بوصفها انتقالا تدريجيا من سوق اتسمت بطلب قوي على العمالة إلى سوق أكثر توازنا وأقل زخما، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى ثقة المستهلك، لأن توقعات الأسر بشأن الوظائف تؤثر مباشرة في قراراتها المتعلقة بالإنفاق والادخار والاقتراض، وبالتالي، فإن بقاء البطالة عند مستوى 4.1% يوفر دعما للاستهلاك، بينما يشير انخفاض الوظائف الشاغرة وتراجع نظرة الأسر إلى سوق العمل إلى احتمال تغير تدريجي في البيئة التي دعمت الإنفاق خلال الفترات السابقة.

الفائدة أمام معادلة أكثر تعقيدا

تأتي هذه التطورات في وقت رفع فيه مجلس الاحتياطي الفدرالي في سبتمبر النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفدرالية بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 3.75%–4%. وأكد البنك أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، وأن الإنفاق المحلي ظل مرنا، مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، وهنا تتشكل معادلة دقيقة: أسعار الطاقة المرتفعة يمكن أن تضيف ضغوطا تضخمية، بينما تؤدي الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة التمويل بالنسبة للأسر والشركات، وفي المقابل يحتاج الاقتصاد إلى الحفاظ على الطلب والاستهلاك وسوق العمل.

ويفسر هادف هذه المعضلة باعتبار أن التضخم المرتبط بالطاقة يصعب علاجه بالكامل عبر السياسة النقدية، فيما يؤدي تشديد الفائدة إلى زيادة الضغط على الاستهلاك والاستثمار وسوق العمل، أما تخفيف السياسة النقدية بسرعة فيحمل مخاطر تنشيط الطلب قبل عودة التضخم بصورة مستدامة نحو هدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، وتؤكد بيانات البنك المركزي أن التضخم ما زال أعلى من الهدف، بينما أشار في بيانه الأخير إلى أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية وأن الإنفاق المحلي ظل مرنا.

 الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتغير السلوك

تضع هذه المعطيات الاقتصاد الأمريكي أمام اختبار يتجاوز قراءة مؤشر الثقة، فالمستهلك الأمريكي يشعر بضغط الأسعار والطاقة والائتمان، لكنه يواصل الإنفاق حتى الآن، وفي المقابل، تظهر مؤشرات على تراجع خطط المشتريات الكبرى وتراجع الوظائف الشاغرة وتدهور التوقعات بشأن سوق العمل، ويخلص هادف إلى أن المشهد الحالي يعكس مرحلة تتزايد فيها حساسية الاقتصاد للصدمات، مع بقاء الإنفاق قويا وسوق العمل بعيدا عن مرحلة الضعف الحاد. ويرى أن المؤشر الحاسم خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مدى انتقال التشاؤم من المستوى النفسي إلى السلوك الاقتصادي الفعلي.

فإذا واصلت الأسر الإنفاق، يمكن للاقتصاد الحفاظ على قدر من الزخم رغم تراجع الثقة، أما إذا امتد الحذر إلى المشتريات الكبرى والخدمات والاستهلاك اليومي، فسيصبح الضغط على الطلب والنمو أكثر وضوحا، وعندها تتعقد مهمة الاحتياطي الفدرالي في الموازنة بين استقرار الأسعار والحفاظ على قوة الاستهلاك وسوق العمل.

وبذلك، تبدو ثقة المستهلك الأمريكي حاليا أقرب إلى إشارة إنذار مبكرة منها إلى دليل منفرد على تباطؤ الاقتصاد، فالاقتصاد ما زال يستند إلى إنفاق فعلي متماسك وسوق عمل يوفر دعما للأسر، لكن تراكم الضغوط على الطاقة والأسعار والائتمان والتوظيف يرفع أهمية مراقبة الخطوة التالية: هل يبقى التشاؤم في استطلاعات الرأي، أم يتحول إلى قرارات إنفاق أكثر تحفظا؟

Author سارة حمدون
صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي
↑