الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

«جانيت لوزانو».. شاعرة مكسيكية من أصل لبناني تفجّر أركان الصمت لغويا

Author
سلسبيل شعبان 04 مايو 2022
X Facebook TikTok Instagram

حين نتحدث عن الشعر المكسيكي فغالبا ما يتبادر إلى أذهاننا شعراء مثل أوكتافيو باث أو خوسيه إميليو باتشيكو أو أمادو نيرفو، وغيرهم، لكن من النادر أن نجد شاعرة تنافس تجربتها تجارب هؤلاء إلا إذا تعلّق الأمر بالشاعرة جانيت لوزانو المكسيكية من أصل لبناني، والتي حازت مؤخرا على «جائزة بيبلوس الاستحقاقية» في دورتها الجديدة لعام 2022.

وهذه الجائزة تمنحها «جمعية بيبلوس» ـ بالتعاوُن مع «المركز اللبناني» و”السفارة اللبنانية” في المكسيك ـ للمبدعين المكسيكيّين ذوي الأصول اللبنانية الذين ساهموا في إثراء المجتمع المكسيكي، والإنسانية بشكل عام، في المجالات العلمية والثقافية والإبداعية.

ونالت الشاعرة الجائرة في فرع الإنسانيات، عن مسيرتها الإبداعية الاستثنائية؛ حيت تُعتبر واحدة من الأصوات الشعريَّة الأنثويَّة الفريدة في بانوراما الشِّعر المكسيكيّ، وقد تم توزيعُ الجوائز في حفلٍ احتضنته «قاعة بعلبك» في العاصمة مكسيكو بحضور مجموعة من الشخصيات الثقافية المكسيكية ذات الأصول اللبنانية، والمقيمة في المكسيك.

وهؤلاء جميعا احتفوا بمسيرة الشاعرة التي ـ وإلى جانب تجربتها الشعرية ـ أسّسَت داراً للنشر، وتُعتبر من أبرز المترجمات عن اللغة الإنكليزية، واشتهرت بترجمتها لأعمال الشاعرة الكندية آن كارسون.

يُذكر أنّ جانيت لوزانو كلاريوند ولدت في تشيهواهوا بالمكسيك عام 1949، وحصلت على الإجازة في الفلسفة والأديان المكسيكيَّة القديمة، ولها ما يقارب عشرة دواوين شعرية؛ من بينها: «لحظات الماء» (2007)، و«ذاكرة مُقْفِرة» (2002)، و«دم خفيف» (2011)، و«دفاتر تشيهواهوا» (2013).

كما حازت الشاعرة العديد من الجوائز أبرزها: «جائزة سان خوان دي لا كروز» الشعرية عام 2018، وقد صدرت لها مؤخراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» في مصر أنطولوجيا شعرية بعنوان «المرأة، التعب، أشجار الحور»، ترجمها عن الإسبانية الكاتب السوري جعفر العلوني.

الشعر الخلاق

وسبق للشاعر السوري أدونيس أن وصف هذه الشاعرة وتجربتها قائلا “تذكرنا جانيت لوزانو بأن المخيلة سهر على الواقع، وأن الواقع ذاته نائم لا يوقظه حقا إلا الشعر، وسواء كانت القصيدة لحظة فرح أو غيمة حزن، فإن الجرح الذي لا يلتئم جرح الوجود، هو ذاته المكان الذي ينبجس منه الشعر”.

وقدم أدونيس لمجموعة مختارات شعرية لـ”جانيت لوزانو” حملت عنوان “المرأة.. التعب.. أشجار الحور” كان قد ترجمها من الإسبانية إلى العربية الكاتب والمترجم السوري جعفر العلوني، حيث قال “ليس الشعر في هذا الأفق مجرد قصيدة، وإنما هو رؤية، وهي رؤية تساؤلية تصدر عن كينونة الإنسان، حساسية ومخيلة، وتأملا، وأن نتخيل أو نحلم أو نحس، فذلك يعني في هذا السياق أننا نفكر”.

ويتابع أدونيس “الجسد أول اللغة وليست القصيدة، أن نملأ شكلا بفكرة أو أكثر كما لو أننا نصب ماء في إناء، إنها بنية تنفتح على مشروع منفتح، القصيدة أفق، للكلمة فيها فضاء يتسع لبعد جمالي هو بعد الهشاشة الخاصة بعالم الحب، غير أن هذا الفضاء يمنحنا المزيد من اليقين بأن بعد الهشاشة قائم في كل علو جمالي، هكذا يبدو الوجود كأنه – جماليا – شكل زائل كوجود الإنسان حياتيا في العالم، قل لي ما وجودك، جماليا، أقل لك ما وجودك حياتيا”.

ويؤكد أدونيس أن الشعر – بوصفه كذلك ـ يخلق زمنه وتاريخه داخل التاريخ العام في تموجاته وتغيراته، وهو في ذلك يذكرنا بأن الإنسان أعطى الحياة لكي يحياها متخطيا تقاليدها، بحيث يعيد ابتكارها في أفق يتجاوز ما كان وما هو، نحو ما لا ينتهي، يذكرنا أيضا بأن الإبداع يتخطى جذريا كل ما يغلق العالم، جامحا أبدا في سفره لاكتشاف المجهول، هكذا تتابع جانيت لوزانو مسيرة الشعر الخلاق، وهي مسيرة تقول بلسان كل شاعر، لا يقول لي الإبداع أن تكون القصيدة أداة أو وسيلة لبلوغ أي هدف خارجي، وإنما يقول: (كن منفتحا على حضور الآخر، في هذا اللقاء المفرد بين الذات والذات وبين الذات والعالم).

لعبة الهوية والذاكرة

أما المترجم جعفر العلوني فيقول في مقدمته للمختارات “منذ ولادتها لم تفعل الشاعرة سوى العودة إلى وراء، نحو النبع والأصل، وما قبل الولادة، أي الرمز السومري، بدءا من ملحمة غلغامش، وانتهاء بقصة الخلق البابلية، القصيدة بهذا المعنى، هي سفر دائم إلى ذلك المكان غير المؤكد؛ حيث تعود لتخلق الأشياء بقوة الشعر، فتنسج علاقات العالم بدءا من شعور يتجاوز الأنا، الجسد والروح، هنا فقط تستطيع الشاعرة أن تهرب من قيود الزمن بمعناه الرياضي الأجوف، فتتحرر من تتابعيته وأفقيته، وتخلق زمنا وجوديا تتحول فيه الثواني والدقائق والساعات إلى انبجاس تلو انبجاس”.

ويتابع “هذا هو المسار الذي يتبعه الصوت الشعري للشاعرة المكسيكية من أصول لبنانية جانيت لوزانو كلاريوند “تشيهواهوا ـ المكسيك 1949″، في رحلته عبر متاهة الذكريات، وهو مسار يطور نوعا من لعبة الهوية والذاكرة، من أجل هدف واضح: ممارسة الكلمة المضيئة والثاقبة، التي تسمح لها بفهم الحياة، وفهم نفسها كشاعرة وامرأة، وذلك من خلال فك رموز الماضي وتعرية الكلمة، بغية البحث عن روحها، وهذا سيسمح بدوره، للشاعرة، بتعرف الرموز والإشارات والحقائق الخفية والمعلنة لآلام الماضي، ومن ثم تفجير أركان الصمت لغويا وإعادة بناء جوهر الوجود عبر صوت حميمي ممتلئ بالألم والفرح والحنين والامتنان، يتشكل داخل الصمت”.

الكلمة الشعرية

ويلفت العلوني إلى أنه في ظل مجتمع مكسيكي تسيطر عليه الأصوات الشعرية الذكورية، يتفجر صوت جانيت لوزانو الشعري، مرسخة عبره تجربة شعرية أنثوية فريدة في بانوراما الشعر المكسيكي، وهي تكشف في كل قصيدة رحلة نحو الذاكرة والمساحات والأبعاد، التي دفنت من جراء الحداثة التي تسير فوقنا، ضمن هذا السياق، فإن عالم جانيت الشعري يقوم على أساس الكلمة الشعرية المسافرة نحو الذاكرة، التي وهبت كل شيء من أجل أن تنقل إلينا المعنى الجوهري للأشياء.

وفي مقاله عن «مذكرات منفى» للشاعرة، بعنوان “الحياة أكثر من أن تُعاش يجب أن تُكتب”، يؤكد المترجم سامر درويش أن في مجمل كتابات لوزانو جواً من الأدب المشحون بالعواطف والحنين إلى حضن الجدة والأم والخالات، وكان لجبران خليل جبران تأثير كبير على الشاعرة، وعلى اللبنانيين – عامة – في المنافي؛ إذ “تمكن من ابتكار هوية وجدانية وأدبية لجيل كامل من المهاجرين”، و”كانت قصائده تروي عطش أمها”، كما تذكر الشاعرة جانيت لوزانو نفسها.