الخميس : 06-10-2022

«جزائرهم» بعين «لينا سوالم» التي استدرجتْ ذاكرة الصمت

أشاعَ الفيلم الوثائقي «جزائرهم» جوا من مشاعر الوطنية النابعة من الأعماق وحرّك الأسئلة العاطفية إزاء مسألة إرث الذاكرة الاستعمارية خلال عرضه اليوم الأربعاء أمام أسرة الصحافة بقاعة سينماتك (الجزائر العاصمة)، وبحضور مخرجته «لينا سوالم» وأفراد من عائلتها الذين كانوا هم أنفسهم موضوع الأحداث التي تناولها هذا العمل.

ورغم صعوبة موضوع الفيلم الذي غاصَ في ذاكرة وأحاسيس الأبطال الحقيقيين وهما أقارب المخرجة خاصة جدها (مبروك ) وجدتها (عائشة) المغتربين بفرنسا منذ أيام الاحتلال إلا أن «لينا» نجحت ـ من خلال عملها الأول هذا كمخرجة ـ في كسْب اهتمام الجمهور الحاضر وسحبه بيسر وسلاسة ـ عبر حركة الكاميرا ـ مع كل لقطة.

واستطاعت أيضا هذه المخرجة والممثلة أن تتسرب عن طريق صورها المتقنة إلى عالم الصمت الذي انزوى فيه جدها «مبروك» رافضا الحديث عن الكثير من المسائل التي تتعلق بحياته وأسرته ووطنه الذي غادره مرغما في سن الـ18 بحثا عن العمل في فرنسا.

وتبدأ الأحداث عند نقطة انفصال الجدين بعد 62 سنة من الحياة معا ليعيش كل واحد في بيت مستقل مع بقاء التواصل بينهما خاصة من طرف الجدة التي تستمر في إطعام ومراعاة الزوج الذي زاده تقدم العمر انزواءً وصمتا، لكن «لينا» لم تقبل هذا الصمت الذي هيمن على حياة الأسرة وسعت بكل الطرق لمعرفة الأسباب الحقيقية التي فرضته لتتمكن فعلا من تحقيق مسعاها.

تحرير عقدة الصمت

لقد حلت «لينا» عقدة لسان الجد وانكشفت أخيرا تلك الشحنة من الآلام والأحزان الدفينة في أعماق ذلك الرجل المسن، لينكشف من خلال حديثه وحديث الجدة عائشة وأيضا أب لينا ذلك الانفصام والشرخ العميق الناجم عن فراق الوطن والعيش في بلد أخر.. ويتفاعل المتفرج مع كل لحظة من تلك المعاناة النفسية.

وقد اعتمدت المخرجة في تحليلها على مجموعة من الصور والفيديوهات التي كان قد أخذها أبوها في بداية التسعينيات بمناسبة اللقاءات والأفراح العائلية وزيارات أقارب الأسرة الذين شاءت الأقدار أن يهاجر الكثير منهم إلى المدينة ذاتها.

وتكشف هذه الصور عن عالم مختلف في العادات وطرق العيش والديانة بخصوص المحيط الذي يعيشون فيه، كما تظهر تلك الصور انصهار جدتها مع ذلك المجتمع الذي أعيد تشكيله في بلاد الغربة، ويظهر ذلك من خلال ضحكاتها وسعادتها وسط الأهل والأصدقاء.

من الماضي الجزائري إلى الحاضر الفلسطيني

يُلخص هذا الفيلم معاناة المبعدين عن أوطانهم ومجتمعاتهم بطرق أو بأخرى وقد أبدت المخرجة التي درست من قبل أيضا التاريخ من باب التعمق في مسائل الهوية والذاكرة تفهمها وتعاطفها مع هؤلاء المغتربين علما وأن المعاناة والشرخ ذاتها يعانيه أيضا أهل والدتها الفلسطينية.

ولم تكتف الفنانة بخطاب الكلمات الصادرة من أقربائها بل عادت بالصور والشهادات إلى ما اقترف من جرائم وتنكيل في حق الجزائريين إبان الاحتلال لاسيما جرائم 8 ماي 1945 التي عايشها أجدادها لتوضح الصورة أمام المشاهد خاصة الأجنبي.

سيعرض هذا الوثائقي الذي أنتجته شركة «ماجي بالدوتشي» و«اغات فيلم» بمساهمة «مايكينغ أوف فيلم» و«عكة فيلم» ابتداء من الجمعة 10 ديسمبر وإلى غاية الـ15 منه في قاعة سينماتك وبالمعهد الثقافي الفرنسي.

وكان هذا العمل قد عرض في عدة مهرجانات أو تحصل على جائزة السوسنة السوداء لأفضل فيلم عربي وثائقي طويل بمهرجان عمان الدولي للسينما كما توج بجائزة أفضل فيلم عربي وثائقي طويل بالطبعة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي بمصر التي اختتمت فعالياتها الجمعة.