الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

جائزة الأرض لـ”غزة”.. “بناء الأمل” وسط الخراب

Author
خالد عز الدين 23 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحقّق فوز الشقيقتين “تالا” و”فرح” في جائزة الأرض العالمية – منتصف شهر ماي الماضي – عبر مسار تراكمي لمشروع بيئي شبابي، خرج من دائرة محلية محدودة واتجه نحو منافسة عالمية شديدة الاتساع، حيث استطاع فريق “بناء الأمل – فلسطين”، أن يتفوق على آلاف المشاركات القادمة من مختلف دول العالم، ليحصد المركز الأول ضمن فئة عمرية شابة (13–19 عاما). ويُحيل هذا الإنجاز اللافت إلى قراءة أعمق لدلالات الحضور الفلسطيني الريادي المتجدد في الفضاء العالمي، بعدما برهن على قدرته على تجاوز موقع الهامش، والانتقال إلى فضاءات التأثير الفاعل والمنافسة الدولية.

عالم الرّكام.. وقوّة الحياة

بقلم: المتوكل طه

أتملّى خرائط القارّات، فألحظ أنّ الخراب والموت والسواد الثقيل يرمّد الأماكن، إلى حدّ الفجيعة! وأرى عجاج الحروب يدوّم في كلّ زوايا الأرض. وثمّة أسرابٌ نازحةٌ، هائمة نحو المجهول، تخبّ في الوحول، مدمّاة جوعى.. كأنّ الفجائع هي مصائر البشر الأكيدة! وأسـأل: لو أنّ العالم حوّل تكاليف الحروب والمعارك وأثمان الأسلحة، وما تبتلعه الصدامات الجهنّميّة من أموال وجهود، وجعلها في مشاريع التنمية والرفاهية.. لعاش البشر سلاطين في جنّتهم الأرضية. لكنّه الجشع والطمع ومفردات الاحتكار والاستغلال والعنصرية، الباطلة الوثنيّة.

وما نفعله من كتابة وسرديّات وخطابات، لا يعدو كونه محاولة طموحة، لإعادة الحياة الصافية المعافاة إلى الناس.. على رغم عوامل الاحباط الممضّة، التي، أحيانا، تجعل البعض يفقد الجدوى من الحروف. مع أنها صوت ونكهة وعصارة منْ تأمّلوا في صفحات الوجود، وأدركوا ضرورة الميزان واجب الوجود، حتى يظلّ الوحش دون قمصانه المغرية السّامّة، ووحيدا في الغابة.

كأن كلّ ما هبط من وحي، وما استخلصه البشري من المناقع والحرائق، لم يكن كافيا للاستجابة إلى ما توافقت عليه الأمم، من ضرورة بالغة، لتوقير حقوق الإنسان، من عدل ومساواة وسيادة وحريّة، وهو الذي اكتشف زواج البذرة من الطمي، وسجّل سيرته بعجين الألواح.

إنها المصلحة، إذًا! التي تشدّ وتجذب وتقلب، وتجد لنفسها الذرائع الأخلاقية بعد كلّ مذبحة، أو إبادة، مثلما تلقى التأويل والمرافعة والمخارج، لكلّ الفظاعات والضلالات والمخازي.

إنّ الغرب المتتشاوِف البغيض الذي أمطرنا، عقودا، بخطابات حقوق الإنسان، هو نفسه الذي انتهكها، بعجرفة وعربدة وساديّة، ونافح عن القاتل بفجاجة كريهة. وحتى يبقى على صورته النظيفة، أي يظلّ عنوانا للدفاع عن حقوق البشر بعد الإبادات والتطهير العِرقي الذي اقترفه بجنون، فقد ذهب إلى استعادة لغة حقوق الإنسان. بلغة أخرى قام بتشكيل مجلس للسلام مدّعيا أنه هو الذي أوقف المذبحة، وسيعمل على حماية الضحايا وتعمير بيوتهم ومنشآتهم. كما استعاد خطاب المحافِظ على الحقوق والحرّيات، بصلف ووقاحة.. وما فتئ يكرر مقولات تمّ استنفاذها وانتهاكها، جهارا نهارا. وراح يدافع عن المجرم بتوفير مرافعاتٍ تبرّر ما اجترحه من فظاعات مدوّية، وتحميل الضحية مسؤولية ما حدث. ومكّن القاتل من أن يبتزّ العالم بتذكيره بالهولوكست، أي أن ثمّة “ضحية” قديمة، على الدنيا ألا تنساها! في محاولة يائسة لإعادة الجزّار إلى صورة الضحية من جديد.. عبر الإعلام والتلفيق والبربوغندا والأفلام والتكرار.

إن استعادة لغة الإبادة وتحويرها والالتفاف عليها، وتنقيتها وبثّها من جديد، هو ديْدن الغربي العنصري الفوقيّ، الذي لا يوفّر جهدا في أن يبقي الكوكب غابته المستباحة، التي يصول ويجول فيها، دون رقيب أو حسيب. أو كما تقول د. “غانية ملحيس”: “اللغة بوصفها مسرح الإبادة الحديثة”.. فاللغة، هنا، لا تصف العنف، بل تعيد إنتاجه عبر فصله عن جذوره السياسية والاستعمارية.. وحين يعترف بالمعاناة دون الاعتراف بالفاعل، تتحوّل اللغة من قيمة أخلاقية إلى قناع يشرعِن استمرار العنف.

وأحسب أنّ الأسئلة البديهية، وأساطير التفسير، كانت إرهاصات أوّل تأمّل عميق في كلّ ما يرجّ ويطغى ويعربد، إلى أن هذّبت الحاجة أظفار البشر، ودفعتهم الضرورة لأن يجترحوا العِقد الاجتماعي فيما بينهم، وكان لا بدّ من الرسول والرسالة، لتصحّ خطوات الناس، ولا يسقطوا في أخطائهم من جديد.

وللأسف! لم يحفظ أبناء الكوكب حكايات الدّهْم الآتية من الأدغال الأخرى، لكنّ تمارين الموت والثأر دفعتهم جميعا إلى اجتراح الحدود، واستنباط الشروط. وتراكمت خبرات العوْز والوقاية والتحسّب، انتصارا للغرائز والحاجات، إلى أن قطف حمورابي حكمة الضحايا المقطّرة، ما جعل القانون أو النظام.. نيرفانا الأرض، وضالّتها المقدّسة التي لا تمسّ.

وتفككّت أساطير التفسير، ووقعت المفارقة الجارحة، وهي؛ أن الإنسان في كامل زينته وصواريخه ومعجزات اتصالاته العبقرية، هو نفسه الإنسان الكهفيّ الذي يخاتل الذئب، ويكسر سنّ الضبع الوحيد. كان ذلك، بعد أن أيقن الرائي بأن سرب الوعول، بدخان أنفاسها عند المغيب، ينبئه أنّ ثمة فسحة للاحتفال، فاطمأنّ القوم لقول العائف، بخرزه الملوّن، وعثنونه المبلولة بالهمس والتمائم، فنحروا الغزال، وأمروا الفتى أن يضع فمه عند أنف الذبيح، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليتشرّبها الفتى ويكتسب بذلك صفات الغزال.

ولعل جناح الباشق هو الذي ما فتيء يئزّ فوق فراخ الشعوب المقهورة، مثلما جعل الجزّار “كراسوس” النمرود الغازي، يعلّقها على غصون المشانق، رغم سعيها اليائس للدفاع عن أطفالها وشرف أعراضها.

لهذا؛ ما زلنا ننوء، نحن الفلسطينيين، هنا في غزّة! لكن العملاق الكنعانيّ فينا، ما زال ينبض في الضلاع، رغم الإبادة المدوّية ونابالم الفيتو، وطوطم الرعب النووي، وخيانة المحيط المستلب أو هشاشته الجاهلة.

لهذا؛ أيضا، بدأت الرايات تمور من حولنا، للردّ على هذه العجرفة الدموية، وهذا الصلف الشمالي الحديديّ الذي لا يرحم، وهذا الاحتلال، الذي لا يطاق.

وربما نعرف الجواب، لكننا نسأل: كيف لحقوق الإنسان أن تكون قنطرة لذبح حقوق الإنسان، بِشفْرة التضليل وخطاب العولمة العاري؟ وهي علل غائيّة مطْلقة.

أما السورياليّ الذي فقد دهشته، فيتمثّل في ذلك الغربي الأبيض، الذي ولدِ تحت ظلال المقاصل ومحاكم التفتيش وحروب الوردة والأعوام الثلجية، وكبر مع أول هولوكست مفزغ، قضى على مائة من الملايين من الهنود الحمر، واكتهل مع الفاشية والنازية وقنابل هوروشيما.. ثم يأتي إلينا ليحمي خندقه المكارثي العنصريّ، الذي شقّه بالبلْطة في صدرنا، فينحاز إليه ويحميه، بالقرارات والأسلحة الـمـحرّمة، ويجعله دولة فوق القانون، وفوق الـمـساءلة، ودون البند السابع في الـمـربّع الدوليّ الظالم! ثم يأتينا ويقول لنا: حقوق الإنسان! أي صفاقة هذه وأيّ جنون؟

أمّا الذين كانوا يلحفون على تعليمنا الجندر والفامينست وحقوق المرأة والطفل، واحترام (المثليّة) الشذوذ، باتوا يجبروننا على تبنّي “سيداو”، وإقامة الورشات لمواجهة تعنيف الزوجات والطلبة.. وهم أنفسهم الذين يبرّرون قتل الأطفال والنساء، بل ويذبحونهم علانية وبدم بارد! هل هذا نفاق وكذب، أم إشاعة ثقافة المسخ والتفاهة والعدميّة؟

أيتها الأرض المخفوقة، كالمغْتصبة! لقد استبشر العصفور مرتين؛ الأولى عندما غاض الغمْر الأول واستقرّت البحار والمحيطات، والثانية عندما عاد إلى نوح يخبره بوفرة الطين وجفاف حنّاء الصخور.. لكنّه اليوم حزين، لأن الدم والفجائع قد تركت بحيرات من أوردة لم تتخثّر، وأسرابا من ركام ورماد وقبور وشواهد، لا تعدّ ولا تحصى!

ولعلي أتماهى مع ذلك الطائر الذي تضطرب قوادمه الصغيرة، وهو يرى تحطّب الغابة، وانقشاع أمطارها الشرسة، وفتور أصواتها التي توحي بالزّوغان.

إنه يفتقد غرور السباع، وأذيال أقواس قزح بين البرتقال والعنب. ولعله يرى البشرية تعود من غابتها الزجاجية، إلى غابتها الأولى، لكنها خسرت ظلالها الورافة. وربما سنبحث من جديد عن جدوى الحجارة المسننّة، لأننا سنرسم، ثانية، على جدار المغارة، الوحش والسهم البسيط.. وسنبكي من الوحشة والندم، ونكتب على الريح ما لا تحمله إلى الغد، لأنه لن يكون هناك غدٌ أو حروف، ما دامت هناك مصلحة تزكّي الاحتلال، وتملّكه صورة الضحيّة.. من جديد، وعلى يديه دمٌ حرامٌ.. حرامٌ.. حرام.

وثمّة عشبة نضرة تبعث الأمل من جديد، وهي أن شوارع العالم صارت فلسطينية، أي انحازت للضحية التي لم يتخثّر دمها في كلّ قطاع غزة، الذي هدموه وجرّفوه وشرّدوا أكثر من مليوني امرأة وطفل وشيخ، وذلك عبر تلك المبادرات الإنسانية التي ما فتئت تهجس بالإنسان وتحلم بمستقبل معافى.. إذ رأينا أن جائزة عالمية هي “جائزة الأرض” المرموقة، قد تشرّفت بأن منحت لصبيّتين شقيقتين من غزّة، هما تالا وفرح سامر موسى، اللتين قدّمتا اقتراحا عبقريا يتطلّع إلى تدوير الرّكام المخيف إلى مادة لإعادة البناء. وقد قوبل هذا الفوز بإطراء واجب من كلّ الجهات، وبمباركةٍ تأمل أن يجد هذا المقترح عوامل تنفيذه على الأرض. ولعلّ هذا الكتاب هو بعض الصدى والردود لعدد من الزملاء الأدباء والمبدعين الذين أضاءوا المعنى العميق لهذه الجائزة، وفكّكوا مشهد الموت في غزة، وكيف حوّله الغزّيون إلى وقود للبقاء والانطلاق نحو فضاءات الخلاص.

وأحسب أن صديقنا المبدع الجميل خالد عز الدين إنّما يذهب نحو توثيق هذه الردود من باب حفظ الروح المبدعة النافذة، التي لا تلعن العتمة بقدر ما تشعل شمعة في الظلام، وتؤصّل مقطعا رجراجا من حياتنا، وتنصف أهل غزّة الذين تجاوزوا الأساطير، ببقائهم ورباطهم وقوّة الحياة لديهم.

ويبقى الشكر واجبا لغزّة، التي أسست لقاموس غير مسبوق، وعلى كلّ المستويات، ولتبقى غزة اسما من أسماء فلسطين المطهمة بالأمل والنّبض والبقاء.

من روح التحدي

بقلم الأديبة: بشرى أبو شرار

هناك حيث “غزة” تورق براعم من عبق فلسطيننا، ما أجملها براعم من ربيع لم ولن يغادرنا، هي “تالا” تعانق آلامها روح “فرح” شقيقتها هناك تورق براعم الأمل من روح التحدي والصمود، هناك حيث وطن هو لنا، جاء إليه لصوص وأوقدوا على ترابه نيران شياطينهم، منذ عقود ونحن نحاول التصالح مع ندوب الألم، كيف لي أن أنسى أجيال نشأت على كلمة “مخيم” خيمة وحطب ونار، كانت الخيمة ملاذا بعد أن سرقوا بيوتنا وأرضنا، نشأنا وصار المخيم مخيمات تحمل أسماء “مخيم دير البلح، مخيم جباليا، خان يونس، الفوار، اليرموك، الوحدات، صبرا وشتيلة” تناثرت الخيام وولد من زواياها المحترقة قامات ابداعية وفكرية “محمود درويش”: أحن إلى قهوة أمي وخبز أمي…/ أمي تضيء نجوم كنعان الأخيرة حول مرآتي/ وترمي في قصيدتي الأخيرة شالها.

ومن مخيم الشاطئ حيث “غزة” مبدعنا المتميز “محمد الركوعي” الذي علم الأجيال كيف تعانق الألوان روح الفصول، من شمس وطن لن يطالها أفول.

“ماجد أبو شرار” كتب “الرحيل”، “الخبز المر”.. كان المعلم الذي رأيناه كيف ينهض من تحت الرماد، يعلمنا أن نقيم طولنا، ونكتب خطواتنا على طرقات وطن لن ولن ينسى…

“ناجي العلي” نزح من قريته الشجرة الواقعة ما بين طبريا والناصرة، لاحقه النزوح حتى لبنان حيث مخيم “الحلوة ” القريب من مدينة “صيدا” كان يردد: “رسومي ليست للعرض، إنها لغة تعبيرية، وأراهن على روحي لتوظيفها في سبيل قضيتي، ليست مهمتي ابراز الإضاءات والإنجازات، إن عملي هو الرصد وكشف الألغام”. هل أنساه المخيم “حنظلة” الباقي فينا جيل بعد جيل.

“تالا” و”وفرح”، أراهن يكملان المشوار من دربنا الطويل.. كل هؤلاء حين أكملوا مسيرتهم لم ينتظروا الدعم، لم ينتظروا الثناء، كانوا في مسيرتهم يضمدوا جروحهم النازفة التي هي من روحنا ووجهتنا وبوصلتنا التي لن نحيد عنها.

من قلب الركام في غزة إلى منصة العالم.. شقيقتان فلسطينيتان تكتبان ملحمة الأمل

بقلم: بن معمر الحاج عيسى – الجزائر

في زمنٍ تتكاثر فيه صور الدمار وتتسع فيه مساحات الألم، تبرز بين الركام حكايات استثنائية تؤكد أن الإنسان قادر على تحويل المحنة إلى فرصة، وأن الشعوب الحية لا تستسلم مهما اشتدت عليها الظروف. ومن قلب غزة التي عانت وما تزال تعاني من ويلات الحروب والدمار، خرجت قصة ملهمة تجاوزت حدود الجغرافيا لتصل إلى العالم بأسره، بطلتها الشقيقتان الفلسطينيتان تالا سامر موسى وفرح سامر موسى اللتان استطاعتا أن تحولا الأنقاض إلى مشروع للحياة، وأن تجعلا من الركام لغة عالمية للأمل والإبداع والابتكار.

ففي إنجاز فلسطيني غير مسبوق، أعلنت جائزة الأرض العالمية “ذا إيرث برايز” لعام 2026 فوز الشقيقتين تالا وفرح ممثلتين عن منطقة الشرق الأوسط، بعد منافسة شرسة شارك فيها أكثر من ستة آلاف فريق من مختلف أنحاء العالم. ولم يكن هذا الفوز مجرد تتويج لمشروع بيئي أو نجاح أكاديمي عابر، بل كان انتصارا لفكرة عظيمة ولرسالة إنسانية عميقة مفادها أن الحياة تستطيع أن تنبعث من تحت الأنقاض، وأن الشعوب التي تؤمن بقدرتها على النهوض قادرة على صناعة المعجزات مهما بلغت التحديات.

لقد استطاعت الشقيقتان أن تفرضا حضورهما في واحدة من أكبر المسابقات العالمية المخصصة للشباب بين الثالثة عشرة والتاسعة عشرة من العمر، حيث شارك في المسابقة 6095 فريقا من مختلف دول العالم. وفي هذا المحفل الدولي الكبير تمكن فريق “بناء الأمل – فلسطين” من حجز مكانه في الصدارة، ليصبح أول فريق فلسطيني يبلغ المرحلة النهائية في تاريخ الجائزة، وهو إنجاز يكتسب أهمية مضاعفة إذا ما وضع في سياقه الحقيقي المرتبط بالواقع الصعب الذي يعيشه قطاع غزة.

تكمن فرادة المشروع في بساطته وعمقه في الوقت ذاته. فبينما يرى معظم الناس في الأنقاض مخلفات للحرب وعبئا بيئيا ومشهدا يختزل المأساة، رأت تالا وفرح في تلك الأكوام الهائلة من الركام فرصة لإعادة البناء وإحياء الأمل. وانطلقت فكرتهما من إعادة تدوير مخلفات المباني المهدمة وتحويلها إلى كتل ومواد قابلة لإعادة الاستخدام في مشاريع البناء، بما يساهم في معالجة مشكلة بيئية متفاقمة وفي الوقت نفسه يخفف من أعباء إعادة الإعمار.

هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب الهندسي أو البيئي فحسب، بل تحمل بعدا اجتماعيا وإنسانيا بالغ الأهمية، إذ يهدف المشروع إلى إشراك الشباب في عملية إعادة البناء، وتحويلهم من متفرجين على المأساة إلى فاعلين في صناعة المستقبل. ومن خلال هذه المقاربة يتحول الركام من رمز للهدم إلى أداة للنهوض، ويتحول الشباب من ضحايا للظروف إلى شركاء في صناعة التغيير.

إن قيمة هذا الإنجاز لا تكمن في الجائزة المالية البالغة اثني عشر ألفا وخمسمائة دولار أمريكي فقط، رغم أهميتها في تطوير المشروع وتوسيع نطاقه، وإنما في الاعتراف الدولي الذي حظيت به الفكرة الفلسطينية، وفي الرسالة التي وصلت إلى العالم مفادها أن غزة ليست مجرد مساحة للأخبار العاجلة والصور المؤلمة، بل هي أيضا أرض للابتكار والإبداع والقدرة على إنتاج الحلول.

لقد نجحت الشقيقتان في تقديم صورة مختلفة عن فلسطين، صورة ترتكز على المعرفة والعلم والمبادرة. ففي الوقت الذي يحاول فيه الاحتلال والحروب فرض صورة نمطية تختزل الفلسطيني في دائرة المعاناة، جاءت تالا وفرح لتؤكدا أن الشعب الفلسطيني يمتلك طاقات شبابية هائلة قادرة على المنافسة عالميا عندما تتوفر لها الفرصة المناسبة.

ومن اللافت في هذه القصة أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة بيئة أسرية وتعليمية آمنت بقيمة العلم وأهمية الاستثمار في المعرفة. ويبرز في هذا السياق اسم والدهما سامر موسى الذي يمثل نموذجا آخر للعلاقة التاريخية المتينة بين فلسطين والجزائر. فقد تلقى تعليمه العالي في الجامعات الجزائرية، حيث نال شهادة البكالوريوس من جامعة باتنة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1997 و2002، ثم واصل مساره الأكاديمي في جامعة بسكرة بين عامي 2002 و2004 لنيل شهادة الماجستير.

هذه الرحلة العلمية التي خاضها الوالد في الجزائر لم تكن مجرد مرحلة أكاديمية، بل شكلت جزءا من مسار طويل من العلاقات الأخوية التي جمعت الشعبين الفلسطيني والجزائري على مدى عقود. فالجزائر التي احتضنت آلاف الطلبة الفلسطينيين وأسهمت في تكوين أجيال من الكفاءات العلمية، تجد اليوم بصمتها حاضرة بشكل غير مباشر في قصة نجاح تالا وفرح، اللتين تمثلان امتدادا لقيم العلم والمعرفة التي آمن بها والدهما.

ولعل ما يمنح هذه القصة بعدا رمزيا إضافيا هو أنها تجمع بين ثلاثة عناصر أساسية يحتاجها العالم اليوم: البيئة، والابتكار، والأمل. ففي ظل التحديات البيئية العالمية المتزايدة، أصبحت إعادة التدوير والاستدامة من القضايا المركزية التي تشغل الحكومات والمؤسسات الدولية. ومن هنا جاءت أهمية المشروع الذي يربط بين معالجة آثار الدمار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في نموذج عملي يمكن أن يلهم مناطق أخرى شهدت حروبا وكوارث مشابهة.

إن تالا وفرح لم تقدما مشروعا هندسيا فحسب، بل قدمتا رؤية فلسفية جديدة للتعامل مع آثار الحروب. فبدل النظر إلى الركام باعتباره نهاية الطريق، تعاملتا معه باعتباره نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف. وهذه الفكرة في حد ذاتها تحمل رسالة إنسانية عالمية تتجاوز حدود فلسطين لتخاطب كل الشعوب التي واجهت الدمار والأزمات.

وتتجلى قوة هذه الرسالة في قدرتها على مخاطبة الضمير الإنساني بلغة بسيطة وواضحة. فالعالم الذي يتابع أخبار الحروب والكوارث يحتاج إلى نماذج تذكره بأن الإنسان قادر على المقاومة والإبداع، وأن الأمل ليس مجرد شعار عاطفي بل مشروع عمل يمكن ترجمته إلى مبادرات ملموسة تغير حياة الناس.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية الكبرى أن أعظم الإنجازات غالبا ما تولد من رحم المعاناة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة تالا وفرح باعتبارها تجسيدا حيا لهذه الحقيقة. فبين الأنقاض التي خلفتها الحرب ولدت فكرة، وتحولت الفكرة إلى مشروع، ثم أصبح المشروع منصة عالمية تحمل اسم فلسطين إلى أرفع المحافل الدولية.

واليوم، مع انتقال فريق “بناء الأمل – فلسطين” إلى المرحلة النهائية من جائزة الأرض العالمية، لا تمثل الشقيقتان نفسيهما فقط، بل تمثلان جيلا كاملا من الشباب الفلسطيني الذي يرفض الاستسلام للظروف الصعبة، ويصر على صناعة مستقبله بيديه. كما تمثلان نموذجا للشباب العربي القادر على المنافسة العالمية عندما يمتلك الإرادة والمعرفة والرؤية.

إن قصة تالا وفرح موسى تؤكد مرة أخرى أن الاستثمار الحقيقي في الشعوب يبدأ من الاستثمار في التعليم والابتكار. فالمجتمعات التي تمنح أبناءها فرصة التفكير والإبداع تستطيع أن تحول التحديات إلى فرص، وأن تخلق من قلب الأزمات قصص نجاح تلهم العالم بأسره.

وفي النهاية، قد يكون أجمل ما في هذه الحكاية أن بطلتيها لم تبحثا عن الشهرة أو الأضواء بقدر ما بحثتا عن حل لمشكلة حقيقية يعيشها مجتمعهما. ومن هنا جاءت قوة المشروع وصدقه وتأثيره. فحين ينطلق الابتكار من احتياجات الناس ويستهدف تحسين حياتهم، يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وأكثر استحقاقا للتقدير.

هكذا كتبت تالا وفرح موسى فصلا جديدا من فصول الإبداع الفلسطيني، وأثبتتا أن الركام يمكن أن يتحول إلى منصة عالمية، وأن الأمل قادر دائما على شق طريقه حتى في أكثر الأماكن قسوة. إنها قصة نجاح تتجاوز حدود الجائزة، لتصبح شهادة حية على أن فلسطين، رغم كل ما مرت به، ما تزال قادرة على إنجاب من يصنعون الحياة ويمنحون العالم دروسا جديدة في الصمود والإبداع والإيمان بالمستقبل.

شقيقتان من غزة تهزمان الركام بالأفكار وتصلان إلى العالمية

بقلم الأديبة: قمر عبد الرحمان

في غزة، بعدما تحولت الأحياء السكنية إلى مساحات من الركام، وبعدما بات الدمار جزءا من المشهد اليومي، اختارت الشقيقتان تالا وفرح سامر موسى أن تنظرا إلى الأنقاض بطريقة مختلفة. فبدل أن تكونا شاهدا على الفقدان فقط، أصبحت بالنسبة لهما مادة أولية لبناء أمل جديد.

نجحت الشقيقتان، المنحدرتان من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، في الوصول إلى المرحلة النهائية من جائزة “Earth Prize 2026” العالمية، بعد فوز مشروعهما “بناء الأمل – فلسطين” بالجائزة الإقليمية للشرق الأوسط. ويقوم المشروع على إعادة تدوير أنقاض المباني المدمرة وتحويلها إلى مواد بناء قابلة للاستخدام، في محاولة لمواجهة واحدة من أكبر المشكلات التي خلفتها الحرب، والمتمثلة في ملايين الأطنان من الركام المنتشرة في أنحاء القطاع.

ولدت الفكرة من تجربة شخصية قاسية. فبعد تدمير منزل العائلة وتحول مدينة الزهراء إلى كتل من الخرسانة المحطمة، بدأت الشقيقتان بالتفكير في كيفية تحويل هذا الواقع المؤلم إلى فرصة للحياة. ومن هنا انطلقت رحلة البحث والتجريب والعمل المتواصل.

يعتمد المشروع على استخدام الركام المعاد تدويره بنسبة كبيرة، مع إضافة مواد بسيطة ومتوافرة مثل القش والزجاج والمياه، لتشكيل قوالب بناء يمكن استخدامها بعد فترة قصيرة من التجهيز. وتكمن أهمية الفكرة في بساطتها وإمكانية تطبيقها في المناطق التي تعاني من الحروب أو الكوارث الطبيعية.

لكن الطريق لم يكن سهلا. فقد واجهت الشقيقتان تحديات النزوح والحصار ونقص الإمكانات، ومع ذلك واصلتا العمل مدفوعتين بإيمان راسخ بأن غزة تستحق فرصة جديدة للنهوض.

يحمل اسم المشروع “بناء الأمل” دلالة تتجاوز إعادة إعمار الجدران. فالأمر يتعلق بإعادة بناء الثقة بالمستقبل أيضا. ومن خلال هذا الإنجاز، تقدم تالا وفرح صورة مختلفة عن شباب غزة؛ صورة مليئة بالإبداع والإصرار، ورسالة تقول إن الأمل يمكن أن يولد حتى من بين أكثر الأنقاض قسوة.

حين يتعلّم الضوءُ الخروجَ من قلب الخراب

بقلم الأديب: سماحة حسون – فلسطين

ليس الركام دائما حجارة مكسورة، أحيانا يكون إنسانا خذلته الحياة أكثر من مرة، وأحيانا يكون حلما تأخر كثيرا حتى ظنّ صاحبه أنّه مات، وأحيانا يكون وطنا يتنفّس تحت الغبار، لكنّه رغم كلِّ شيءٍ لا يتوقّف عن محاولة الوقوف.

في الأماكنِ التي يظنّ العالم أنّها انتهت، تبدأ الحكايات الحقيقية. هناك، حيث تتكسّر النوافذ وتبقى الأرواح معلّقة على ضوءٍ صغير، يتعلّم الإنسان كيف يصنع من الألمِ معنى، ومن الخسارةِ قوة، ومن التعبِ أغنية لا يسمعها إلا الذين مرّوا بالعتمةِ ولم ينطفئوا.

الإبداع ليس رفاهية كما يظنّ البعض، وليس زينة لغوية أو ترفا فكريا، الإبداع في جوهره محاولة نجاة. حين تضيق الحياة بالإنسان، يفتح قلبه نافذة بالكلمات، بالرسم، بالموسيقى، بالصبر، أو حتى بابتسامةٍ صغيرةٍ وسط الخراب.

أعظم الأشياءِ ولدت من رحمِ المعاناة. فالوردة لا تسأل الطين لماذا اتّسخت، بل تكمل نموّها نحو الضوء. وكذلك الإنسان الحقيقي؛ كلّما حاولت الحياة كسره، اكتشف في داخله شيئا لم يكن يعرفه: قوة الاستمرار.

كم من شخصٍ بدأ من الصفر، من الفقد، من الوحدة، من الحروب، من الخيبات الثقيلة، ثم صار أكثر صلابة ونضجا ورحمة؟ فالذين عبروا الألم بوعي، لا يعودون كما كانوا أبدا. يصير في أرواحهم عمقٌ مختلف، وفي نظراتهم اتّساعٌ يشبه السماء بعد المطر.

ومن قلبِ الركام تحديدا، يولد الإصرار. ذلك الإصرار الصامت الذي لا يحتاج ضجيجا كي يثبت وجوده. إصرار الأمِّ التي تخفي تعبها كي لا ينكسر أطفالها، وإصرار الطالبِ الذي يدرس رغم الفوضى، وإصرار الكاتبِ الذي يرمّم نفسه بالنصوص، وإصرار الشعوبِ التي تحاصرها الخسارات لكنها ترفض أن تموت معنويا.

بعض الناسِ يظنّ أن القوة تعني ألّا نتعب، لكن الحقيقة أن القوة الحقيقية

هي أن نتعب كثيرا ثم نواصل.

ليس الإبداع أن نكتب كلماتٍ جميلة فقط، بل أن نبقي إنسانيتنا حيّة رغم كلِّ ما يحاول سرقتها منّا. أن نحافظ على قدرتنا في الحبّ، في الحلم، في التعاطف، في النظر إلى الغد دون استسلام.

فالركام لا ينهي الحكاية دائما، أحيانا يكون بدايتها. والإنسان الذي يخرج من تحتِ الألمِ وهو ما يزال قادرا على النور، هو أعظم من كلِّ انتصار.

لهذا، لا تخفْ من انكساراتك الكثيرة، فبعض الأرواحِ لا تكتشف أجنحتها

إلا بعدما تسقط كلّ الجدران.

ومن قلبِ الركام، حين يهدأ الغبار، ويستعيد القلب نبضه المتعب، يولد شيءٌ لا تستطيع الهزائم قتله: الإبداع.. والإصرار.

حين يصبح الركام مادة للأمل.. قراءة ثقافية في تجربة تاﻻ وفرح موسى

بقلم: رانية فؤاد مرجية

ليست الحكايات العظيمة تلك التي تبدأ من الوفرة، بل تلك التي تنجح في انتزاع المعنى من النقص، والنور من العتمة، والحياة من قلب ما يبدو نهاية كاملة.

لهذا يصعب النظر إلى فوز الشقيقتين “تاﻻ” و”فرح موسى” بجائزة الأرض 2026 بوصفه إنجازا فرديا عابرا، أو خبرا سعيدا يمر في زحام الأخبار الفلسطينية الثقيلة. ثمة ما هو أبعد من الجائزة نفسها، وأعمق من الاحتفاء بها. نحن أمام قصة تستحق أن تقرأ باعتبارها نصا ثقافيا مكتمل الدلالات، يكشف شيئا جوهريا في الشخصية الفلسطينية وفي قدرتها الاستثنائية على إعادة ابتكار الحياة.

فمنذ عقود طويلة، اعتاد الفلسطيني أن يعيش داخل معادلة قاسية: كلما تهدم شيء، كان عليه أن يبدأ من جديد. البيت، المدرسة، الحلم، وحتى اللغة أحيانا. غير أن ما يلفت في التجربة الفلسطينية ليس حجم الخسارات المتراكمة، بل تلك الطاقة الغامضة التي تجعل الإنسان قادرا على تحويل الخسارة نفسها إلى مادة للمقاومة والبناء.

في هذا السياق بالذات، يكتسب مشروع “بناء الأمل” معناه الحقيقي. فالركام الذي اختارت تاﻻ وفرح التعامل معه ليس مجرد بقايا حجارة متناثرة. الركام في الوعي الفلسطيني أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. إنه ذاكرة. إنه أثر حياة كانت هنا. إنه صورة البيت حين يصبح غيابا. ولهذا فإن تحويله إلى مادة بناء جديدة لا يبدو مجرد حل بيئي ذكي، بل فعلا رمزيا بالغ القوة.

كأن الفتاتين تعيدان تعريف العلاقة مع الفقد. بدل أن يبقى الركام شاهدا على ما انتهى، يصبح أساسا لما سيأتي. وبدل أن يكون دليلا على الهدم، يتحول إلى دليل على القدرة على النهوض. هنا تحديدا تكمن عبقرية الفكرة. فالعالم يعرف كيف يبني من المواد الخام، لكنه لا يعرف دائما كيف يبني من الجراح. أما الفلسطيني، فقد اضطر عبر تاريخه الطويل إلى تعلم هذا الفن الصعب: أن يحوّل الندبة إلى خبرة، والحرمان إلى إرادة، والخراب إلى احتمال جديد للحياة.

لهذا السبب تحديدا وجدت قصة تاﻻ وفرح طريقها إلى وسائل الإعلام العالمية، وتجاوزت حدود الجغرافيا واللغة والثقافة. لم تكن القصة جذابة لأنها فلسطينية فقط، ولا لأنها قادمة من غزة وحدها، بل لأنها خاطبت سؤالا إنسانيا كونيا: ماذا يفعل الإنسان حين يجد نفسه وسط الأنقاض؟ بعضهم يستسلم، وبعضهم ينجو. أما المبدعون فيفعلون شيئا آخر تماما: يعيدون تخيل العالم، وتاﻻ وفرح فعلتا ذلك بالضبط.

ما يستحق التوقف عنده أيضا أن بطلتي هذه الحكاية فتاتان فلسطينيتان من غزة. وهذه ليست تفصيلة جانبية كما قد تبدو للوهلة الأولى. ففي مجتمعات كثيرة ما زال ينظر إلى الفتيات باعتبارهن الحلقة الأضعف في أوقات الأزمات، بينما تكشف هذه التجربة عن وجه آخر للحقيقة؛ إذ تظهر الفتاة الفلسطينية بوصفها منتجة للمعرفة، وصانعة للمبادرة، وقادرة على اقتراح حلول تتجاوز حدود بيئتها المحلية إلى فضاء عالمي أوسع.

إنه انتصار للعلم بقدر ما هو انتصار للإرادة. وانتصار للفكرة بقدر ما هو انتصار للهوية. والأهم من ذلك أنه انتصار لصورة مختلفة عن غزة. ففي السنوات الأخيرة، اختزلت المدينة في نشرات الأخبار إلى مشاهد الدمار والأرقام والإحصاءات. غابت الوجوه خلف العناوين الكبرى، وغابت القصص الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية. جاءت تاﻻ وفرح لتستعيدا شيئا من هذا الوجه الإنساني المفقود.

لم تقدما للعالم صورة الضحية التي تنتظر التعاطف. بل صورة الإنسان الذي يمتلك القدرة على الفعل. وهذا فارق جوهري. فالتعاطف مؤقت. أما الاحترام فيبقى. ولهذا كان تأثير القصة واسعا؛ لأنها نقلت الفلسطيني من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، ومن مساحة الشكوى إلى مساحة الاقتراح، ومن سردية الألم وحدها إلى سردية القدرة والإبداع.

ربما لهذا السبب أيضا بدا الاهتمام العالمي بالتجربة منطقيا أكثر مما بدا مفاجئا. فالعالم، رغم ضجيجه الهائل، ما زال يبحث عن القصص التي تذكره بأفضل ما في الإنسان. القصص التي تثبت أن الإبداع لا يحتاج إلى ظروف مثالية كي يولد، وأن الأمل ليس ترفا عاطفيا، بل ممارسة يومية شاقة، يختارها بعض الناس رغم كل ما يدعو إلى اليأس.

وفي الجوهر، لا تتحدث حكاية تاﻻ وفرح موسى عن مشروع بيئي فحسب. إنها تتحدث عن معنى أوسع بكثير. عن قدرة الإنسان على أن يكون أكبر من ظروفه. وعن قدرة المعرفة على أن تفتح نافذة في أكثر الجدران صلابة. وعن فلسطين التي، كلما ظن العالم أنها غارقة في الركام، تفاجئه بأبنائها وبناتها وهم يحولون ذلك الركام نفسه إلى بداية جديدة.

وربما لن يتذكر العالم بعد سنوات أسماء كثير من الحروب التي مرت على هذه الأرض، لكنه سيتذكر دائما أولئك الذين انتزعوا من الخراب فكرة، ومن الفقدان مشروعا، ومن الألم طاقة للبناء. ذلك أن الأمم لا تقاس بعدد ما تهدم فيها، بل بعدد الذين يملكون الشجاعة ليبدؤوا من جديد. وفي هذا المعنى، لا تبدو تاﻻ وفرح موسى مجرد فتاتين فازتا بجائزة دولية مرموقة، بل شاهدتين على الحقيقة الفلسطينية الأعمق: أن هذه الأرض، مهما تلتها الجراح، ما زالت تعرف الطريق إلى الحياة.

تحت الركام يولد الضوء…

بقلم د. رائد ناجي‎ – الجزائر

في الحروب الكبرى لا تتساقط المباني وحدها، بل تتساقط معها أحلام، وتتشقق ذاكرة، وتنهار خرائط كاملة من اليقين. وحين تتحول المدن إلى أكوام من الإسمنت المكسور والحديد الملتوي، يظن كثيرون أن المشهد قد وصل إلى نهايته، وأن الركام هو الفصل الأخير في الحكاية. غير أن التاريخ يعلمنا دائما أن الإنسان يملك قدرة مدهشة على كتابة البدايات من قلب النهايات، وأن بعض الشعوب لا ترى في الخراب سوى مادة أولية لصناعة مستقبل جديد.

ومن غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة بالجغرافيا والمثقلة بالتاريخ، خرجت حكاية استثنائية تؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على تحدي أكثر الظروف قسوة. إنها قصة الشقيقتين الفلسطينيتين تالا سامر موسى وفرح سامر موسى، اللتين لم تنظرا إلى أنقاض الحرب بوصفها شاهدا على الهزيمة، بل باعتبارها فرصة لإعادة تعريف الحياة نفسها.

ففي زمن اعتاد فيه العالم أن يرى غزة من خلال صور الدمار والضحايا والحرائق، قررت فتاتان في مقتبل العمر أن تقدما صورة أخرى، صورة الإنسان الذي يصر على أن يكون فاعلا لا مفعولا به، وصانعا للحلول لا مجرد ضحية للكارثة.

لقد نجح مشروعهما “بناء الأمل – فلسطين” في الوصول إلى المرحلة النهائية من مسابقة (Earth Prize 2026) العالمية، بعد فوزه بالجائزة الإقليمية للشرق الأوسط. وقد يبدو الخبر في ظاهره إنجازا علميا أو بيئيا فحسب، لكنه في جوهره يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد التتويج في مسابقة دولية. إنه انتصار لفكرة الحياة على ثقافة الموت. وانتصار للعقل على الركام. وانتصار للأمل على اليأس.

حين دمرت الحرب منزل العائلة، وحولت أجزاء واسعة من مدينة الزهراء إلى كتل هائلة من الحجارة المحطمة، كان يمكن لتالا وفرح أن تستسلما للمشهد القاتم، وأن تنضما إلى ملايين البشر الذين يكتفون بمراقبة المأساة. لكن ما حدث كان مختلفا تماما. لقد طرحتا سؤالا بسيطا وعميقا في الوقت ذاته: ماذا لو تحول هذا الركام إلى فرصة؟

ذلك السؤال الصغير كان الشرارة الأولى لمشروع كبير. فبدلا من النظر إلى ملايين الأطنان من الأنقاض باعتبارها عبئا بيئيا واقتصاديا، فكرت الشقيقتان في إمكانية إعادة تدويرها وتحويلها إلى مواد بناء قابلة للاستخدام. وهنا تتجلى عبقرية الفكرة؛ لأنها لا تعالج مشكلة واحدة فقط، بل تتعامل مع مجموعة متشابكة من التحديات في آن واحد.

فالركام في غزة ليس مجرد مخلفات بناء، بل أزمة بيئية وصحية واقتصادية واجتماعية. إنه يحتل المساحات، ويعطل حركة الإعمار، ويهدد البيئة، ويجسد في الوقت نفسه الذاكرة المادية للحرب. ولذلك فإن تحويله إلى مورد إنتاجي يعني تحويل المشكلة ذاتها إلى جزء من الحل. وهذا هو جوهر التفكير الإبداعي الحقيقي.

إن المجتمعات لا تتقدم لأنها تمتلك الموارد فحسب، بل لأنها تعرف كيف تعيد اكتشاف قيمة ما تملكه. وفي كثير من الأحيان تكون الثروة الحقيقية مختبئة داخل ما يراه الآخرون نفايات أو أعباء أو خسائر.

ومن اللافت في تجربة تالا وفرح أن المشروع لم يولد داخل مختبر متطور، ولا في جامعة عالمية، ولا ضمن مؤسسة تمتلك ميزانيات ضخمة. لقد ولد وسط ظروف استثنائية من الحصار والدمار وانعدام الاستقرار.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل. فالعالم الحديث كثيرا ما يربط الإبداع بالرفاهية، بينما تثبت تجارب الشعوب المنكوبة أن الحاجة نفسها قد تتحول إلى أعظم محفز للابتكار. فالإنسان حين يفقد الكثير يصبح أكثر قدرة على التفكير خارج الأطر التقليدية، وأكثر استعدادا للبحث عن حلول غير مألوفة.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها تعيد الاعتبار لدور الشباب في صناعة التغيير. ففي عالم يكثر فيه الحديث عن الأزمات العالمية، من تغير المناخ إلى النزاعات والحروب والفقر، يعتقد البعض أن الحلول يجب أن تأتي دائما من الحكومات الكبرى أو المؤسسات العملاقة. غير أن قصة الشقيقتين الفلسطينيتين تقول شيئا مختلفا تماما. تقول إن فكرة واحدة قد تغير واقعا كاملا. وإن شابين أو شابتين يمكن أن يلفتا انتباه العالم إلى قضية بأكملها. وإن العمر ليس معيارا للحكمة أو القدرة على التأثير.

لقد استخدمت تالا وفرح وسائل التواصل الاجتماعي، التي يتهمها كثيرون بإضاعة الوقت ونشر التفاهة، بوصفها نافذة للبحث عن الفرص والمعرفة والمسابقات والمبادرات التطوعية. وهذا بحد ذاته درس مهم للأجيال الجديدة. فالأدوات في ذاتها ليست جيدة أو سيئة، وإنما تتحدد قيمتها بحسب كيفية استخدامها.

يمكن للهاتف أن يكون أداة للهروب من الواقع، ويمكن أن يكون جسرا نحو الإنجاز. يمكن للمنصات الرقمية أن تصبح سوقا للضجيج، ويمكن أن تتحول إلى مساحة لصناعة المستقبل. ومن هنا فإن نجاح المشروع يحمل رسالة تربوية وثقافية لا تقل أهمية عن رسالته البيئية. إنه يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء العقول يسبق بناء الجدران، وأن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فقط، بل مشروع حضاري متكامل يعيد ترميم الثقة والقدرة على الحلم.

واللافت أيضا أن الشقيقتين لم تقدما للعالم خطابا قائما على الشكوى أو الاستجداء، رغم أن لديهما من المبررات ما يكفي لذلك. بل قدمتا خطابا مختلفا يقوم على المبادرة والعمل والإبداع.

وهذه نقطة جوهرية، فالعالم قد يتعاطف مع الضحية لبعض الوقت، لكنه يحترم الإنسان الذي يحول معاناته إلى إنجاز. ولذلك فإن وصول المشروع إلى منصة عالمية لا يمثل نجاحا شخصيا لتالا وفرح فحسب، بل يمثل نجاحا رمزيا لجيل كامل من شباب غزة الذين يرفضون أن يتم اختزالهم في صور الضحايا. إنهم يريدون أن يعرفهم العالم بوصفهم علماء ومبدعين ومهندسين ورواد أفكار، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار. وفي البعد الأعمق للقصة تتجسد معركة فلسفية بين رؤيتين للحياة. رؤية ترى أن الحرب قادرة على إنهاء كل شيء. ورؤية تؤمن بأن الإنسان قادر على البدء من جديد مهما بلغت الخسائر.

الحرب تنتج الركام. أما الإنسان فينتج المعنى. الحرب تهدم الجدران. أما الإرادة فتبني المستقبل. الحرب تحاول فرض النهاية. أما الأمل فيصر على كتابة فصل جديد. ولذلك فإن قيمة هذه التجربة لا تكمن فقط في مشروع إعادة تدوير الأنقاض، بل في الرمزية التي تحملها. إنها تذكرنا بأن الحضارات لم تنهض يوما في أوقات الراحة وحدها، بل كثيرا ما ولدت من رحم الأزمات الكبرى.

ومن غزة، التي لا زالت تنزف ألما وتكابد آثار الحرب، خرجت رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والجغرافيا والسياسة. رسالة تقول إن الأمل ليس شعورا رومانسيا عابرا، بل فعل مقاومة يومي، وإن التفاؤل الحقيقي ليس تجاهل الواقع، بل امتلاك الشجاعة لتغييره.

هكذا وقفت تالا وفرح فوق جبل من الركام، ولم تنظرا إلى الأسفل حيث الخراب، بل رفعتا أعينهما نحو المستقبل. ومن هناك، من قلب الدمار، صنعتا نافذة مفتوحة على العالم. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في حكايتهما كلها: أن الإنسان يستطيع أن يخسر بيتا، لكنه لا ينبغي أن يخسر فكرته. وأن المدن قد تهدم، لكن الأحلام التي تسكن أبناءها قادرة دائما على إعادة بنائها.

فمن تحت الأنقاض يولد الحجر من جديد، ومن قلب المعاناة يولد الإبداع، ومن غزة التي اعتاد العالم أن يراها مدينة للوجع، تخرج اليوم قصة تقول للبشرية كلها: ما دام هناك من يؤمن بالأمل، فإن الركام ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الجديدة.

حين يصبح الركام لغة للحياة.. قراءة ثقافية في فوز تالا وفرح موسى بجائزة الأرض 2026

بقلم: ماجدة الريماوي – فلسطين/ رام الله

في فلسطين لا يموت الركام حين يسقط، بل يبدأ حياة أخرى. فالحجارة التي تعجز عن حمل السقف تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى فكرة، والفكرة تجد دائما طريقها نحو الحياة. ومن بين ما تتركه الحروب من فراغات واسعة، يخرج أحيانا من يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وخرابه، وبين الأرض وذاكرتها. ومن هنا يمكن قراءة فوز الشقيقتين تالا وفرح موسى بجائزة الأرض 2026؛ لا بوصفه إنجازا فرديا عابرا، بل بوصفه لحظة فلسطينية كثيفة الدلالة انتصرت فيها إرادة الحياة على منطق الفناء.

لقد اعتاد العالم أن يرى غزة عبر عدسات الحرب، وأن يتابع أخبارها من خلال أرقام الضحايا وحجم الدمار. غير أن هذا الإنجاز جاء ليقلب زاوية النظر كلها. فبدلا من أن يكون الركام شاهدا على الفقد، تحول إلى مادة للبناء، وبدلا من أن يبقى أثرا للمأساة أصبح مشروعا يحمل إمكانات الحياة.

وما يلفت الانتباه في هذه التجربة ليس بعدها البيئي فحسب، بل بعدها الثقافي أيضا. فالثقافة في جوهرها ليست قصيدة أو رواية أو لوحة فنية وحسب، بل هي قدرة الإنسان على إنتاج معنى جديد من قلب الواقع. وهذا ما فعلته تالا وفرح تماما؛ فقد أعادتا تعريف العلاقة بين الإنسان وخرابه، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين ما تهدمه القوة وما تبنيه الإرادة.

إن وصول هذه القصة إلى عشرات المنصات الإعلامية العالمية، وتداولها بلغات متعددة، لم يكن احتفاء بإنجاز تقني فحسب، بل كان اعترافا عالميا بقوة السردية الفلسطينية حين تتحدث بلغة الإبداع والمعرفة. لقد وجد العالم نفسه أمام نموذج مختلف؛ فتاتان من فلسطين لا تطلبان الشفقة، بل تقدمان نموذجا إنسانيا يفتح بابا جديدا للتفكير في معنى الصمود وقدرته على التحول إلى فعل خلاق.

وفي زمن تتسع فيه الفجوة بين الإنسان وبيئته، جاءت هذه المبادرة لتؤكد أن الاستدامة ليست ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية وحضارية. ومن قلب غزة تحديدا، حيث تبدو التحديات أكبر من أي مكان آخر، خرجت فكرة تحمل رسالة عالمية مفادها أن الابتكار الحقيقي يولد غالبا في الأماكن التي يظن الآخرون أن الحياة قد غادرتها.

إن القيمة الأعمق لهذا الإنجاز تكمن في الصورة التي قدمها عن الشباب الفلسطيني. صورة الشاب الذي لا ينتظر الفرص بل يصنعها، ولا يكتفي بالصمود بل يحول الصمود إلى فعل خلاق. ففي فلسطين لا يكون البقاء موقفا سلبيا، بل شكلا من أشكال المقاومة اليومية، ولا يصبح الأمل حلما بعيدا، بل ممارسة مستمرة في مواجهة كل ما يحاول إقناع الإنسان باستحالة الحياة.

ولعل أعظم ما في هذه الحكاية أنها لم تضف جائزة جديدة إلى سجل الإنجازات الفلسطينية فحسب، بل أضافت معنى جديدا إلى صورة الفلسطيني في الوعي العالمي. ففي مكان يحاول الخراب أن يفرض روايته الأخيرة، خرجت فتاتان لتقولا إن الرواية لم تنته بعد، وإن الأرض التي تجرّب عليها أقسى أشكال الفقد ما زالت قادرة على إنجاب الأفكار.

وما دام الفلسطيني قادرا على تحويل الركام إلى بناء، والألم إلى معرفة، والنجاة الفردية إلى أمل جماعي، فإن فلسطين لن تكون قصة ضحية فقط، بل قصة شعب يواصل كتابة الحياة في الهامش الذي يظنه العالم مستحيلا. وهنا تكمن الرسالة الحقيقية لهذا الإنجاز: أن الهدم قد يهزم الحجر، لكنه لا يهزم الإنسان الذي يعرف كيف يحول الحجر نفسه إلى بداية جديدة.

إن ما حققته تالا وفرح موسى يتجاوز حدود الجائزة إلى مساحة أرحب؛ مساحة تقول للعالم: إن فلسطين، رغم كل ما يثقل أيامها من فقد وغياب، ما زالت قادرة على إنتاج المعرفة والجمال والابتكار. وما زالت تنجب من بين الركام من يرفعون راية الحياة، لا بوصفها حلما مؤجلا، بل بوصفها فعلا يوميا من أفعال الإيمان بالإنسان والأرض والمستقبل.

من قلب المعاناة إلى منصة التتويج العالمية

بقلم الناشط الحقوقي الفلسطيني: أ. شريف الصباغ

في وطنٍ يحاول الركام أن يحجب ملامحه، اختارت الشقيقتان “تالا سامر موسى” و”فرح سامر موسى” أن تجعلا من الحجارة المهدمة بذورا للأمل، ومن آثار الدمار قصة نجاحٍ يرويها العالم.

لم يكن فوزهما بجائزة الأرض العالمية 2026 على مستوى الشرق الأوسط مجرد تتويجٍ لمشروعٍ بيئي أو إنجازٍ أكاديمي، بل كان رسالة فلسطينية بليغة تقول إن الشعوب التي تؤمن بالحياة قادرة على صناعة المستقبل مهما اشتدت المحن. فمن بين 6095 فريقا من مختلف دول العالم، برز اسم فلسطين ليصل إلى المرحلة النهائية من واحدة من أهم الجوائز العالمية، حاملا معه حكاية شعبٍ يرفض أن يكون ضحية للألم، ويصر على أن يكون شريكا في صناعة الأمل.

لقد نظرت تالا وفرح إلى الركام بعينٍ مختلفة؛ فحيث رأى الآخرون نهاية المشهد، رأتا بداية الطريق. وحيث رأى العالم أنقاضا صامتة، سمعتا نداء الحياة، فابتكرتا مشروعا يحول بقايا الدمار إلى مواد بناء، ويحول مشاعر العجز إلى طاقة عمل وإبداع ومشاركة مجتمعية.

إن هذا الإنجاز يتجاوز حدود الجائزة وقيمتها المالية، ليؤكد حق الإنسان في الحياة والكرامة والتنمية، وهي حقوق كفلتها المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني، لكنها تكتسب معناها الحقيقي عندما يحولها أصحاب الإرادة إلى واقع ملموس.

تالا وفرح لم تعيدا تدوير الحجارة فحسب، بل أعادتا تدوير الأمل نفسه. أثبتتا أن فلسطين، رغم الجراح، لا تزال تنجب أبناء وبناتٍ قادرين على تحويل الألم إلى إنجاز، والدمار إلى إعمار، والمستحيل إلى حقيقة.

هنيئا لفلسطين بهذا الإنجاز المشرف، وهنيئا لكل فتاة وفتى يؤمنان بأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تولد حتى من بين الأنقاض. فهذه ليست قصة فوزٍ في مسابقة عالمية فحسب، بل قصة شعبٍ يكتب بالحياة ما عجز الدمار عن محوه.

تالا وفرح وصورة عائلية

من قلب الركام إلى منصة العالم.. شقيقتان من غزة تحوّلان أنقاض الحرب إلى رسالة أمل تتجاوز الحدود

بقلم: غدير حميدان الزبون – فلسطين

تقول المدن المدمرة أشياء كثيرة لمن يعرف كيف يصغي إليها، فلكلّ جدارٍ متصدّع حكاية لم تكتمل، ولكلّ حجرٍ سقط من مكانه ذاكرة عالقة بين الأمس واليوم. وفي اللحظة التي تعجز فيها الكلمات عن وصف ما جرى، تتولى الأنقاض المهمة، فتروي بلغة الغبار والفراغ والفقد ما لا تستطيع الروايات كلها أنْ تحكيه. فهي تتحدث بالندوب التي تركتها الأيام على جدرانها، وبالفراغات التي خلفها الغياب، وبالحجارة التي ما زالت تحفظ دفء الأيدي التي شيدتها يوما. وفي صمتها الثقيل تختبئ آلاف الحكايات التي لا يسمعها إلا أولئك الذين يملكون قلبا قادرا على الإصغاء للذاكرة.

وغزة في ذلك الصباح الرمادي كانت تهمس بحكاية مختلفة بدأت في المكان الأقل احتمالا لولادة الأحلام، بين أكوام الإسمنت المحطم والحديد الملتوي انتهت بيوت كثيرة فكانت بداية أخرى تفتح عينيها بهدوء. هنا غزة، المدينة التي اعتادت أن تعرّف في نشرات الأخبار بعدد الشهداء وحجم الدمار، بينما يغيب عن الصورة وجهها الآخر، وجه الحياة التي ترفض الاستسلام. هنا تنمو الأحلام في تربة الدمار، وتشقّ طريقها بين الشقوق التي خلّفتها الحروب. هنا يتعلم الأطفال مبكرا كيف يحمون دفاترهم من الغبار، وكيف يتمسكون بالأمل رغم كلّ ما يدعو إلى اليأس. هنا يقاس الإنسان بما استطاع أن يحافظ عليه من كرامة وإرادة وقدرة على الحلم. ومن بين الركام الذي يراه العالم نهاية يخرج الغزيون كل يوم ليصنعوا بداية جديدة.

فهذه الأرض تمتلك سرا خفيا يجعلها قادرة على إنبات الحياة في أكثر المواسم قسوة، وتحويل الألم إلى طاقة، والخسارة إلى حكاية صمود تستحق أنْ تروى، فهنا غزة.

في غزّة المثقلة برائحة الغبار وأصداء الانفجارات البعيدة، لم يكن أحد يتوقع أنْ تحمل أكوام الركام المبعثرة بين الأزقة أكثر من حكايات الفقد والغياب. كانت المدينة تستيقظ كلّ يوم على جرح جديد، فالجدران منهارة، والنوافذ معلقة في الفراغ، أما الذكريات فهي تبحث عن أصحابها بين الحجارة المتناثرة. غير أنّ شيئا آخر كان يتشكل بصمت تحت هذا المشهد القاسي، ووسط الخراب الذي اعتاد أنْ يعلن نهاية الأشياء.

لقد كانت بذرة قصة استثنائية تشقّ طريقها نحو الضوء، هي قصة لم تولد في قاعات المؤتمرات ولا داخل المختبرات الحديثة، إنما خرجت من قلب المأساة، من مكانٍ ظن العالم أنه لم يعد قادرا على إنتاج سوى صور الدمار.

وبينما كان الركام يروي حكاية ما هدمته الحرب كانت إرادتان شابتان تستعدان لكتابة فصل مختلف تماما، فصلٌ يثبت أنّ بعض الأحلام تمتلك قدرة نادرة على النهوض من تحت الأنقاض، وأنّ الأمل عندما يقرر أنْ يولد يصنع معجزته من أكثر الأماكن وجعا بعيدا عن المثالية.

إنّ الحروب تفرض على الناس أسئلة قاسية: كيف نعيش؟ وكيف نحمي من نحبّ؟ وكيف نستمر؟ لكنّ هناك أشخاصا يذهبون أبعد من ذلك. يسألون: كيف نحول الألم إلى شيء مفيد؟

بالنسبة للشقيقتين تالا وفرح لقد أصبح الركام جزءا من حياتهما اليومية بعد أن طالت الحرب محيطهما ومجتمعهما. كانت أكوام الأنقاض تملأ المشهد أينما اتجهتا. وفي كلّ مرة تقع أعينهما عليها كان سؤال واحد يتكرر: ماذا سيحدث لكل هذا الركام؟ وهل سيبقى سنوات طويلة شاهدا على الحرب؟ وهل ستظل المدن غارقة فيه؟ وهل يمكن أن يكون جزءا من الحل بدل أن يبقى جزءا من المشكلة؟ تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها كانت الشرارة الأولى التي أشعلت فكرة مشروع سيصل لاحقا إلى واحدة من أهم المنصات البيئية العالمية.

عندما يتحدث الناس عن الابتكار فإنهم غالبا يتخيلون مختبرات حديثة وأجهزة متطورة وميزانيات كبيرة. لكنّ غزة تقدم تعريفا مختلفا تماما للابتكار. هنا، لا يولد الإبداع من الوفرة بقدر ما يولد من النقص، ولا تنشأ الأفكار بسبب سهولة الظروف إنما بسبب صعوبتها.

ففي مكان يواجه الحصار والحروب ونقص الموارد يصبح التفكير في الحلول نوعا من المقاومة، ويصبح الإصرار على الحلم فعلا يوميا ضد اليأس. وسط هذه البيئة الصعبة بدأت الشقيقتان رحلة البحث والتجريب دون إمكانيات ضخمة، ولم تكن الطريق ممهدة، لكن كان لديهما شيء أكثر أهمية إنه الإيمان بالفكرة.

بدت الفكرة التي خرجت بها الشقيقتان بسيطة وعملية في الوقت نفسه. فبدلا من النظر إلى الركام باعتباره مخلفات حرب يجب التخلص منها، لماذا لا يعاد تدويره ليصبح مادة بناء جديدة؟

بدأ العمل على تطوير أنموذج يعتمد على استخدام نسبة كبيرة من الركام المعاد تدويره مع دمجه بمواد أخرى متاحة مثل القش والزجاج والمياه.

الفكرة لم تكن مجرد إعادة استخدام مواد تالفة، لكنها كانت إعادة تعريفها بالكامل. فالحجر الذي كان جزءا من منزل مدمر يمكن أن يصبح جزءا من منزل جديد، والإسمنت الذي شهد لحظة انهيار يمكن أن يشارك في لحظة بناء.

إنها عملية تتجاوز الجانب الهندسي لتلامس بعدا إنسانيا عميقا، فغزة تحاول أن تعيد تشكيل نفسها من جديد باستخدام ما تبقى منها. في الظروف الطبيعية يحتاج أي مشروع إلى وقت وجهد وتركيز، أما في غزة خلال الحرب، فكان يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير. كانت الحياة اليومية معركة، من النزوح المتكرر إلى الخوف المستمر، فانقطاع الكهرباء، وشح الموارد، وصعوبة التواصل، وتبدل الظروف من يوم إلى آخر.

لكن وسط كل ذلك استمرت الشقيقتان في العمل، وكانت كل عقبة سببا إضافيا للتمسك بالفكرة، وكل صعوبة تذكيرا بأهمية إيجاد حلول للمستقبل.

لم يكن الطريق سهلا؛ لكنه كان يستحق المحاولة.

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءا من حياة الشباب تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى نافذة على الفرص. من خلال تلك النافذة تعرفت الشقيقتان إلى جائزة (Earth Prize) العالمية، وهي منصة تجمع الشباب الذين يسعون إلى إيجاد حلول للمشكلات البيئية والتنموية حول العالم.

بالنسبة إلى كثيرين قد تبدو المشاركة في مسابقة دولية أمرا اعتياديا، لكن بالنسبة لشابتين تعيشان وسط حرب مستمرة كانت المشاركة نفسها إنجازا.

ومع ذلك قررتا المحاولة؛ لأنّ الأحلام الكبيرة لا تنتظر الظروف المثالية.

عندما بدأت نتائج المسابقة بالظهور كان مشروع “بناء الأمل – فلسطين” يلفت الأنظار، ويحمل قصة إنسانية كاملة لفتاتين عاشتا الحرب وتحاولان إنتاج حل من نتائجها.

هي قصة عميقة ومتشعبة لمدينة مدمرة تبحث عن طريق نحو التعافي، ولمجتمع يرفض الاستسلام، ثم جاءت اللحظة الحاسمة، وهي إعلان فوز المشروع بالجائزة الإقليمية للشرق الأوسط والتأهل إلى المرحلة النهائية العالمية. في تلك اللحظة تجاوز الإنجاز حدود المسابقة، وأصبح انتصارا لفكرة كاملة.

إنها كلمة “الأمل” والتي تستخدم كثيرا في الخطابات والكتابات، لكن في غزة تكتسب معنى مختلفا، فالأمل هناك قرار، قرار بأنْ تستيقظ وتواصل حياتك رغم كل شيء، وقرار بأنْ تخطط للمستقبل بينما لا يزال الحاضر مضطربا، وقرار بأنْ تزرع شجرة قرب منزل مدمر، أو أن تطور مشروعا بين الأنقاض. لهذا لم يكن اختيار اسم “بناء الأمل” اختيارا عشوائيا، فالهدف لم يكن بناء الحجارة، إنما بناء ما هو أعمق من ذلك، بناء الثقة، وبناء الإيمان بالمستقبل، وبناء القدرة على النهوض.

غالبا ما تظهر غزة في الأخبار من خلال صور الدمار، لكن هناك وجها آخر لا تلتقطه الكاميرات دائما، إنه وجه الطلاب الذين يواصلون الدراسة، والمتطوعين الذين يخدمون مجتمعاتهم، والمبدعين الذين يبتكرون حلولا لمشكلات معقدة، والشباب الذين يرفضون أن تختزلهم الحرب.

إنّ تالا وفرح تمثلان هذا الوجه، وجه غزة التي تصنع الحياة رغم كل ما يحيط بها، وجه غزة التي تفكر وتبتكر وتحلم، وجه غزة التي ما زالت تؤمن بأنّ المستقبل يستحق المحاولة. ربما تكمن قوة هذه القصة في أنها تتجاوز حدود المشروع، فالركام بات رمزا، رمزا لكل ما تحاول الحروب تحطيمه.

وعندما يتحول هذا الركام إلى أداة للبناء فإنّ الرسالة تصبح واضحة إذْ يمكن للإنسان أنْ يعيد تشكيل واقعه مهما بلغت قسوته. يمكنه أنْ يجد فرصة وسط الأزمة، ويمكنه أنْ يحول الخسارة إلى بداية جديدة.

العالم من حولنا مليء بقصص النجاح، لكنّ بعض القصص تحمل قيمة خاصة لأنها تولد في أماكن لا يتوقع أحد أنْ تولد فيها. قصة تالا وفرح واحدة من هذه القصص، إنها تذكير بأنّ الإبداع لا يحتاج إلى ظروف مثالية، وأنّ الأفكار العظيمة قد تخرج من أكثر الأماكن ألما، وأنّ الشباب عندما تمنح لهم الفرصة قادرون على تقديم حلول حقيقية لمشكلات معقدة.

في الأساطير القديمة كان هناك طائر يقال إنه يحترق ثم يولد من رماده من جديد. وعلى امتداد التاريخ استخدمت الشعوب هذه الصورة لتصف قدرتها على النهوض بعد الكوارث. اليوم، تبدو غزة وكأنها تعيش هذه الحكاية بطريقتها الخاصة، فمن بين الركام يولد مشروع، ومن بين الألم تولد فكرة، ومن بين الخسارة يولد أمل، ومن بين أصوات الحرب يخرج صوت فتاتين صغيرتين ليقول للعالم إنّ الإنسان أقوى مما يتخيل.

قد تهدم البيوت، وقد تتساقط الجدران، وقد تمتلئ المدن بالأنقاض، لكن ما دام هناك من يؤمن بالمستقبل فإنّ الحكاية لا تنتهي. ولهذا تنظر إلى مشروع “بناء الأمل – فلسطين” على أنّه شهادة حية على قدرة الروح الإنسانية على الانتصار. وشهادة على أنّ الأمل قوة حقيقية تستطيع أنْ تشقّ طريقها حتى من قلب الركام.

ومن غزة، المدينة التي حاولت الحرب أنْ تغرقها في الظلام خرجت رسالة مضيئة تقول للعالم كله: يمكن للحياة أنْ تنبت من جديد، ويمكن للأمل أنْ يخرج من الرماد، ويمكن لفتاتين تحملان حلما صغيرا أنْ تمنحا ملايين الناس سببا جديدا للإيمان بالمستقبل.

وفي نهاية الحكاية لا يبقى أمام القارئ سوى أنْ يتأمل المفارقة المدهشة التي صنعتها تالا وفرح، فالمواد التي أرادت الحرب أنْ تكون شاهدا على الخراب تحولت بين أيديهما إلى مشروع يحمل وعدا بالبناء.

وبينما يغادر العالم هذه القصة تبقى صورة غزة معلقة في الذاكرة، تلك المدينة المثخنة بالجراح، لكنها لا تكفّ عن الوقوف من جديد. هناك، في المكان الذي تتراكم الأنقاض تحت شمس المتوسط تمضي فتاتان في رسم ملامح غدٍ مختلف، وتقولان بصوت هادئ للعالم كله: إنّ الحروب قد تملك القدرة على هدم الجدران، لكنها تعجز عن هدم الفكرة التي تسكن العقول، وتعجز عن إطفاء الأمل الذي يستقر في القلوب.

وهكذا، من بين الغبار والحجارة والصمت الثقيل تواصل غزة كتابة قصتها الأجمل، قصة مدينة كلما سقطت نهضت، وكلما احترقت أضاءت، وكلما حاول الركام أن يكون خاتمة حولته إرادة أبنائها إلى بداية جديدة. فهنا غزة، المدينة التي تقول أشياء كثيرة لمن يعرف كيف يصغي إليها.

ففي اللحظة التي يظن فيها الجميع أنّ الخراب قد أسكت كلّ شيء تبدأ الجدران المكسورة بالكلام، وتستعيد الحجارة ذاكرتها، وتخرج من بين الشقوق حكايات البشر الذين مروا من هنا تاركين خلفهم أحلاما مؤجلة تنتظر من يرويها.

من الركام إلى المنصة العالمي.. إرادة فلسطينية لا تنكسر وقراءة متعمقة لواقع لا يحتمل الأمل وحده

بقلم: فداء بن عرفة – تونس

في مشهد يجمع بين الصمود الفردي واستغلال المنظمات الدولية للقصة الدرامية، نجحت الشقيقتان الفلسطينيتان تالا وفرح موسى من مخيم النصيرات في غزة بالوصول إلى المرحلة النهائية من مسابقة (Earth Prize 2026) عن مشروعهما بناء الأمل الذي يعيد تدوير أنقاض المباني المدمرة إلى مواد بناء باستخدام 80 بالمئة من الركام مضافا إليه القش والزجاج والمياه داخل قوالب خشبية لمدة سبعة أيام، لتقديم حل عملي لملايين الأطنان من الركام التي خلفتها حرب الإبادة، لكن القراءة المتعمقة لهذا الإنجاز تفرض أسئلة أعمق: هل مشكلة غزة حقا هي نقص تقنية إعادة التدوير أم منع إدخال المعدات والحصار والموت الجماعي الذي يجعل أولوية الغذاء والدواء قبل الطوب؟ وهل استفادت المسابقة من مأساة غزة كقصة مثالية للترويج الإعلامي أكثر مما أفادت الشقيقتين اللتين لم تذكر أي جهة دولية أو فلسطينية خطة لتمويل المشروع وتحويله من قوالب خشبية إلى مصنع حقيقي؟

والأخطر أن تغطية القصة كجهد فردي خارق يوحي للعالم أن الفلسطينيين يمكنهم حل دمارهم بأنفسهم، ويعفي الاحتلال والمؤسسات الدولية من المسؤولية، بينما يغيب أي ذكر لدور حكومي أو هندسي متخصص يثبت صلاحية هذا الطوب لبناء حقيقي في مناخ غزة، وما يبقى هو أن تالا وفرح رمز لإرادة لا تقهر لكن لا ينبغي أن نطلب من أطفال غزة أن يكونوا أبطالا خارقين ليستحقوا الحياة، فالقصة جميلة للنفس لكنها ليست خطة بناء ولا بديلا عن العدالة والمحاسبة، والأمل الفردي مهما كان مبهرا لا يعيد بناء مدينة ولا يوقف قصفا ولا يفتح معبرا، وما تحتاجه هاتان الشقيقتان حقا ليس فقط التصفيق والإعجاب بل ضغط حقيقي لتمويل مشروعهما وتحويله من حلم على الورق إلى مصانع تعمل في غزة، وإلا تظل قصتهما جزءا من اقتصاد القصص المؤثرة التي تستهلك الألم الفلسطيني لإنتاج محتوى ملهم بينما الركام لا يزال فوق رؤوس الأطفال.

حجارة الفينيق

بقلم: عزية سالم – فلسطين

اعتليت جبل الركام، جلست فوقه أجيل البصر فيما حولي ذاهلة، كأن بوق القيامة نفخ في هذا المكان فبعثر ما فيه. أختي واقفة أمامي كتمثال، تبتلع غصة مرة، وتحملق بي من خلف دموعها، أزيح بصري عنها يمنة، فأرى أمي تنسج جديلة من شعري، وتهمس في أذني لحن أغنية رقيقة… ويسرة، فأرى أبي يحتسي قهوته على الشرفة في صباحِ دافئ، ويقلب بين يديه جريدة كل ما فيها خراب.

أرفع بصري نحو السماء التي دنس نقاءها دخان القصف، وحجب صوت “الزنانة” تغريد عصافيرها، فأرى الذكريات تحوم فوقي كأسراب نحل في مساءات نيسان. أغمضت عينيّ؛ لأمهد طريقا أمام دمعتين، ثم أخذت شهيقا ملء صدري، ونهضت. بخطوات ثابتة هبطت جبل الركام، وقفت قبالة شقيقتي، نظرت في عينيها، وهمست:

– ليس الفينيق وحده من ينهض من الرماد!

اتسعت عيناها، وقالت باستغراب:

– لم أفهم!

– سنعيد بناء بيتنا من حجارته نفسها.

– كيف؟

– لا بد أن يكون هناك طريقة ما.

– لا أعتقد.

أمسكت يدها، ومشينا متجاورتين، جلسنا على حجر كبير من حطام البيت، قلت وأنا أراقب الشمس تهبط رويدا رويدا إلى مغربها:

– ليس القلب وحده من يحن للذكريات، ولا العقل وحده من يحفظها، هذه الحجارة التي تحيط بنا احتضنتنا في أيام خلت، حمتنا من برد الشتاء وحر الصيف، وكانت شاهدة صامتة على ضحكاتنا ودموعنا، حفظت أسرارنا وآوت أحلامنا.

احتضنت حجرا صغيرا بين راحتيّ، وسألت:

– ترى من أي غرفة سقط هذا الحجر؟

أسندت رأسها إلى كفيها، وأجابت:

– ربما من غرفتنا.

– أو ربما من غرفة الجلوس.

– أعتقد أنه من المطبخ.

ضحكت، وتأملت الحجر مرة أخرى، فركته بأصابعي، فسقط منه بعض الفتات، حولت بصري نحوها، وسألتها:

– أتفكرين بما أفكر به؟

أومأت برأسها، وابتسمت:

– سأكون معك بكل خطوة!

مرات ومرات حاولنا، تحدينا صعوبات الحرب والنزوح، خطر القصف، وشح المواد، فشلنا تارة، ونجحنا تارة أخرى.

مضت شهور قليلة، وتحولت قطع الركام إلى مادة بناء جديدة، جمعنا الحجارة المهشمة، وأعدنا تدويرها بإضافة مواد متوافرة في بيئتنا، كالقش والزجاج والماء، رغم شحّه، حتى صارت لبِنات تصلح لبناء ما تهدم.

كل حجر سقط، كان يظن أن تلك نهايته، لكنها كانت بداية جديدة، ومن بين الركام، ستنهض المدينة، وتعيد بناء نفسها، كفينيق يفتح جناحيه فوق رماده.

لم أتخيل يومها أن الفكرة التي نبتت في رأسي فوق الأنقاض ستشق طريقها إلى العالم، وأن يصغي الناس لحكاية شقيقتين من غزة، قررتا أن تمنحا الحجارة حياة ثانية.

وحين حصد مشروعنا جائزة الأرض، احتفينا بكل بيت رفض أن يموت، وبكل حجر آمن أن السقوط ليس نهاية الحكاية.

بريشة الفنان التشكيلى/ محمود البوليس

من رحم الخراب.. ولادة الأمل

بقلم: عامر الخطيب – السويداء/ سوريا

في تلك اللحظة التي يقرّر فيها الإنسان أن يحوّل جرحه إلى ضوء، وأن يجعل من ركامه أساسا لا قبرا، وأن يعيد كتابة معنى الهزيمة بحبرٍ لا يعرفه إلا المنتصرون الحقيقيون … في تلك اللحظة بالذات يولد الأمل من أشدّ أوجاعه قسوة وأكثر ليالي الروح ظلاما.

هذه ليست استعارة شعرية ولا مجازا بلاغيا يزيّن كلاما، بل هي الحقيقة التي جسّدتها شقيقتان من غزة المحاصرة، من تلك المدينة التي علّمت العالم منذ سنين طويلة أن الإنسان حين يعصر كالزيتون لا يفرز إلا الزيت الأصفر الذهبي ولا ينكسر وإن تكسّر من حوله كل شيء … تالا وفرح موسى، شقيقتان حملتا في يدٍ أنقاض ما دمّرته الحرب وفي اليد الأخرى أحلاما لم تقبل أن تموت، فكانت النتيجة أن تلوّنا وجه الشرق الأوسط كله بإنجازٍ استحق أن يصطفّ أمامه آلاف الفِرق من أرجاء العالم ويسلّم له بالأحقية والريادة.

“جائزة الأرض 2026″… ليست مجرد شهادة تعلق على الجدار أو كأسٍ يصفق لها في حفلٍ فاخر، بل هي اعترافٌ من العالم بأن ثمة إرادة فلسطينية تأبى أن تكون مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، وأن الإنسان الغزّي الذي صمد على مرّ السنين والحروب والحصار قادرٌ على أن يأخذ من يد الدمار ذاته بذور بنائه ومستقبله.

الانتصار على منطق الحرب

الحرب كائنٌ قبيح يعيش على منطقٍ واحد لا يتبدّل ولا يتحوّل.. أن تدمّر المكان لتدمّر الإنسان، وأن تمحو الحجر لتمحو الذاكرة، وأن تحيل الشوارع إلى ركام لتحيل الأحلام إلى رماد، هذا هو منطقها الأبدي، البسيط في وحشيته والمكرر في سواده منذ أن اخترع الإنسان للأسف الشديد فنون إيذاء أخيه الإنسان.

لكن تالا وفرح موسى قرّرتا بهدوءٍ الذي هو هدوء العارفين لا هدوء المستسلمين، أن تقلبا هذه المعادلة رأسا على عقب، قرّرتا ببساطةٍ مدهشة وجرأةٍ لا تقاس أن تسألا السؤال المعكوس … ماذا لو أخذنا ما صنعته الحرب من ركامٍ وأعدنا منه بناء ما لم تستطع هي تخيّله؟ ماذا لو حوّلنا هذه الأنقاض التي تركتها قنابلها وهي تظنّها إعلان نهاية، إلى مواد لمشروعٍ ينمو ويخضرّ ويثمر ويعلن بكل صوته أن الحياة ما تزال هنا وما زالت أقوى وأبقى؟

هذا هو الانتصار الحقيقي الذي لا تحصيه دفاتر العسكر ولا تسجّله خرائط الحرب.. أن يتحول الدمار بأيدي إنسانٍ مصرٍّ على الحياة إلى بذرة مشروع، وأن تصبح الأنقاض مختبرا للإبداع لا مرثية للخراب. الإرادة الإنسانية حين تقرر أن تنتصر لا تحتاج إلى جيشٍ ولا إلى عتاد، بل تحتاج فقط إلى تلك الجذوة التي لا تنطفئ في أعماق من رفضوا أن يعرفوا بجراحهم وقرّروا أن يعرفوا بما يبنون.

 الركام بوصفه مادة للحياة لا للموت

ثمة فلسفةٌ عميقة في فعل تحويل الركام إلى مشروع، فلسفةٌ تتجاوز الجانب العملي والاقتصادي لتصل إلى جوهرٍ روحي وإنساني بالغ الأثر.. الركام ليس مجرد حجارة متناثرة وأسلاك وأتربة وزجاج مكسور، بل هو ذاكرةٌ متعلقة في الخسارة، وألمٌ تشكّل في مادة، وتاريخٌ كتب بأشدّ أقلام الوجع مضاء.

حين قرّرت تالا وفرح موسى أن تتعاملا مع هذا الركام لا باعتباره نهاية بل باعتباره بداية، فإنهما كانتا تمارسان في الحقيقة أعمق أفعال الإبداع الإنساني.. إعادة قراءة المادة الميتة وإعادة تأويل المشهد المأساوي وإعادة كتابة معنى الفقد، لم يكن ما فعلتاه مجرد إعادة تدوير بالمعنى التقني الصناعي، بل كان إعادة تأسيس للعلاقة بين الإنسان ومحيطه المدمر، وإعلانا صارخا بأن الإنسان الفلسطيني لن يكون شاهدا سلبيا على خرابه بل صانعا نشطا لمستقبله حتى وهو يعيش في عين العاصفة.

من فلسفة الفقد إلى ثقافة البناء … هذا المسار الذي اختارته الشقيقتان هو مسارٌ لم يكن مفروشا بالورود ولم تكن نهايته مضمونة في البداية، لكنه كان مفروشا بشيءٍ أعمق من الورود وأبقى من ضمانات الأيام … الإيمان بأن ما صنعته يدا إنسانٍ يستطيع إنسانٌ آخر أن يعيد بناءه وأن يضيف إليه، وأن الأرض حين تحرث حتى بأصابع متشقّقة لن تبخل بزرعها وثمرها ووعدها بغدٍ أخضر.

غزة التي لا يراها العالم

العالم يعرف غزة من زاويةٍ واحدة غالبا ما تعرضها كاميرات الأخبار المتسرّعة وشاشات البث المباشر المهلِعة.. الدخان والدمار والأطلال والوجوه المكلومة والأيدي تخرج من تحت الركام ما لا ينبغي أن يكون تحت الركام، هذه الصورة حقيقية ولا ينبغي إغفالها ولا التخفيف من وطأتها، لأنها شهادةٌ على جريمةٍ ممتدة يتحمّل ضمير العالم وزرها جيلا بعد جيل.

لكن غزة أكبر من هذه الصورة الواحدة.. بما لا يقاس وبما لا تستوعبه أفلام القصف المتداولة ولا نشرات الضحايا المرقمة، في غزة، خلف هذا المشهد الذي ينهك العيون ويثقل القلوب، ثمة وجوهٌ تصنع الحياة بأصابعها وأحلامٌ تنبت من شقوق الأسمنت المحطم وأفكارٌ تشتعل في أذهانٍ قرّرت أن تكون أشعل من كل لهيب يحيط بها.

تالا وفرح موسى هما من هذه الغزة الأخرى، الغزة التي تقاوم بالمعرفة قبل أن تقاوم بالحجارة، والتي تبني مشاريعها الحياتية وسط القصف بنفس الإصرار الذي تبني به جدرانها المهدومة مرارا، والتي تدرك أن البقاء الحقيقي ليس مجرد عدم الموت بل هو الاستمرار في الإنتاج والإبداع والاختراع والحلم حتى في أحلك الأوقات.

هذه الغزة لا تأتي في نشرات الأخبار عادة، لأن الأخبار للأسف تهوى الدم وتفضّل الدراما المروّعة على الصمود الهادئ والإنجاز المضيء، لكنها تأتي في جوائز عالمية كجائزة الأرض التي تعرف كيف تقرأ ما بين سطور الإنسانية وتكرّم من يشكّل دليلا حيّا على أن الروح البشرية أقوى من كل آلة حرب.

المقاومة بالمعرفة والإبداع

ليست كل مقاومةٍ بندقية.. هذه الحقيقة التي طالما عرفها المبدعون والعلماء والمعلمون والفنانون والبنّاؤون الذين آثروا أن يردّوا على الهدم ببناءٍ وعلى الظلام بضياءٍ وعلى الجهل بمعرفةٍ وعلى اليأس بمشروعٍ يتحدّى كل قنوط.

حين ينجز الفرد في ظروفٍ بالغة القسوة إنجازا يلفت العالم، فإنه لا يحقّق نجاحا شخصيا فحسب بل ينجز فعلا جماعيا بامتياز … هو يقول لكل من يشاركه المحيط والتجربة والألم إن ما يحدث لنا لم يستطع أن يفقدنا قدرتنا على الفعل والإنجاز، وهو يقول للعالم إن هذا الشعب ليس مجرد ضحية تنتظر الشفقة بل هو شعبٌ يصنع حلوله ويبتكر مخارجه ويثبت بالدليل القاطع أن الهوية الثقافية والإبداعية لا تموت بالحصار ولا تحبط بالقصف.

الإبداع هنا ليس ترفا ولا رفاهية حضارية تمارس في أوقات الاستقرار والرخاء، بل هو أداة بقاء وشكلٌ من أشمال المقاومة الحضارية التي تصون الهوية وتعزّز الصمود وتبقي الروح الجماعية حيّة متوهّجة في مواجهة كل ما يسعى إلى تجميدها وإخمادها. تالا وفرح موسى اختارتا هذه المقاومة بوعيٍ وحكمةٍ تفوق أعمارهما وتستحق أن تدرس في كل مدرسة وتحكى في كل بيت.

المرأة الفلسطينية وإعادة تشكيل المستقبل

في كل حضارةٍ جديرة بهذا الاسم كانت المرأة إما ملهِمة للبطولة أو صانعة لها أو كلتيهما في آنٍ واحد، وفي غزة التي اضطرّت أن تحيا تجربتها الإنسانية الاستثنائية على مرأى العالم ومسمعه، كانت المرأة دائما حاضرة في قلب الحياة لا على هامشها، صانعة للتعافي لا شاهدة سلبية عليه.

تالا وفرح موسى ليستا حالة استثنائية في هذا السياق بل هما تعبيرٌ ناصع عن نمطٍ راسخ في الوجدان الفلسطيني العميق.. المرأة التي تحمل بيتها على كتفيها وتربّي أطفالها على الحلم حين تنهار الجدران، والتي تحوّل الفقد إلى صبر والصبر إلى حكمة والحكمة إلى مشروع يغيّر واقعها ثم واقع من حولها ثم واقع العالم الذي يراقب من بعيد.

إن انتصار هاتين الشقيقتين هو انتصار كل امرأةٍ فلسطينية حملت في يدٍ الخبز وفي الأخرى الأمل، وهو تأكيدٌ لا لبس فيه على أن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالمشاريع الكبرى والتمويلات الضخمة، بل تبدأ بقرار امرأةٍ واحدة تقرّر أن تغيّر ما تستطيع تغييره بما تملكه في يديها وما تحمله في قلبها من يقينٍ بأن الغد يستحق أن يصنع.

عندما يصبح الأمل مشروعا

ثمة فارقٌ جوهري يميّز الحكماء عن غيرهم في فهم الأمل.. التفاؤل المجرد هو ذلك الحلم العائم الجميل الذي يعيش في الرأس ويضيء المزاج لكنه لا يغيّر الواقع ولا يحرّك الحجر من مكانه، أما صناعة الأمل فهي ذلك الفعل المضاعف الذي يحوّل الحلم إلى خطوة والخطوة إلى مسار والمسار إلى إنجازٍ يمكن الإشارة إليه وقياسه ومشاركته مع الآخرين.

تالا وفرح موسى لم تكتفيا بأن تتمنيا وضعا أفضل لغزة ولأهلها ولمن يشاركانهما هذا المكان الجريح، بل حوّلتا تمنّيهما إلى عملٍ يومي صامت ومثابر ومبدع حتى كان ما كان من إنجازٍ استوقف لجانا دولية من بين آلاف الفِرق التي جاءت من أصقاع الأرض تحمل مشاريعها ومبتكراتها وطموحاتها.

الأمل حين يصبح مشروعا يتحوّل من عاطفةٍ فردية إلى استراتيجية جماعية، ومن حالةٍ نفسية خاصة إلى أداةٍ للتحوّل الاجتماعي، ومن لحظةٍ عابرة في زمن القنوط إلى برنامجٍ يمتد ويتشعّب ويلهم من حوله ويثبت أن الإنسان حين يصمّم على أن يبني لا يوقفه إلا اختياره الطوعي للتوقف وليس عجز الظروف.

من الهامش إلى العالم

من مدينةٍ محاصرة يضيق عليها كل يوم أكثر، من مدينةٍ جعلها الحصار في نظر كثيرين جزيرة معزولة عن نبض الحياة ومجريات الزمن.. خرجت قصة تالا وفرح موسى لتصل إلى منصةٍ عالمية وتسمِع صوتها في فضاءٍ لا تعترف حدوده بحواجز الأسلاك الشائكة ولا بجدران الحصار.

هذا بالضبط ما تفعله القصة الإنسانية الصادقة حين تكون حقيقية من صميم المعاناة ومضيئة من صميم الإرادة … تخترق كل الحدود السياسية والجغرافية وكل الأجندات الإعلامية المغرِضة وكل محاولات التجاهل والتعتيم، لتصل مباشرة إلى قلب الإنسان في أي مكان كان وتكلّمه بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة لأنها لغة الروح المشتركة بين كل من يحمل همّ الحياة ويؤمن بحق الإنسان في أن يحيا كريما.

غزة التي يسعون لتحويلها إلى رمزٍ للعجز والضياع ردّت بأن أخرجت لنا هذا الإنجاز (وغيره الكثير) من رحم حصارها، وكأنها تعلن مرة أخرى وعلى رؤوس الأشهاد أن الأرواح التي تأبى الانكسار لا يوقفها حصار ولا يثنيها تضييق وأن السرد الإنساني أعمق أثرا وأبعد مدى من كل خريطة رسمت لتمحو وجودها.

إعادة إعمار الإنسان قبل الحجر

يسهل على العمارة أن تعاد وأن تبنى مجددا حين تتوفر الإرادة والمواد والأيدي، فالحجر يعلم كيف يعلو فوق الحجر وكيف تشيد القباب وترفع الأعمدة وتملأ الفراغات التي خلّفها الهدم … لكن ماذا عن النفوس؟ ماذا عن تلك الجراح الداخلية التي لا يراها أحد ولا يصوّرها مصوّر ولا يرصدها أي تقرير؟

الإعمار الحقيقي يبدأ من الداخل.. من إعادة الثقة بالمستقبل إلى نفسٍ علّمتها سنواتٌ من الحرب أن تقلّل توقعاتها وأن تقلّص أحلامها وأن تعيش لليوم فقط لأن الغد قد لا يأتي، وهذا بالضبط ما تفعله نماذج مثل تالا وفرح موسى حين تقدم للعالم.. إنها لا تقدّم مشروعا اقتصاديا فحسب ولا ابتكارا بيئيا وحسب، بل تقدّم قبل كل شيء دليلا حيّا ودافئا وقابلا للمسّ على أن التغيير ممكن وأن الحلم قابلٌ للتحقّق وأن الإرادة الإنسانية حين تتجمّع حول هدفٍ نبيل تستطيع أن تعيد رسم خريطة الواقع.

المبادرات الفردية في بيئات الأزمات ليست ترفا ثانويا يؤجل إلى ما بعد الاستقرار، بل هي من صميم عملية الشفاء الجماعي وإعادة بناء الثقة في قدرة الإنسان على أن يكون فاعلا لا مفعولا به، وبانيا لا منتظرا، وصانعا لحكايته لا موضوعا لحكاياتٍ يكتبها آخرون عنه بأقلامٍ لا تفهم أعماقه.

حين تهزم الحرب أمام إرادة شقيقتين

في نهاية المطاف، حين تقلّب صفحات تاريخ الإنسانية وتبحث عن اللحظات التي يستحق فيها الكائن البشري كل هذا الثقل من التكريم والعناية والمحبة، لا تجدها في القاعات الفخمة ولا على منصات الأقوياء ولا في أروقة من ملكوا وسادوا وخلّفوا خلفهم مكتباتٍ من المراسيم والأوامر … بل تجدها في تلك اللحظة الصغيرة الكبيرة حين قرّرت شابّتان من غزة المحاصرة أن تصنعا من ركام الحرب مشروعا للحياة.

لم تبنيا مشروعا من الركام فحسب، بل أعادتا تعريف معنى الحياة في غزة وفي كل مكانٍ تحوّل فيه الخراب إلى يأس، فحين كانت الحرب تنتج الأنقاض كانت الشقيقتان تنتجان الأمل، وبين منطق الهدم ومنطق البناء اختارتا دون تردّد أن تكونا شاهدا على قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل الجراح إلى طاقة والخراب إلى فرصة والركام إلى رسالةٍ للعالم بأن الحياة ما تزال قادرة على الانتصار.

تالا وفرح موسى.. شكرا لأنكما علّمتمانا ما لم تستطع الكتب وحدها تعليمه … أن الأمل ليس كلمة تقال بل قرارٌ يتخذ، وأن الإبداع ليس موهبة تنتظر بل إرادةٌ تصنع، وأن الإنسان مهما حاصروا خطواته يبقى قادرا على أن يطلق أحلامه نحو أفقٍ لا يعرف الأسلاك ولا الجدران.

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا

ورغم الخريف.. نبتنا وردا

بقلم: محمود مصطفى هلال – مصر

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة…” (محمود درويش).

هل جربت يوْما أن تتأمل ركاما؟ لا تنظر إليه ككتلة صمّاء من الإسمنت والحديد الملتوي، بل انظر إليه بقلبك. هذا الركام الذي تراه في غزة كان قبل ليلة واحدة سقْفا يضم عائلة، وجِدارا علقت عليه صورة زفاف، وزاوِية دافئة شهدت ضحكة طفل خطا خطواته الأولى. الحرب في جوهرها الخبيث لا تكتفي بهدم الجدران، بل تريد أن تهدم داخلنا اليقين، وتريد أن تحول تفاصيل عمرنا إلى رماد وسخام يطمس الملامح ويخنق الأنفاس. يريدون لنا أن نعتاد دور الضحية التي تبكي فوق الأطلال، لكن هذه الأرض الولود ترفض الانصياع لطقوس الفناء؛ فمن قلب الفقد العارم، ومن بين شقوق الوجع، ينبثق وعي يافع يأبى الانكسار. هذا تماما ما فعلته الشقيقتان تالا وفرح موسى؛ لم تقفا لتبكيا حطام البيوت، بل نفضتا الغبار عن وجه الذاكرة، وقررتا أن تخرجا من هذا الخراب بفجرٍ عتيدٍ، ليصبح الركام نفسه هو الوتد الأول في جدار الغد.

ضع يدك على قلبك وتخيل معي: كيف لفتاتين في عمر الورد أن تلمسا حجر البيت المهدوم دون أن ترتجف أيديهما من الخوف؟ إنهما لم تكونا تتعاملان مع مادة صلبة مجردة، بل كانتا تلمسان عِظام بيوتهنّ الدافئة، وتمْسحان الرماد عن ذكريات جيرانهنّ. حين انبرت تالا وفرح لإعادة تدوير هذا الركام وصناعة كتل صلْدة للبناء، كانتا تداويان جراح المكان، وتقلبان معادلة الموت إلى حياة. إنه التجسيد الحي لصرخة درويش: “سأصنع أحلامي من كفاف يومي”، نعم.. لقد كان كفاف يومهما ركاما ودمارا، لكنهما لم تستسلما، ومن ذلك الرماد الصعب صنعتا حلْما عبر الأسوار وطرق أبواب العالم ليتوج بالمركز الأول.

هنا، في هذه البقعة المحاصرة، يدور صراع هائل بين نقيضين: آلة حرب بليدة تنتج الهدم، وإرادة إنسانية حية تصرّ على الانبعاث والنجاة. حين أرادوا للبيوت أن تكون مقابر سرمدية، حوّلت الشقيقتان مجاز الخراب إلى سياج حي يحرس الحياة. هذا الإنجاز الـمعْجِز ليس مجرّد جائزة بيئية، بل هو امتداد طبيعي لروح المرأة الفلسطينية؛ حارسة البقاء، وأم الأمل، التي لا تكتفي بكونها شاهدة على المأساة، بل تتقدم لتصنع التعافي، وتحول الشّجن الشخصي والدموع المحبوسة إلى طاقةٍ جماعيةٍ تثبّت الأرض تحت الأقدام وتمنحنا جميعا القدرة على التنفس.

إنها تحفر في لحمها وتكتب..

وتعلن عن نفسها بالدم..

ليست لغزة خيول ولا طائرات ولا أناشيد..

لها انتحار الطفولة في خطوط النار..

وتصنع من عظامها وطنا.

تأمل معي هذا الصدى الشجي.. غزة التي أرادوا عزلها خلف جدران النسيان، تخرج اليوْم لتعلّم العالم كيف يكون الصمود؛ فلم يعد الإنسان هناك مجرد رقمٍ عابرٍ نعدّه في نشرات الأخبار، أو صورة حزينة نستجدي بها عطف الآخرين، بل هو صانع المستقبل، ومهندس الأمل، ومبتكر بدائل البقاء رغما عن أنف الحصار.

إن تالا وفرح لم تبنيا مشروعا هندسيا فحسب، بل أعادتا صياغة الحلم في قلوبنا جميعا؛ برهنتا لنا أن الحجر الذي رفض أن يكون نهاية، هو ذاته الحجر الذي سيعلو ليصبح سقفا يحمي أحلامنا القادمة. ولينطق هذا التراب مجددا، بلسان كل من رفض أن يموت، معلنا رعشة اليقين الأخيرة كما صاغها “محمود درويش” حين قال: “ما زلت أؤمن بأني سأصل يوْما إلى حلمي.. إلى ذاتي”. نعم، سنصل، فما دام في الأرض حجر ينبض، وقلم يكتب، فإن العمر يمتد، ورغم الخريف.. نولد وردا، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

من الإبرة إلى الركام.. كيف تواصل المرأة الفلسطينية صناعة الذاكرة والحياة؟

بقلم: سامية عرموش – إعلامية وباحثة في ثقافة السينما من حيفا

في الوقت الذي يواصل فيه العالم الحديث عن تمكين المرأة وإشراكها في عمليات بناء السلام والتعافي، تبدو التجربة الفلسطينية وكأنها تقدم نموذجا مختلفا؛ نموذجا لم ينتظر القرارات الدولية ولا البرامج المخصصة للتمكين، بل تشكل عبر عقود طويلة من العمل اليومي والمبادرة والإصرار على الحضور.

فالمرأة الفلسطينية لم تكن يوما شاهدة على الأحداث فحسب، بل كانت جزءا من صناعتها. ومن موقعها في الأسرة، وفي الحقل، وفي المدرسة والجامعة، وفي الفضاءات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ساهمت في حماية الذاكرة الجماعية وصون الهوية والحفاظ على استمرارية المجتمع الفلسطيني في مواجهة التحولات والتحديات المتعاقبة. ولم يقتصر حضورها على المجال المجتمعي والثقافي، بل امتد إلى مواقع القيادة والعمل البلدي والحقوقي والدبلوماسي، حيث أسهمت أجيال من النساء في تمثيل قضايا مجتمعهن والدفاع عنها والمشاركة في رسم ملامح مستقبله.

ولعل خصوصية التجربة الفلسطينية تكمن في أن مشاركة النساء لم تقتصر على مجالات الرعاية الاجتماعية أو الحفاظ على التراث والثقافة، بل شملت أيضا العمل العام والقيادة والمشاركة في صنع القرار. وهو ما يجعل الحديث عن تمكين المرأة في السياق الفلسطيني حديثا عن تجربة متراكمة ومستمرة، لا عن دور مستحدث فرضته السياسات الحديثة أو الأجندات الدولية.

وما يميز هذه التجربة ليس فقط القدرة على الصمود، بل القدرة على إعادة تعريف الأشياء من حولها. فقد حولت المرأة الفلسطينية الثوب إلى سجل للذاكرة، والتطريز إلى لغة تحفظ المكان والحكاية، والعمل اليومي إلى فعل انتماء وحماية للهوية. وعندما أصرت المزارعة الفلسطينية على البقاء في أرضها والعناية بأشجارها ومزروعاتها رغم التحديات، لم تكن تحافظ على مصدر رزقها فقط، بل كانت تتمسك بعلاقة متجذرة بين الإنسان والمكان.

ومن جيل إلى آخر، لم تتغير الفكرة بقدر ما تغيرت الأدوات. فكما استخدمت الجدات الإبرة والخيط لحفظ الرواية الفلسطينية، تستخدم الحفيدات اليوم المعرفة والبحث العلمي والابتكار لمواصلة الدور ذاته بوسائل جديدة تتناسب مع تحديات العصر.

ولعل هذا ما يجعل إنجاز الشقيقتين تالا وفرح سامر موسى حدثا يتجاوز حدود الفوز في مسابقة عالمية. فالفريق الفلسطيني “بناء الأمل” لم يحصد فقط جائزة الأرض العالمية 2026 على مستوى الشرق الأوسط، متفوقا على آلاف الفرق المشاركة من مختلف أنحاء العالم، بل قدم نموذجا يعكس امتدادا لمسار فلسطيني طويل قائم على تحويل التحديات إلى فرص.

ففي الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى الركام بوصفه شاهدا على الدمار أو نهاية لحكاية ما، اختارت الشقيقتان أن تنظرا إليه من زاوية مختلفة؛ بوصفه مادة يمكن إعادة تدويرها والاستفادة منها في البناء والإعمار. ومن خلال مشروعهما، لا يتحول الركام إلى مورد بيئي فحسب، بل إلى فكرة تحمل رسالة أوسع مفادها أن المجتمعات قادرة على المشاركة في إعادة بناء ذاتها وصناعة مستقبلها.

ومن زاوية أوسع، ينسجم هذا الأنموذج مع المبادئ التي أكد عليها قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام، والذي شدد على أهمية إشراك النساء والفتيات في عمليات التعافي وإعادة الإعمار وصناعة القرار في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات. غير أن أهمية تجربة تالا وفرح تكمن في أنها لا تقدم نموذجا نظريا لما يدعو إليه القرار، بل تجسيدا عمليا له؛ فهما تمارسان دورهما بوصفهما فاعلتين في مجتمعهما، وتقدمان حلا بيئيا وتنمويا نابعا من الواقع المحلي وموجها نحو المستقبل.

هنا تبرز صورة رمزية لافتة؛ فالجدة التي كانت تستخدم الإبرة لحماية الذاكرة، تشبه اليوم الحفيدة التي تستخدم المعرفة العلمية لإعادة تشكيل الركام وتحويله إلى فرصة جديدة للحياة. تختلف الأدوات، لكن جوهر الفعل واحد: الإصرار على البناء، وحماية ما يمكن حمايته، وفتح نافذة نحو المستقبل.

كما أن أهمية هذا المشروع لا تكمن في الجانب البيئي أو العلمي وحده، بل في رؤيته المجتمعية أيضا. فهو لا يتحدث عن إعادة بناء الجدران فحسب، بل عن إشراك الشباب في عملية التغيير، وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء، وتحويلهم من متلقين للحلول إلى شركاء في صناعتها.

ومن هنا يمكن النظر إلى إنجاز تالا وفرح باعتباره جزءا من قصة أكبر؛ قصة نساء فلسطينيات وجدن على الدوام طرقا مختلفة للتعبير عن حضورهن وصون هويتهن والمساهمة في بناء مجتمعاتهن. فمن التطريز إلى التعليم، ومن العمل في الأرض إلى القيادة والعمل العام، وصولا إلى الابتكار العلمي، تواصل المرأة الفلسطينية إنتاج أدواتها الخاصة للحفاظ على الذاكرة وصناعة الأمل.

وربما تكمن الرسالة الأعمق في هذا الإنجاز في أنه يؤكد أن حضور المرأة الفلسطينية لم يكن يوما هامشيا أو طارئا، بل هو حضور متجدد يتخذ أشكالا مختلفة مع تغير الأزمنة. وإذا كانت الجدات قد حفظن الحكاية بالخيط والإبرة، وأسهمت أجيال من النساء في العمل المجتمعي والقيادي والدفاع عن قضايا شعبهن، فإن الحفيدات يواصلن اليوم كتابة فصل جديد من هذه الرواية بلغة العلم والابتكار. وبين هذه الأدوار جميعا تمتد رواية فلسطينية واحدة، عنوانها التمسك بالهوية، وصناعة الحياة، وترك أثر لا يمكن محوه.

حين هُزمت الحرب أمام إرادة شقيقتين..

بقلم: فراس الطيراوي (ناشط سياسي وإعلامي وكاتب عربي فلسطيني عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام – شيكاغو)

ليست كل الانتصارات تقاس بعدد المعارك التي تخاض، ولا كل البطولات تكتب على فوهات البنادق. ثمة انتصارات أخرى أكثر عمقا وأبعد أثرا، تلك التي ينتصر فيها الإنسان على اليأس، والحياة على الخراب، والأمل على كل ما أراد له أن يموت. ومن هذا النوع النادر من الانتصارات جاءت قصة الشقيقتين الفلسطينيتين تالا سامر موسى وفرح سامر موسى، اللتين حملتا اسم فلسطين من قلب غزة الجريحة إلى منصة عالمية مرموقة، بعد فوزهما بجائزة الأرض العالمية 2026 ممثلتين عن منطقة الشرق الأوسط، وتأهلهما إلى المرحلة النهائية بعد منافسة ضمت أكثر من ستة آلاف فريق من مختلف أنحاء العالم.

غير أن الخبر، على أهميته، ليس سوى القشرة الخارجية لحكاية أكبر بكثير من جائزة وأوسع من منافسة وأعمق من إنجاز فردي. إنها حكاية شعب بأكمله يصرّ على أن يكتب روايته بيده، مهما حاولت الحروب أن تكتب نهايته.

في غزة، حيث تتجاور المآذن مع الأنقاض، وحيث ينام الأطفال على أصوات الطائرات ويستيقظون على أحلام النجاة، ولدت فكرة الشقيقتين. لم تنظرا إلى الركام باعتباره شاهدا على الهزيمة، بل باعتباره مادة أولية للحياة. لم تريا في الحجارة المكسورة بقايا بيوت فحسب، بل إمكانات لمنازل جديدة، وفرصا جديدة، ومستقبلا جديدا. ومن هنا بدأت الحكاية.

الحرب بطبيعتها مشروع هدم. إنها تحاول أن تقنع الإنسان بأن الخراب قدره، وأن ما تهدم لن يعود، وأن ما انكسر لن يلتئم. لكن تالا وفرح اختارتا أن تخوضا معركة مختلفة؛ معركة ضد فلسفة الحرب نفسها. فعندما قررتا إعادة تدوير الركام وتحويله إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام في البناء، لم تكونا تعالجان مشكلة بيئية أو عمرانية فحسب، بل كانتا تعيدان تعريف معنى الدمار.

فالركام في غزة ليس حجارة صامتة، إنه ذاكرة مدينة، وصدى أصوات غابت، وملامح بيوت كانت عامرة بالحب والحياة. وحين يتحول هذا الركام إلى لبنة في بناء جديد، فإن ما يعاد بناؤه ليس الجدران وحدها، بل الإرادة أيضا. وكأن المشروع كله يهمس للعالم: تستطيعون أن تهدموا ما شئتم، لكنكم لن تستطيعوا هدم قدرة الإنسان على النهوض.

هنا بالضبط تتجلى عظمة التجربة الفلسطينية. ففلسطين لم تكن يوما حكاية مواجهة عسكرية فقط، ولم تكن مقاومتها محصورة في شكل واحد من أشكال النضال. ولعل الشهيد الرمز ياسر عرفات، أبو عمار، لخّص هذه الحقيقة الخالدة عندما قال يوما: “الثورة الفلسطينية ليست بندقية فحسب، فإن كانت كذلك فهي قاطعة طريق، بل هي قلم كاتب، ونبض شاعر، ومبضع طبيب، وإبرة امرأة فلسطينية تخيط قميص زوجها الفدائي”.

واليوم، تأتي تالا وفرح لتضيفا سطرا جديدا إلى هذه المقولة الخالدة. فالثورة أيضا فكرة مبتكرة تولد من بين الأنقاض. والثورة مشروع بيئي يعيد الحياة إلى ما أرادت الحرب تحويله إلى موت دائم. والثورة شابتان تحملان الركام إلى مختبر الإبداع بدل أن تتركاه شاهدا على المأساة.

إن النضال الفلسطيني، بكل تجلياته، يشبه نهرا عظيما تتلاقى فيه روافد متعددة. هناك الشهيد الذي يكتب بدمه سيرة الوطن، وهناك المعلم الذي يحرس الوعي، والطبيب الذي يحرس الحياة، والأم التي تحرس الذاكرة، والمهندس الذي يبني ما تهدم، والمبدع الذي يحول الألم إلى فكرة. وكل هؤلاء يشكلون معا المعنى الحقيقي للصمود الفلسطيني.

ومن هنا لا يمكن النظر إلى إنجاز الشقيقتين باعتباره نجاحا شخصيا معزولا. إنه امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من الإصرار الفلسطيني على تحويل المأساة إلى قوة، والحرمان إلى دافع، والجرح إلى طاقة خلاقة. فهذه الأرض التي أنجبت الشعراء والمفكرين والأطباء والعلماء والمقاومين، لا تزال قادرة على إنجاب من يبتكرون الحياة من قلب الموت.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القصة أنها تكشف وجها آخر لغزة، وجها لا تراه عدسات الأخبار كثيرا. فالعالم اعتاد مشاهدة صور القصف والدمار، لكنه نادرا ما يرى المختبرات الصغيرة التي تولد فيها الأفكار الكبيرة، أو الطلاب الذين يدرسون على ضوء الأمل رغم العتمة، أو الفتيات اللواتي يحولن المأساة إلى مشاريع عالمية ملهمة.

غزة التي لا يراها العالم كثيرا ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مدينة تقاوم النسيان بالإبداع، وتقاوم الحصار بالمعرفة، وتقاوم الموت بالإصرار على الحياة. وفي كل شارع من شوارعها قصة تشبه قصة تالا وفرح، تنتظر فقط من يرويها.

كما أن هذه التجربة تفتح نافذة واسعة على الدور الريادي للمرأة الفلسطينية. فالمرأة هنا ليست مجرد شاهدة على الأحداث أو متلقية لنتائجها، بل شريك أصيل في صناعة المستقبل. لقد كانت الفلسطينية عبر التاريخ أم الشهيد، وزوجة الأسير، ومربية الأجيال، وحارسة الذاكرة. واليوم تواصل دورها بوصفها قائدة ومبتكرة وصانعة تغيير.

وتالا وفرح ليستا مجرد شابتين فازتا بجائزة عالمية، بل هما صورة لجيل فلسطيني جديد يرفض أن يكون أسيرا لظروفه، ويؤمن بأن الحلم ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء. جيل يفهم أن الأمل ليس شعورا عابرا، بل مشروع عمل يومي، وأن المستقبل لا ينتظر بل يصنع.

إن أعظم ما في هذه الحكاية أنها تعيد ترتيب أولويات الإعمار. فإعادة بناء الحجر مهمة ضرورية، لكن إعادة بناء الإنسان هي المهمة الأسمى. فالمباني يمكن أن تعود خلال سنوات، أما النفوس المثقلة بالحرب فتحتاج إلى نماذج تلهمها وتعيد إليها الثقة بقدرتها على النهوض. وهذا ما فعلته الشقيقتان تماما؛ إذ لم تعيدا تدوير الركام فقط، بل أعادتا تدوير الأمل نفسه، وحولتا الإحباط إلى إمكانية، والوجع إلى رسالة.

وفي النهاية، لا تبدو قصة تالا وفرح مجرد خبر عابر في وسائل الإعلام، بل تبدو وكأنها بيان فلسطيني جديد يكتب بلغة مختلفة. بيان يقول إن الشعب الذي يستطيع أن يصنع مشروعا للحياة من بقايا الدمار هو شعب لا يهزم. وإن الأمة التي تنجب فتيات يحملن الركام إلى منصات العالم بوصفه مشروعا للأمل، لا يمكن أن تختزل في صور المأساة وحدها.

لقد كانت الحرب تنتج الأنقاض، وكانت الشقيقتان تنتجان المعنى. كانت الحرب تبني مشهد الخراب، وكانتا تبنيان مشهد المستقبل. وبين المشروعين انتصرت إرادة الإنسان. ومن بين آلاف الفرق العالمية، لم تفز تالا وفرح بجائزة فحسب، بل قدمتا للعالم درسا أخلاقيا وإنسانيا بالغ العمق: أن الركام ليس نهاية الحكاية، وأن الشعوب العظيمة لا تعرف بقدرتها على تجنب المآسي، بل بقدرتها على تحويلها إلى نهضة. وأن غزة، التي حاول كثيرون تقديمها باعتبارها مدينة للخراب، ما تزال قادرة على أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها مدينة تصنع الحياة من بقايا الموت، والأمل من رحم المستحيل.

عندما ينبت الأمل من عمق الخراب.. تالا وفرح.. قصة شقيقتين تهزمان الحرب

بقلم: سامي إبراهيم فودة – غزة

حين تسقط القذائف فوق المدن، يظن صانعو الحروب أنهم أسقطوا معها كل شيء؛ البيوت والأحلام والذكريات وملامح المستقبل. وحين تتراكم أكوام الركام في الشوارع والأحياء، يعتقدون أن الحياة قد رفعت رايتها البيضاء أخيرا، وأن الإنسان لن يجد في قلبه متسعا للأمل بعد كل هذا الخراب. لكنهم ينسون حقيقة أثبتها التاريخ مرارا: أن الشعوب التي تعلّمت صناعة الحياة من رحم الألم لا تهزم بسهولة، وأن الإنسان حين يتشبث بإرادته يصبح أقوى من أدوات الموت مهما بلغت قسوتها.

وفي غزة، المدينة التي تعوّدت أن تنهض من تحت الأنقاض كما ينهض الزرع بعد العاصفة، تتجدد الحكايات التي تؤكد أن الحياة قادرة دائما على الانتصار. ومن بين آلاف القصص التي ولدت وسط الحرب والحصار والدمار، تبرز قصة شقيقتين اختارتا أن تواجها المأساة بطريقة مختلفة؛ لا بالبكاء على الأطلال، ولا بالاستسلام لليأس، بل بتحويل الركام نفسه إلى رسالة حياة، وتحويل الخراب إلى فرصة جديدة للإبداع والإنجاز.

الانتصار على منطق الحرب

الحروب صممت لتدمر الإنسان قبل الحجر، ولتقنع الضحية بأن الهزيمة قدر محتوم لا يمكن الفرار منه. فهي لا تستهدف المباني وحدها، بل تستهدف الروح، وتحاول أن تقتل في الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على الحلم. غير أن الشقيقتين قلبتا هذه المعادلة رأسا على عقب. ففي الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب تنتج المزيد من الدمار، كانتا تنتجان فكرة جديدة للحياة. وفي اللحظة التي أراد فيها الخراب أن يفرض منطقه، جاء الإبداع ليعلن هزيمته.

لم تمتلكا ثروة كبيرة، ولا إمكانات استثنائية، لكنهما امتلكتا ما هو أثمن من ذلك كله: الإيمان بالفكرة، والثقة بالقدرة على النهوض، والإصرار على أن تكون الحياة أقوى من الموت. لقد أثبتتا أن الإنسان ليس مجرد ضحية للأحداث، بل قادر على إعادة تشكيل واقعه مهما بلغت قسوة الظروف، وأن الإبداع في زمن الحرب ليس ترفا، بل فعل مقاومة وانتصار أخلاقي وإنساني على فلسفة الهدم والخراب.

الركام بوصفه مادة للحياة لا للموت

في غزة، لا تشبه الأنقاض أي أنقاض أخرى. فكل حجر يحمل قصة بيت كان عامرا بالدفء، وكل قطعة إسمنت تخفي ذكرى عائلة كانت تعيش أحلامها البسيطة، وكل زاوية مهدمة تختزن ضحكات أطفال وأصوات أمهات وحكايات عمر كامل.

ولذلك فإن النظر إلى الركام باعتباره مجرد مخلفات هندسية يفقده معناه الإنساني العميق. لكن الشقيقتين قرأتا المشهد بطريقة مختلفة. لم تنظرا إلى الركام باعتباره نهاية الطريق، بل بداية طريق جديد. لم ترياه شاهدا على الموت فقط، بل مادة يمكن أن تصاغ منها رسالة أمل، وتجربة نجاح، وفكرة تنبض بالحياة.

وهنا تكمن عبقرية التجربة؛ فهي لم تكن مجرد إعادة استخدام للأنقاض، بل إعادة تعريف لمعنى الدمار نفسه، وانتقالا من ثقافة الفقد إلى ثقافة البناء، ومن مشهد الانهيار إلى مشهد النهوض.

غزة التي لا يراها العالم

حين تذكر غزة في نشرات الأخبار، تظهر غالبا في صورة الدمار والدموع والنزوح والمجازر. لكن خلف هذه المشاهد توجد غزة أخرى لا تصل كثيرا إلى عدسات الكاميرات. هناك غزة التي تزرع رغم الجفاف، وتتعلم رغم الحصار، وتبتكر رغم قلة الإمكانات، وتتمسك بالحياة رغم كل ما يحيط بها من موت. هناك شباب يطلقون المبادرات، ونساء يؤسسن المشاريع، وأطفال يصرّون على مواصلة تعليمهم تحت القصف، وعائلات تعيد ترتيب تفاصيل حياتها اليومية وسط ظروف تبدو مستحيلة.

وقصة الشقيقتين ليست استثناء من هذه الصورة، بل جزء أصيل منها. إنها صورة الإنسان الفلسطيني الذي يرفض أن يختزل في دور الضحية، ويصرّ على أن يكون شريكا في صناعة مستقبله، مهما كانت التحديات.

المقاومة بالمعرفة والإبداع

ليست كل مقاومة بندقية، وليست كل مواجهة تتم على خطوط النار. فهناك مقاومة من نوع آخر، لا تقل أهمية ولا تأثيرا؛ مقاومة تبني بدلا من أن تهدم، وتزرع بدلا من أن تقتلع، وتنتج المعرفة بدلا من الاستسلام للجهل.

لقد قدمت الشقيقتان نموذجا حيا لهذا النوع من المقاومة.

فالمشروع الذي ولد من قلب الركام لم يكن مجرد نشاط اقتصادي أو مبادرة اجتماعية، بل رسالة تؤكد أن الشعب الفلسطيني قادر على الدفاع عن وجوده وكرامته من خلال الإبداع والعمل والإنتاج أيضا. فالإنجاز الفردي حين يتحول إلى مصدر إلهام للآخرين يصبح إنجازا جماعيا، ويغدو جزءا من معركة الصمود والبقاء والحفاظ على الهوية الوطنية.

المرأة الفلسطينية وإعادة تشكيل المستقبل

لطالما حاولت الحروب دفع النساء إلى هامش المشهد، لكن المرأة الفلسطينية كانت دائما في قلب الأحداث. كانت الأم التي تحمي أبناءها، والمعلمة التي تواصل رسالتها، والممرضة التي تضمد الجراح، والمزارعة التي تحرس الأرض، والمناضلة التي تشارك في صناعة التاريخ. واليوم تثبت المرأة الفلسطينية أنها أيضا رائدة أعمال وصانعة مبادرات وقائدة للتغيير المجتمعي.

ومن خلال هذه التجربة الملهمة، تؤكد الشقيقتان أن المرأة الفلسطينية ليست متلقية لنتائج الحرب، بل شريكا حقيقيا في صناعة الحلول وابتكار البدائل وقيادة عملية التعافي وإعادة البناء. إنهما تمثلان صورة مشرقة لنساء فلسطين اللواتي ينهضن كل صباح لإعادة ترميم ما تهدم، ليس فقط في البيوت والشوارع، بل في النفوس والأحلام أيضا.

عندما يصبح الأمل مشروعا

الأمل الحقيقي ليس شعورا عابرا، ولا كلمات جميلة تقال في أوقات الأزمات. الأمل يصبح قوة حقيقية حين يتحول إلى عمل، وإلى فكرة قابلة للحياة، وإلى مشروع يراه الناس ويلمسون نتائجه. وهذا بالضبط ما فعلته الشقيقتان. فقد نقلتا الأمل من دائرة الأمنيات إلى دائرة الإنجاز، ومن مساحة الحلم إلى مساحة الواقع، وحولتا الفكرة البسيطة إلى نموذج قادر على إلهام مجتمع بأكمله. وهكذا أصبح الأمل إستراتيجية للبقاء، لا مجرد حالة نفسية مؤقتة.

من الهامش إلى العالم

من مدينة محاصرة ومثقلة بالجراح خرجت قصة استطاعت أن تتجاوز الحدود والجغرافيا والسياسة. وهنا تتجلى قوة الحكاية الإنسانية. فالعالم قد يختلف حول السياسة، لكنه يفهم لغة الإنسان حين ينتصر للحياة، ويفهم معنى أن يقف شخص أمام الخراب ويقرر أن يصنع منه نجاحا.

لقد أثبتت هذه التجربة أن القصة الإنسانية الصادقة قادرة على اختراق الحصار والعزلة والوصول إلى العالم كله، وأن صوت غزة لا يخرج فقط من بين أصوات الانفجارات، بل أيضا من بين أصوات النجاح والإبداع والإنجاز.

إعادة إعمار الإنسان قبل الحجر

إعادة بناء المباني تحتاج إلى وقت وإمكانات. أما إعادة بناء الإنسان فهي المهمة الأصعب والأعمق. فالنفوس المثقلة بالحروب تحتاج إلى من يعيد إليها الثقة، ويمنحها أسبابا جديدة للاستمرار، ويذكّرها بأن المستقبل ما زال ممكنا.

ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه المبادرات؛ لأنها لا ترمم الجدران فقط، بل ترمم المعنى ذاته، ولا تعيد بناء المكان فحسب، بل تعيد بناء الإنسان وروحه وثقته بنفسه. فكل مشروع يولد من قلب المعاناة هو رسالة تقول للناس إن الحياة ما زالت هنا، وإن الأمل لم يغادر هذه الأرض.

خاتمة

لم تبنِ الشقيقتان مشروعا من الركام فحسب، بل أعادتا تعريف معنى الحياة في غزة. فحين كانت الحرب تنتج الأنقاض، كانتا تنتجان الأمل. وحين كان الدمار يفرض منطقه، كان الإبداع يكتب رواية أخرى عنوانها الكرامة والبقاء والانتصار للحياة.

سترفع الأنقاض يوما، وستعاد إعمار البيوت والشوارع، لكن ما سيبقى في ذاكرة الأجيال هو تلك الإرادة التي رفضت الانكسار، وذلك الإيمان الذي انتصر على اليأس، وذلك الإنسان الذي نظر إلى الخراب فرأى فيه فرصة جديدة للحياة.

وهكذا تثبت غزة مرة أخرى أنها ليست مدينة تبحث عن الشفقة، بل مدينة تصنع المعجزات بصمت، وتكتب فوق الركام حكاية شعب يؤمن أن الشمس لا بد أن تشرق مهما طال الليل، وأن الحياة قادرة دائما على الانتصار. وهذه هي الحقيقة التي تخشاها الحروب دائما: أن الإنسان حين يؤمن بالحياة، يصبح أقوى من الخراب.

النور يكمن في قلب العتمة

بقلم: د. إياس الخطيب – سوريا

تبرز إرادة الإنسان بأبهى صورها وأكثرها قدرة على التأثير -في كثير من الأحيان- في أكثر اللحظات الحالكة.. “ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها.. فرجت، وكنت أظنّها لا تفرج”.. وهذا ما حملته لنا كثيرا صفحات التاريخ والتجارب الإنسانية المختلفة.. كيف للأمل أن يبزغ في أكثر اللحظات المثقلة بالوجعِ.. والألم.. والفقد.. هذا ما يذكرني بقول لأحد الفلاسفة يقول فيه: لا تنظر إلى العتمةِ بعينين مغمضتين.. فالنور، يكمن في قلبِ العتمة!

لم تكن الحرب يوما نهاية للزمن، بل بداية لإعادة إنتاج الأمل، ولحظة لصياغة وتشكيل الوعي، وفرصة للنهوض من جديد، وعتبة لرسم المشهد من زاويةٍ بل وزوايا مختلفة.. ولم يأتِ انتصار الشقيقتين الفلسطينيتين تالا وفرح موسى في جائزة الأرض 2026 إلّا تجسيدا لوردةٍ زرقاء تخرج من بين الصخور وتشقّ طريقها نحو السّماء، وتجسيدا للضوء المنبعث من قلبِ العتمة، وللصوت الصارخ في وجه الظلم بأنّ: “إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بدّ أن يستجيب القدر (ولو بعد حين) / ولا بدّ لليل أن ينجلي.. ولا بدّ للقيدِ أن ينكسر”. فرح وتالا أزالتا القيد الذي كبّل أصفاد وأعناق الكثيرين، ليؤكدا بأنّ: وللحرية الحمراء بابٌ.. بكلِّ يدٍ مضرّجةٍ يدقّ.. وبأنّ الحق سيستعاد، ولو بعد حين، وأنّ الإبداع أقوى من آلة الدمار والقتل والتشريد، وبأنّ إرادة الإنسان أقوى من شوكِ الظلم، وأبلغ من زيفِ الاحتلالات..

لم تنظر هاتان الطفلتان إلى دمار بيوت غزة على أنها أحجار تراكمت فوق بعضها مشكلة جبالا من خرابٍ.. أو على أنها ركام من طين وتراب.. بل نظرتا إلى الوجع على أنه طريق للخلاص، ونافذة بدايةٍ جديدة.. لم تنظرا للأرض وهي تحمل أثقالها وأوجاعها، بل نظرتا إلى خلف الجبال لتريان الشمس لا تزال تشرق.. ولو من بعيد.. وإلى الأرض بأنها لا تزال قادرة على أن تتنفس، على الرغمِ من كل الدمار الذي يحاول خنقها، وعلى الرغم من كل الأشلاء – أشلاء الأطفال – التي ارتطمت بالرياح وهي تصفر وتجول بيوتات غزة، قبل أن تسقط وترتطم بالأرض، لترفع الأرض هذه الأشلاء من جديد، وتكون شاهدة على زمنٍ تجلّى به الظلم بأوسع معانيه.. لكنّها كانت كفيلة بتعرية جبن المعتدي، وخزي المحتل، وتذكيره بأنّه سيهزم.. وعلى هذه الأرض بالتحديد..

لم تكن الأنقاض في عيني هاتين الطفلتين إلّا رسالة يجب أن تبعث للآخر، بأنّ الأنقاض هي شواهد، وهي تاريخ، وبقايا ذاكرة.. لذلك عملتا على تحويل الأنقاض إلى مشروع بناء، ليذكّرا الجميع مجددا، وخاصة من غادر هذه الأرض، بأن ارجعوا.. “فعلى هذه الأرض، ما يستحق الحياة”..

ولتنتجا من الأنقاض رسالة، بأنّه ومن عمق الألم والدمار، تشرق البدايات الجديدة..

غزة.. هذه المدينة الوادعة، التي خنقها دخان الحرب، وملّها الدمار، وملأت شوارعها رائحة الدم، وطاولت ما تبقى من أبنيتها ألسنة النار، وشوّهت معالمها شظايا الرصاص الذي ثقب ليس الجدران، بل ثقب ما تبقى من معنى للإنسانية.. غزّة التي عرّت جبن العالم، ونعتِ الضمير، وكشفت كم هذا العالم مشوّها، غزّة التي قصِف أهلها وهم في طوابيرٍ يمدّون أيديهم ليحصلوا على قليلٍ.. بل فتاتٍ من طعام، أفواههم فاغرة، فسقط بها الرصاص بدل القمح، والدماء بدل الماء.. في زحمة تشوّهِ الإنسانية الذي تجسّد في أعمق معانيه في غزّة، بزغ منها وجه طفلتين، أعادتا صنع الأمل، ونسج خيوطِ الفرح، ورسم مفرداتِ الحياة بعيدا عن الموت، والضياع، والتشرّد..

بزغتا لتثبتان بأنّ من يعيشون في غزّة تليق بهم الحياة.. بعيدا عن ضحكة “ترامب” الوردية، الذي لا ينظر لغزّة إلّا على أنّها منتجعٌ لأحلامِه السّافرة.. ترامب الذي يريد اختزال حضارةِ الإنسان، وتراث البلدان، وتاريخ الأوطان لم يدرك بعد، بأنّ جذور أشجار الزيتون في فلسطين، أقدم من تاريخ دولته برمّتها..

لم تقتصر مفردات المقاومةِ يوما على السّلاح والمدفع الرابضِ على الجبهات، بل كانت المقاومة في صورها الكثيرة: علمٌ، وإبداعٌ، وإعلامٌ، وهويّة، وابتكار.. تشبّثٌ بالأرض، وانتماء، وعدم انسلاخ، وتجذّر وصمود.. لم تقتصر المقاومة على الرصاصة، بل كانت وما زالت هي الحرف، والكلمة، والأثر، والإنجاز، والاختراع..

لم ترسم معالم الوطن الدبابة، وراجمة الصواريخ.. بل من شكّلت هويّة الوطن هي العقول التي فكرت، والأيدي التي عملتْ وأنجزت، والأدمغة التي ابتكرت، والصناعات التي طوّرت، والأفكار التي تولّدت.. فطبّقت، وأثرا أحدثت.. والأقلام التي سطّرت، والأناشيد التي هزجت، وخيوط النسيج التي طرّزت.. عباءة فلسطينية واحدة، أقدم من تاريخ دولٍ بأكملها..

وليس غريبا على فرح وتالا أن تنسجا خيوط قصّةِ نجاحٍ.. وفرح، في أكثر لحظات غزّة الحالكة.. فالشّمس تبزغ بعد أن يسدِل الظلام خيوطه، والفجر في كلِّ يومٍ يشقّ طريقه إلينا وسط زحام العتمة..

من زاويةٍ ضيّقة، يشقّ النور طريقه، وبعدها ينتشر في الأفقِ، ويشكّل دروبا من آفاق.. ومن مدينة صغيرةٍ كانت يوما على الهامش، إلى العالميّة بفضل أبنائها.. مدينةٌ ترسل رسالة إلى أقاصي الدنيا: مهما حاولتم خنقتنا، نستطيع كطائر العنقاء أن ننهض من جديد، فمن اعتاد الحياة، مهما حاولتم خنقه.. سيبقى عصيّا على الموت..

يخرجون من تحت الركام..

بقلم: شوقية عروق منصور – فلسطين

قبل عقود، تساءلت “غولدا مائير” أمام وسائل الاعلام: “أين هو الشعب الفلسطيني؟”، كأنها بهذا التساؤل أرادت أن تمحو شعبا وتاريخا ووجوها وأدبا وشعرا وأرضا وكفاحا، أرادت أن تلجأ إلى ملفات التاريخ وتشعل النار في الذاكرة وتحولها إلى رماد تنثره في الهواء.

التاريخ ليس لعبة يراهنون عليها ويقامرون، بل التاريخ صفحات يقظة مهما كانت مطوية ومخبأة في السراديب السرية لا بد أن تتمرد وتخرج من الثقوب ومن بين شقوق الجدران ومن بين الملامح وتقاسيم الوجوه التي تصمم وتتدرب على تكملة الطريق.

لقد واجه الشعب الفلسطيني عملية المسح بمقاومة القرار، قراره أن يبقى على خط تماس الذاكرة وفتحها على بحار المراكب التي تبحر في كل الاتجاهات، لذلك داهمت الذاكرة الماضي بالتراث من الأغاني حتى اللباس إلى البيوت الطينية، إلى الأطعمة، إلى الثورات ومقارعة الاحتلال، وجعلت من التحدي عنوانا مضيئا يمطر إصرارا وأسوارا تحيط بشخصيته التي أبرزها معانقا تخرجها من مدرسة الشموخ والعنفوان.

يعترف الشعب الفلسطيني أنه وُضع في المزاد العلني، وتلطخت أصابعه بحبر التنازلات، ورغم ذلك كانت الحروب والطعنات، ومع كل حرب يتوهمون أن قصة الشعب انتهت بالذبول وهروبه إلى قدره المرسوم على شفاه الزعماء والقادة الذين يحركون الكرة الأرضية بأصابعهم الملوثة بالمؤامرات، لكن كلما ضحكت الأيام لهؤلاء القادة واعتقدوا أن الظروف مواتية لخنق هذا الشعب داخل برميل من الصمت والركوع للقرارات، يخرج من بين الركام صوتا وقلما ولوحة وأغنية ورفضا، ينسلون من تحت الركام وجوها تنتمي لتاريخ وصل للتو إلى قراره: ما يزال عشقه لأرضه وتاريخه وذاكرته، وما يزال حضوره يضيء الأمكنة، أنه ينتمي لنار متأججة لا أحد يستطيع إطفاء لهيبها ويستحيل أن يسطر السطر الأخير في حكايته .

أمثال التحديات الفلسطينية كثيرة، والانطلاقات أصبحت تغطي وسائل الاعلام، تمزق أقنعة الذين يحاولون اتهام المسافات السياسية والسنوات الكفاحية بالتعب والتراخي.

الشقيقتان “تالا وفرح موسى” تفوزان وتحصدان جائزة الأرض لعام 2026 ” – مسابقة عالمية في مجال الاستدامة البيئية للفئة العمرية 13-19 عاما – على مستوى الشرق الأوسط، وقد تم تتويجهما بالمركز الأول من بين جميع الفرق المشاركة في المنطقة، وبهذا الفوز يتأهل فريق “بناء الأمل – فلسطين” إلى المرحلة النهائية من جائزة “الأرض” العالمية للعام 2026.

الجدير بالذكر أن “بناء الأمل – فلسطين” أول فريق فلسطيني يصل إلى هذا المستوى العالمي في تاريخ المسابقة، بعد منافسة شارك فيها “6095 فريقا” من جميع أنحاء العالم.

حين تتسع الأحلام وتشير عبر غربتها ونضالها إلى بوصلة النجاح يكون الفرح “العنوان الوحيد المسموح اضاءته” لأن هناك من يصادر تلك الاحلام ويحاصر الحناجر ويقوم بتحطيم الأصابع والأسوأ حين تفوح من عيون ومسامات الغرباء روائح الكره والمطالبة بإغلاق جميع الجهات خوفا من تسلل الضوء، كي يبقى الظلام عنوانا للشعب.

نعترف أن اسم الفلسطيني “ممنوع من الصرف”، ورغم صراخه وطول إقامته في النكبات والجوع والحرمان والأمراض واللجوء والخيام، رغم الشهداء والركض في المنافي، و”غزة” اليوم تمسك خيوط الوجع وآثار الدمار، تمنح العالم صورا من المقابر الموزعة على طول القطاع، ومستشفيات قد أصابها الإرهاق ولم تعد تجد الدواء، وأطفالا تنام طفولتهم على أرصفة الطرق التائهة بعد أن تدمر كل شيء، وغول الجوع يفترسهم مع غياب المدارس والمؤسسات التعليمية المناسبة.

لذلك أي انتصار بسيط في بورصة العالم اللامبالي، وبورصة الرهان على دفن هذا الشعب، قد تكون لوحة رسم أو انطلاق أغنية فلسطينية أو تطريز ثوب أو اصدار كتاب أو قفز رياضي وغيرها من التفاصيل الصغيرة التي تكون خيوطا تخيط الخارطة الكبيرة، هذه التفاصيل الصغيرة هي بصمات تؤكد وجود هذا الشعب والقدرة على الصعود والتألق والنجاح، ورفع كأس الاعتزاز بهويته. لذلك يبقى فوز “تالا وفرح موسى” الحقيقة الوحيدة التي تطارد الأصابع التي تخطط لطي الصفحات الفلسطينية ورميها في سراديب التاريخ.

شقيقتان فلسطينيتان تعيدان تعريف معنى الحياة والامل في غزة

بقلم: شريف إبراهيم أحمد – مصر

في المدن التي تعبرها الحروب، يصبح الركام لغةً يومية، وتتحول الأنقاض إلى جزء من المشهد المعتاد. هناك، حيث يُفترض أن تنتهي الحكايات تحت الغبار، تبدأ أحيانًا قصص استثنائية قادرة على إعادة تعريف الحياة نفسها.

هذا ما فعلته الشقيقتان الفلسطينيتان تالا سامر موسى وفرح سامر موسى، حين نجحتا في تحقيق إنجاز عالمي غير مسبوق بفوزهما بجائزة الأرض العالمية 2026 عن منطقة الشرق الأوسط، لتصبحا أول فريق فلسطيني يصل إلى المرحلة النهائية من هذه المسابقة الدولية التي شارك فيها أكثر من ستة آلاف فريق من مختلف أنحاء العالم.

لكن قيمة هذا الإنجاز لا تكمن في الجائزة وحدها، ولا في الدعم المالي الذي حصل عليه المشروع، بل في الفكرة التي تقف خلفه؛ فكرة تنبع من قلب المأساة وتواجه منطق الحرب بأدوات الحياة.

فالحرب، منذ فجر التاريخ، صُممت لكي تهدم. تهدم البيوت والطرق والمدارس، لكنها تحاول أيضًا أن تهدم الإنسان من الداخل، وأن تقنعه بأن الخراب هو المصير الأخير. غير أن تالا وفرح قررتا قلب المعادلة. ففي الوقت الذي كانت فيه الحرب تنتج مزيدًا من الأنقاض، كانتا تبحثان داخل تلك الأنقاض عن إمكانية جديدة للحياة.

من هنا وُلد مشروعهما القائم على إعادة تدوير الركام وتحويله إلى كتل قابلة لإعادة الاستخدام في البناء، بما يساهم في إعادة الإعمار وإشراك الشباب في عملية النهوض المجتمعي. إنها فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها فلسفة عميقة: تحويل رمز الدمار إلى أداة للبناء.

فالركام في غزة ليس مجرد حجارة مكسورة. إنه ذاكرة منازل، وحكايات عائلات، وآثار طفولة، وشواهد على ألم طويل. وعندما يتحول هذا الركام إلى مادة لبناء جديد، فإن الأمر يتجاوز البعد الهندسي أو البيئي، ليصبح فعلًا إنسانيًا يعيد كتابة معنى الفقد نفسه. إنها رحلة من ثقافة الانكسار إلى ثقافة النهوض، ومن الإحساس بالخسارة إلى القدرة على صناعة المستقبل.

وبعيدًا عن الصور النمطية التي تختزل غزة في مشاهد القصف والدمار، تكشف قصة تالا وفرح وجهًا آخر للمدينة المحاصرة؛ وجهًا لا يظهر كثيرًا في نشرات الأخبار. فهناك، خلف الأخبار العاجلة والعناوين الثقيلة، يعيش أناس يبتكرون ويبدعون ويحلمون. أناس لا يكتفون بالبقاء على قيد الحياة، بل يسعون إلى صناعة حياة أفضل لأنفسهم ولمجتمعهم.

إن ما قدمته الشقيقتان يمثل شكلًا مختلفًا من أشكال المقاومة؛ مقاومة لا تعتمد على السلاح، بل على المعرفة والإبداع والعمل. فالمقاومة ليست دائمًا مواجهة مباشرة، بل قد تكون مشروعًا صغيرًا يفتح نافذة أمل، أو فكرة ذكية تمنح المجتمع قدرة أكبر على الصمود. وهنا يتحول الإنجاز الفردي إلى فعل جماعي، وتصبح الفكرة مصدر إلهام لجيل كامل يبحث عن طريقه وسط الظروف القاسية.

كما تبرز هذه التجربة الدور المتنامي للمرأة الفلسطينية في إعادة تشكيل المستقبل. فالمرأة التي طالما ظهرت في المشهد بوصفها متحملة لأعباء الحرب وآلامها، تثبت اليوم أنها أيضًا شريك أساسي في صناعة التعافي والتنمية والتغيير. وتالا وفرح ليستا مجرد فائزتين بجائزة عالمية، بل نموذجًا لجيل من الشابات الفلسطينيات اللواتي يقدن التحولات المجتمعية من خلال العلم والابتكار والمبادرة.

ولعل أكثر ما يميز هذه القصة أنها تقدم تعريفًا جديدًا للأمل. فالأمل هنا ليس شعورًا عابرًا أو أمنية مؤجلة، بل مشروع عمل حقيقي. إنه خطة قابلة للتنفيذ، وفكرة تتحول إلى نتائج ملموسة، وحلم يخرج من دائرة التمني إلى فضاء الإنجاز.

ومن مدينة تعيش ظروفًا استثنائية، استطاعت حكاية الشقيقتين أن تعبرا الحدود السياسية والجغرافية، وأن تصلا إلى منصة عالمية مرموقة. وهكذا انتصرت القصة الإنسانية على العزلة، وانتصر الإبداع على الحصار، ووصل صوت غزة إلى العالم بلغة يفهمها الجميع: لغة الأمل.

إن المباني المهدمة يمكن إعادة بنائها يومًا ما، لكن التحدي الأكبر يظل في إعادة بناء الإنسان نفسه. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمبادرات كهذه؛ فهي لا تعيد إعمار الحجر فقط، بل ترمم الثقة، وتوقظ الحلم، وتمنح المجتمع قدرة جديدة على النهوض.

لم تبنِ تالا وفرح مشروعًا من الركام فحسب، بل أعادتا تعريف معنى الحياة في غزة. فحين كانت الحرب تنتج الأنقاض، كانتا تنتجان الأمل. وبين منطق الهدم ومنطق البناء، اختارتا أن تكونا شاهدتين على قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل الجراح إلى طاقة، والخراب إلى فرصة، والركام إلى رسالة تقول للعالم كله إن الحياة، مهما اشتدت العواصف، ما تزال قادرة على الانتصار.

الشقيقتان تالا وفرح موسى لـ”الأيام نيوز”: إذا كان الركام نتيجة للدمار.. فلماذا لا نجعله جزءا من الحل؟

أجرت الحوار: رانية فؤاد مرجية

الشقيقتان الفلسطينيتان تالا موسى (17 عامًا) وفرح موسى (15 عامًا) تمكنتا من تحويل مشهد الدمار الذي يحيط بهما إلى فكرة مبتكرة حملت اسم (Build Hope) “بناء الأمل”، وهو مشروع يقوم على إعادة تدوير ركام المباني المدمرة وتحويله إلى قوالب بناء قابلة لإعادة الاستخدام في أعمال الأعمار.

“تالا” حاليا في الصف الحادي عشر، وفرح في الصف العاشر، من سكان المحافظة الوسطي في قطاع غزة، كانتا قبل الحرب من سكان مدنية “الزهراء” التي درمها الاحتلال خلال الحرب على بكرة أبيها، ولم يبقي فيها سواء الركام.

بعد جهد ومسيرة من التعب وبعد فوزهما ضمن 35 فريق متأهل للمسابقة من بين ما يزيد عن 6000 فريق شارك حول العالم، حصدت “تالا” و”فرح” جائزة الأرض 2026 (The Earth Prize) عن منطقة الشرق الأوسط، ليكون مشروعهما بين 07 مشاريع إقليمه، ونال مشروعهما مرتبة متقدمة جدا على مستوى العالم بعد عملية تصويت الالكترونية جرت في المرحلة الأخيرة من المسابقة.

المسابقة والجائزة هي واحدة من أكبر الجوائز البيئية العالمية المخصصة للشباب، وتدعم الأفكار القادرة على إحداث أثر بيئي ومجتمعي حقيقي.

الأيام نيوز: من بين كل الصور التي اختزنتها الحرب في ذاكرتكما، لماذا كانت صورة الركام تحديدا هي الشرارة الأولى لفكرة المشروع؟

تالا وفرح موسى: الركام لم يكن مجرد حجارة متناثرة بالنسبة لنا، بل كان شيئًا نراه كل يوم ويحمل داخله قصصًا كاملة. كنا ننظر إليه ونعرف أن كل قطعة منه كانت يومًا جزءًا من منزل أو غرفة أو نافذة عاش خلفها أشخاص لديهم أحلام وذكريات وحياة طبيعية.

أكثر ما أثّر فينا أن هذا المشهد أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. ومع الوقت بدأنا نتساءل: إذا كان الركام نتيجة للدمار، فلماذا لا نحاول أن نجعله جزءًا من الحل؟ لماذا يبقى رمزًا للخسارة فقط؟ من هنا بدأت فكرة “بناء الأمل”.

الأيام نيوز: متى أدركتما أن ما تنظران إليه، بوصفه أثرًا للدمار، يمكن أن يتحول إلى فرصة للحياة من جديد؟

تالا وفرح موسى: بدأ هذا الإدراك عندما توقفنا عن النظر إلى الركام باعتباره نهاية القصة، وبدأنا ننظر إليه باعتباره مادة يمكن الاستفادة منها. خلال بحثنا وقراءتنا وتجاربنا الأولية، اكتشفنا أن كثيرًا من المواد التي نعتبرها نفايات يمكن أن تتحول إلى موارد مفيدة إذا تعاملنا معها بطريقة مختلفة. في تلك اللحظة شعرنا أن الفكرة ليست مجرد حلم، بل إمكانية حقيقية. أدركنا أن الحياة يمكن أن تنبت من الأماكن التي يظن الجميع أنها انتهت.

الأيام نيوز: كيف غيّرت هذه التجربة نظرتكما إلى الخسارة وإلى قدرة الإنسان على النهوض بعد الانكسار؟

تالا وفرح موسى: علمتنا التجربة أن الخسارة مؤلمة وأن هناك أشياء لا يمكن تعويضها بسهولة، لكن الإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف والاستمرار. أصبحنا نؤمن أن القوة ليست في ألا نسقط، بل في أن نجد طريقة للنهوض بعد كل سقوط. هذه الرحلة جعلتنا ندرك أن الأمل ليس مجرد شعور، بل قرار نتخذه كل يوم رغم الظروف.

الأيام نيوز: إلى أيّ مدى يمكن القول إن المشروع وُلد من تجربة شخصية قبل أن يصبح فكرة علمية أو بيئية؟

تالا وفرح موسى: إلى حد كبير جدا. المشروع لم يبدأ داخل مختبر أو مؤسسة بحثية، بل بدأ من تجربة عشناها نحن وعائلتنا ومجتمعنا. بدأ من بيت دُمّر، ومن شوارع امتلأت بالركام، ومن أسئلة حملناها معنا كل يوم.

لاحقًا أصبح المشروع قائمًا على البحث والتجارب والنماذج الأولية، لكنه في جوهره وُلد من تجربة إنسانية حقيقية.

الأيام نيوز: ما التحدي الأصعب الذي واجهكما خلال رحلة تطوير المشروع: الظروف المحيطة أم إقناع الآخرين بإمكانية نجاح الفكرة؟

تالا وفرح موسى: بصراحة، كان التحدّيان صعبين للغاية. فالظروف المحيطة في غزة كانت معقدة وقاسية، في ظل استمرار الحرب والقصف والاستهداف والنزوح والمجاعة، إضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء وتعذر احيانًا الوصول إلى الانترنت بشكل آمن، وصعوبة الوصول إلى المواد والإمكانات اللازمة.

وفي الوقت نفسه، لم يكن من السهل إقناع بعض الناس بأن فتاتين في عمرنا يمكن أن تطورا مشروعًا بيئيًا يعتمد على ركام الحرب. لكننا كنا نؤمن أن أفضل طريقة للإقناع هي العمل والنتائج، ومع كل خطوة كنا نكتسب ثقة أكبر ونكسب ثقة الآخرين أيضًا.

الأيام نيوز: كيف حافظتما على شغفكما وإيمانكما بالمشروع في لحظات الشك أو الإحباط؟

تالا وفرح موسى: كنا نتذكر دائمًا السبب الذي بدأنا من أجله. لم تكن الفكرة مجرد مشروع للمنافسة، بل كانت مرتبطة بحياة الناس ومستقبلهم.

كلما شعرنا بالإحباط كنا ننظر إلى الواقع من حولنا ونتذكر أن هناك حاجة حقيقية لهذا النوع من الحلول. كما أن دعم عائلتنا ومعلمينا والأشخاص الذين آمنوا بالفكرة منحنا قوة كبيرة للاستمرار.

الأيام نيوز: عندما أُعلن فوز المشروع على مستوى الشرق الأوسط، ما أول شخص خطر في بالكما، وما أول شعور انتابكما؟

تالا وفرح موسى: أول ما فكرنا فيه كان عائلتنا، وخاصة والدينا اللذين دعمانا منذ البداية وآمنا بنا حتى في أصعب اللحظات. أما الشعور الأول فكان مزيجًا من الدهشة والفرح والامتنان. احتجنا لبعض الوقت حتى نستوعب ما حدث، لكن أكثر ما أسعدنا هو أن الفكرة التي خرجت من غزة وصلت إلى هذا المستوى من التقدير

الأيام نيوز: ماذا يعني لكما أن ينتقل مشروع وُلد بين الأنقاض في غزة إلى منصة عالمية يتابعه العالم؟

تالا وفرح موسى: بالنسبة لنا، كان هذا دليلاً على أن الأفكار لا تُقاس بالمكان الذي وُلدت فيه، بل بالأثر الذي يمكن أن تصنعه.

أن تبدأ الفكرة وسط ظروف صعبة جدًا ثم تصل إلى منصة عالمية، فهذا يمنحنا إيمانًا أكبر بقوة الشباب وقدرتهم على التغيير. كما أنه منحنا فرصة لنقل صورة مختلفة عن غزة؛ صورة الشباب الذين يفكرون ويبتكرون ويبحثون عن حلول رغم كل التحديات.

الأيام نيوز: هل شعرتما في أيّ مرحلة أن مسؤولية تمثيل غزة وفلسطين أصبحت جزءاً من المشروع نفسه؟

تالا وفرح موسى: نعم، ومع كل خطوة كان هذا الشعور يكبر أكثر. عندما بدأ المشروع يحظى باهتمام إعلامي دولي، شعرنا أننا لا نمثل أنفسنا فقط، بل نمثل آلاف الشباب الفلسطينيين الذين يمتلكون أحلامًا وأفكارًا وفرصًا تستحق أن تُرى. كنا نريد أن يرى العالم أن غزة ليست فقط عنوانًا للحرب، بل أيضًا مكان مليء بالإبداع والطموح والإصرار على الحياة رغم كل شيء.

الأيام نيوز: برأيكما، ما الرسالة التي يحملها هذا الإنجاز للعالم بعيدا عن الأرقام والجوائز؟

تالا وفرح موسى: نعتقد أن أهم رسالة هي أن الأمل يمكن أن يولد حتى في أصعب الظروف. كما أن الشباب قادرون على تقديم حلول حقيقية عندما يحصلون على فرصة وثقة. بالنسبة لنا، الإنجاز لم يكن الفوز فقط، بل أن تصل رسالة المشروع إلى الناس وأن يدركوا أن الابتكار يمكن أن يكون أداة لبناء مستقبل أفضل حتى في الأماكن الأكثر تضررا.

الأيام نيوز: ما الذي تودان أن يعرفه الناس عن الشباب الفلسطيني من خلال هذه التجربة؟

تالا وفرح موسى: نود أن يعرف العالم أن الشباب الفلسطيني لا يعيش فقط وسط التحديات، بل يمتلك أيضًا طاقات كبيرة وأفكارًا وقدرات على الإبداع والابتكار. هناك آلاف القصص التي لا تصل إلى الإعلام، وآلاف الشباب الذين يحلمون ويجتهدون ويعملون رغم الظروف الصعبة. نأمل أن تكون تجربتنا نافذة صغيرة يطل منها العالم على هذا الجانب المشرق من المجتمع الفلسطيني.

الأيام نيوز: هل ترون أن الابتكار في أوقات الأزمات يصبح خيارا أم ضرورة تفرضها الظروف؟

تالا وفرح موسى: في كثير من الأحيان يصبح ضرورة أكثر منه خيارًا. عندما تواجه المجتمعات أزمات كبيرة، تظهر الحاجة إلى حلول جديدة وغير تقليدية. الأزمات قد تكون مؤلمة، لكنها أحيانًا تدفع الإنسان إلى التفكير بطريقة مختلفة وإلى اكتشاف قدرات لم يكن يعلم بوجودها.

الأيام نيوز: كيف تتخيّلان أثر المشروع إذا أُتيحت له الفرصة للانتقال من مرحلة المنافسات إلى التطبيق على أرض الواقع؟

تالا وفرح موسى: نؤمن أن الأثر يمكن أن يكون كبيرًا جدًا، خاصة في المناطق التي تعاني من كميات هائلة من الركام والحاجة إلى مواد بناء منخفضة التكلفة.

نحلم بأن يتحول المشروع إلى مبادرة عملية تساهم في إعادة الإعمار، وتوفر فرص تدريب للشباب، وتساعد على نشر ثقافة إعادة التدوير والاستدامة. كما نطمح إلى أن يستفيد منه أشخاص في أماكن أخرى من العالم تواجه ظروفًا مشابهة.

الأيام نيوز: ما الحلم الذي تسعيان إلى تحقيقه بعد هذه المحطة، سواء على المستوى الشخصي أو المهني؟

تالا وفرح موسى: على المستوى الشخصي، تطمح إحدانا إلى دراسة القانون الدولي والإنساني واستخدامه للدفاع عن حقوق الإنسان وإيصال أصوات الناس الذين لا تُسمع قصصهم دائمًا. أما الأخرى فتحلم بدراسة اللغات والترجمة من أجل نقل الحقيقة والأمل بين الشعوب والثقافات المختلفة، والمساهمة في بناء جسور التفاهم بين الناس.

أما على مستوى المشروع، فنحلم بأن يتحوّل (Build Hope) من فكرة فائزة إلى مبادرة حقيقية على الأرض، تُدرّب الشباب وتساعد في إعادة الإعمار وتصل يومًا إلى مناطق أخرى حول العالم تواجه ظروفًا مشابهة.

وسوف نبدأ بالفعل بتنفيذ المشروع من خلال ورش عمل لتدريب شباب غزة على مهارات إعادة الإعمار الذاتية وإعادة تدوير الركام.

الأيام نيوز: إذا كان عليكما تلخيص رحلتكما من الركام إلى المنصة العالمية في جملة واحدة، فماذا ستكون؟

تالا وفرح موسى: تعلمنا أن ما يبدو نهاية في نظر الكثيرين قد يكون بداية جديدة، وأن الأمل قادر دائمًا على إيجاد طريقه حتى بين الركام.

في ختام الحوار، أشارت تالا وفرح إلى أن فوزهما حظي باهتمام إعلامي عالمي واسع، حيث تناولت قصتهما أكثر من مئة وسيلة إعلامية وصحفية وتلفزيونية وإذاعية ومنصة رقمية حول العالم.. وأكدتا أن لهذا الحوار لمصلحة صحيفة جزائرية بُعدًا وجدانيا خاصًا، إذ كانت الجزائر حاضرة دائمًا في تفاصيل حياة العائلة. فوالدهما الدكتور “سامر موسى” عاش نحو تسع سنوات في الجزائر، درس خلالها ليسانس الحقوق في جامعة باتنة، ثم واصل دراسته العليا في جامعة بسكرة، قبل أن يعود إلى فلسطين محمّلًا بمحبة كبيرة لهذا البلد وشعبه.

وأضافتا أنهما كبرتا على سماع الجزائر في أحاديث والدهما اليومية مع أصدقائه هناك، وعلى العبارة التي طالما رددها أمامهما: “الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.. وعلى كلمات وتعابير جزائرية أخرى كان الوالد يرددها بحنين واضح.

ورغم أنهما لم تكونا تفهمان كثيرًا من تلك الكلمات في طفولتهما، إلا أنهما كانتا تشعران بالدفء الذي تحمله، وبالمكانة الخاصة التي يحتلها الشعب الجزائري في قلب والدهما. وتؤكدان أن الجزائر بالنسبة لهما لم تكن يومًا بلدًا بعيدًا، بل اسمًا ارتبط دائمًا بالمحبة والوفاء والمساندة التاريخية لفلسطين، ولذلك تحمل هذه المقابلة مع صحيفة جزائرية معنى خاصًا ومؤثرًا بالنسبة لهما.