الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

جهيدة هوادف لـ”الأيام نيوز”: الحرف العربي فضاء للحياة..واللوحة ذاكرة تأبى النسيان

Author
هارون عمري 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تُعد الفنانة التشكيلية الجزائرية جهيدة هوادف، المولودة عام 1963 بمدينة نڤاوس في ولاية باتنة، رمزاً للإبداع الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي في اللوحة الزيتية والسيراميك والخبرة الطويلة في التدريس بالمتحف الوطني للفنون الجميلة، وتتسم هويتها الفنية بأسلوب تعبيري حالم يركز على شخوص نسائية ذات رقاب طويلة وملامح مميزة، حيث تدمج في لوحاتها بين الجذور الأوراسية العميقة والتوجهات العالمية المعاصرة، وبفضل هذا المزيج المتقن بين الذاكرة الشعبية وتقنيات الضوء واللون، تجاوزت أعمالها الحدود لتُعرض في كبرى الأروقة الدولية، ما منحها تقديرا نقديا واسعا، وجوائز دولية جعلتها من أبرز الأسماء المؤثرة في الفن المتوسطي المعاصر.

وفي فضاء أوبرا الجزائر “بوعلام بسايح”، حيث تتعانق الموسيقى مع الألوان، تقيم الفنانة التشكيلية الجزائرية القديرة جهيدة هوادف معرضها الفني، محوّلةً رواق الأوبرا إلى بستان بصري ينبض بذاكرة الوطن وتفاصيل الحياة.

في هذا الحوار، تواصل “الأيام نيوز” رحلتها في عوالم هذه الفنانة الاستثنائية، لنغوص معها في سحر الخط العربي، وأزمة الذاكرة والأرشيف الفني والتصويري المهدور، وصولاً إلى تجربتها المبتكرة في إصدار كتب تلوين فنية تشرك المتلقي في العملية الإبداعية.

“الأيام نيوز”: غياب الإمكانات المادية في البدايات دفعكِ نحو التدريس بدلا من تأسيس ورشة الخزف، إلى أي مدى تعتقدين أن هذا “المنعطف الإجباري” لم يكن عائقاً، إنما كان محطة صقلت رؤيتك الفنية؟ وهل ترين أن الفن الأصيل يولد غالباً من رحم الضرورة والحرمان ليخلق مسارات بديلة للإبداع؟

جهيدة هوادف: لقد درستُ في ثمانينيات القرن الماضي بمدرسة الفنون الجميلة، وكان تخصصي فن السيراميك (الخزف). وحين تخرّجتُ، كنت أتطلّع قدر الإمكان إلى تأسيس ورشة خاصة، غير أن الإمكانات المادية حالت دون ذلك؛ فالسيراميك فنٌّ لا يُتعلَّم نظرياً، إنما يستلزم وجود ورشة متكاملة، وفضاء واسعٍ، وفرن خاص باهظ الثمن، ومعدات كبيرة. ولأن هذه الظروف لم تتوفر آنذاك، اتجهت نحو تدريس الفنون التشكيلية في الثانويات بمدينة الجزائر، وهي محطة منحتني فرصة للتأمل قبل العودة مجدداً إلى عمق الممارسة الفنية.

​”كنت أتطلّع لتأسيس ورشة خاصة للسيراميك، غير أنه لم تكن لديّ الإمكانات المادية لذلك.. السيراميك يستلزم وجود ورشة متكاملة وفرن خاص باهظ الثمن”.

“الأيام نيوز”: الانتقال من السيراميك ذي الأبعاد الثلاثية والكتلة الملموسة إلى الرسم ذي البعدين يمثل نقلة نوعية في لغة التعبير.. كيف استطعتِ تطويع الفراغ واللون على سطح القماش لتعويض حسيّة الطين وحجم السيراميك الذي بدأتِ به مسيرتكِ؟

جهيدة هوادف: حين فُتحت المدرسة العليا للفنون الجميلة، سجّلت فيها مرة أخرى لإكمال دراساتي العليا، وفي هذه المرة اخترتُ تخصّص الرسم (Peinture)، كان أستاذي المشرف هو الفنان الكبير دنيس مارتيناز، وهو من تتلمذتُ على يديه وانطلقت من حينها مسيرتي في العروض الفنية. لقد كنت أعرض أعمالي وأنا لا أزال طالبة، واستمر هذا الزخم إلى يومنا هذا، حيث وجدت في الرسم فضاءً واسعاً يعوّض تلك الكتلة المادية للطين بلغة بصرية مغايرة.

الرسام الجزائري دنيس مارتيناز

“الأيام نيوز”: عند عرض أعمالكِ في ثقافات متباينة كالولايات المتحدة واليونان، هل تختلف قراءة المتلقي الغربي لشفرات اللوحة الجزائرية؟ وكيف تختبرين “عالمية الفن” عندما تُعرض لوحاتكِ بعيداً عن بيئتها الأم؟

جهيدة هوادف: أقمتُ معارض في تونس، المغرب، إسبانيا، فرنسا، اليونان، والولايات المتحدة الأمريكية، الفن هو اللغة الوحيدة التي تتخطى الحدود دون استئذان. الحوار بين اللوحة والمتلقي الأجنبي يعتمد على الصدق الفني؛ فالقضايا الإنسانية والهوية الجزائرية التي أحملها في ريشتي تجد صدى عالميا لأنها تنبع من عمق خاص يتصل بالجوهر البشري المشترك.

“الأيام نيوز”: إذا كان “البستان” يمثل قطافا لمسيرتك، فهل تعتبرين هذه اللوحات ثمارا ناضجة لتجربة وصلت إلى ذروتها، أم أنها في الوقت ذاته تمثل بذورا ستُزرع لتُنبت رؤى مستقبلية قادمة ومختلفة؟

جهيدة هوادف: أسميتُ هذا المعرض “بستان” لأن البستان فيه أشجار وفواكه، وأردتُ أن أقطف تلك الثمار من مسار رحلتي الفنية بأكمله لعرضها لأول مرة في قاعة “البيانو”، أنا أشتغل على أرضية المرسم وأنتج لوحاتي في شكل مجموعات متكاملة (Collections)، كلٌّ منها تحمل عنوانا ودلالة خاصة، وهذا المعرض هو مراجعة وتأمل فيما أنجزتُه على مر السنين.

​”أسميتُ هذا المعرض ‘بستان’ لأن البستان فيه أشجار وفواكه، وأردتُ أن أقطف الثمار لتعكس مسار رحلتي الفنية بأكمله”.

“الأيام نيوز”: تخليد ذكرى الشهيدة “مريم بوعتورة” والنساء المناضلات عبر الريشة في مجموعة “نڤاوسيات”؛ هل ترين أن اللوحة التشكيلية قادرة على توثيق التاريخ وكتابته عاطفيا وإنسانيا بشكل أصدق وأكثر خلودا من النصوص التاريخية الجامدة؟

 جهيدة هوادف: أنا أنتمي إلى بلدة “نڤاوس” بالأوراس، وأقمت معرض “نڤاوسيات” سنة 2012 تزامناً مع الذكرى الخمسين للاستقلال لتقديم تحية إجلال للنساء اللواتي ضحّين، مريم بوعتورة استُشهدت في الستينيات وكانت رمزاً في قريتي، وأردت إهداء عملي لها ولكل النساء اللواتي شاركن في الثورة أو في كفاح الأيام العادية، الفن يمنح التاريخ وجها إنسانيا ونبضا لا تجده في الأوراق الجافة.

“الأيام نيوز”: اللجوء الحسي إلى ملمس “الطين” في ذروة الجائحة يبدو كعودة لا شعورية إلى أصل الخلق.. هل كان التشكيل بالطين حينها مجرد وسيلة فنية، أم كان محاولة غريزية للتشبث بالحياة والوجود المادي في مواجهة فكرة الفناء؟

جهيدة هوادف: في فترة “كوفيد” كنا في تساؤل كبير: هل هذه نهاية الإنسانية؟ شعرت بحاجة للذهاب إلى ذلك العالم الفني لأبحث عن السكينة. في تلك المرحلة، شعرتُ بحاجة إلى أن ألمس الأرض، فاشتريتُ طينا وبدأتُ أُشكّل به أشياء، منحني لمس الطين طمأنينة عميقة، وكانت تلك القطع الخزفية تؤرّخ لزمن العزلة والزهد الذي عاشه العالم بأسره؛ وهي ستبقى شاهدة على مرحلة توقفت فيها الحياة وطرح فيها الجميع الأسئلة الوجودية الكبرى.

​”لمس الطين منحني شعورا بالطمأنينة العميقة.. هذه القطع الخزفية تُؤرّخ لتلك المرحلة وستبقى شاهدة عليها”.

“الأيام نيوز”: في ظل الهيمنة الرقمية وصناعة “الوهم” عبر الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن للوحة التقليدية التي رسمتها يد بشرية أن تحافظ على صدقها وتأثيرها الروحي، وتظل مرآة حقيقية لروح المتلقي وسط كل هذا الزيف البصري؟

جهيدة هوادف: نحن اليوم في زمن الصورة التي تمنحك مفاتيح اشتغال الكوكب، إنما بدأنا نُصنّع وهما عبر الذكاء الاصطناعي. اللوحة تحمل لغة تنقل رسالة عبر الزمن، وهي تجيبك عن أسئلتك وتستنطق ما في داخلك؛ إنها مرآتك التي تعكس ذاتك، الروح التي يضعها الفنان في عمله هي ما يجعله عصيا على التزييف الرقمي، فالعمل الفني لا يستطيع أن يحيا من دون نظرة إنسانية حقيقية.

​”نحن اليوم في زمن مواقع التواصل الاجتماعي والصورة.. والذكاء الاصطناعي يُصنّع صورة ووهمًا”.

“الأيام نيوز”: عندما يصبح الفن والإبداع فعلاً من أفعال “المقاومة” ضد محاولات الإسكات والتهميش ونقص قاعات العرض، هل تفقد اللوحة شيئاً من عفويتها لتتحول إلى أداة نضال، أم أن هذا الاصطدام مع الواقع هو الذي يمنحها عمقها الفعلي؟

جهيدة هوادف: الفنان يواجه مشاكل كبرى، منها ندرة قاعات العرض، وهي عوائق تمنع وصول الرسالة وتحد من استمرارية الإبداع. أحياناً تكون هذه القيود مقصودة من أنظمة لا تريد للإنسان أن يعبّر عن نفسه أو يفتح عينيه على الجمال. لذا، علينا أن نناضل لنصل إلى أهدافنا؛ فالتعبير هو شكل من أشكال الوجود، ونحن نترك آثارنا من أجل النقل والتوريث (Transmission) للأجيال القادمة.

“الأيام نيوز”: بالحديث عن فكرة ترك الأثر ونقل الشعلة.. إذا كان الفن هو رغبتنا الدفينة في الخلود بعد الرحيل المادي، فهل يعكف الفنان في مرسمه على مخاطبة الجمهور الحاضر، أم أنه في حوارٍ سري ودائم مع أجيالٍ لم تولد بعد؟

جهيدة هوادف: إن لم نتقدّم كأفراد، فالإنسانية لا تتقدّم، الفنان يشتغل ليفهم العالم ويدخل في جوهره، وآثارُه هي أبحاث تُقدم لمن يأتي بعدنا لكي يكملوا المسار. نحن في حوار مع الزمن؛ نخاطب الحاضر لنزرع بذور الفهم في المستقبل، والعمل الفني يظل يتنفس مادام هناك عين تنظر إليه وتستلهم منه معنى الوجود.

​”إن لم نتقدّم، فالإنسانية لا تتقدّم.. نحن نترك آثارنا من أجل النقل والتوريث حتى يأتي الناس بعدنا فيفهموا ويكملوا”.

“الأيام نيوز”: كيف يُترجم المكان (لبنان) وتجربة السفر إلى طاقة بصرية في اللوحة؟

جهيدة هوادف: حين أنجزتُ هذه اللوحات، كنتُ قد قمت برحلة إلى لبنان، وعند عودتي اشتغلت على تفاصيلها وأنجزت مجموعة كاملة عرضتها سنة 2014 تحت عنوان “هبة إلى بلد الرمل” (Offrande au pays du sable).

“الأيام نيوز”: هل استحضار الهوية الإفريقية في أعمالك يغوص أعمق ليمس الجذور الروحية؟

جهيدة هوادف: في لحظة معينة، بدأنا نبحث عن انتمائنا إلى هذه القارة وعن هويتنا، وهذا واضح جدا في مجموعة “الأفرَقة” (Africanisation)، حيث يبرز هذا التجذر والبحث عن الانتماء.

“الأيام نيوز”: ألا تضع “المعرفة” الفن في برج نخبوي يبعده عن الإنسان البسيط؟

جهيدة هوادف: الفن علم، ويجب أن تمتلك معرفة ومعطيات لتقرأ اللوحة؛ فأنت إن كنت لا تعرف تاريخ الفن، ستشعر باللوحة وتحسّها بلا شك، لكنك لن تستطيع قراءتها مئة بالمئة. حين تعجبك لوحة يجب أن تكتشف أسباب ذلك، وهذا يستلزم فضولاً لتفهم المراجع.

​”ستشعر باللوحة وتحسّها بلا شك، غير أنك لن تستطيع قراءتها مئة بالمئة دون رصيد ثقافي لتفهم المراجع”.

“الأيام نيوز”: أين تبدأ مسؤولية المتلقي عندما تصبح اللوحة مستفزة؟

جهيدة هوادف: اللوحة لن تجعلك بالضرورة تشعر بالراحة، فهناك أعمال مستفزّة تحرّضك، والأثر على الكائن الذي ينظر هو الذي يخلق اللغة. المتأمل هو الذي يبثّ في العمل النَّفَس ليتنفس، لأن العمل الفني لا يحيا من دون نظرة.

​”هناك أعمال مستفزّة تحرّضك.. والمتأمل في العمل هو الذي يبثّ فيه النَّفَس ليتنفس”.

“الأيام نيوز”: كيف يمكن للفنان أن يحوّل غضبه من “قبح التلوث” إلى عمل فني؟

جهيدة هوادف: قمتُ برحلة برّية إلى تونس ووجدتُ المناظر قاحلة ومليئة بالنفايات، فكنتُ ثائرة وأنجزتُ مجموعة “الشجرة” سنة 2011 لأتحدّث عن البيئة وجذوري. المجموعات الفنية تولد لأنه يكون لديّ في كل مرة هاجس في موضوعٍ ما.

“الأيام نيوز”: أين تجدين اللحظة التي يتحوّل فيها الجهد البدني إلى تحفة روحية؟

جهيدة هوادف: هذه النتيجة تأتي بكثرة العمل وليست معادلة سحرية؛ فالفلّاح والمحامي وكل المجالات تتطلب الاجتهاد. يجب أن تشتغل وتسعى بجد حتى تفهم وتدخل إلى ذلك العالم الذي أردت الدخول فيه.

​”الإبداع لا يأتي كمعادلة سحرية، إنما بكثرة العمل.. يجب أن تجتهد وتشتغل لتدخل إلى ذلك العالم”.

“الأيام نيوز”: تصفين الحرف العربي بأنه “فضاء ثنائي الأبعاد” (deux dimensions) وتجعلين منه منظرا طبيعيا (Paysage) في مجموعة “الأفرقة”؛ إلى أي مدى يساهم “عفو الحرف” وبداهته في خلق تواصل بصري يتجاوز المعنى اللغوي المباشر؟

جهيدة هوادف: الحروف ليست مجرد علامات لغوية، إنما هي فضاء ثنائي الأبعاد. فحين ترسم حرفا واحدا، يمكن أن تجد فيه عوالم بأكملها؛ يمكنك أن تصنع داخله “بايزاج”، أي منظرا طبيعيا، ويمكنك أن تكتب داخله شعرا، فالحرف الواحد يتسع لكل ذلك. في مجموعتي “Africanisation” (الأفرقة)، كنت منغمسة في عالم الكاليغرافيا العربية، وأدمجتُ جماليات الحرف العربي، حيث يتميز العمل بحركة كثيرة ويحتفي بالبداهة والعفوية.

​”الحرف الواحد يتسع لعوالم بأكملها؛ يمكنك أن تصنع داخله منظرا طبيعيا أو تكتب داخله شعرا”.

“الأيام نيوز”: في معرض تكريمكِ لشخصيات مثل فضيلة زرهيا وآسيا جبار، شددتِ على صفة “الروائية” لآسيا جبار؛ كيف يتقاطع فعل الكتابة الروائية مع فعل الرسم في توثيق مراحل مسيرتكِ فنية؟

جهيدة هوادف: هذه البورتريهات هي تكريم لشخصيات أثرت في وجداني. قدمتُ بورتريه للفنانة الراحلة حدة بڤار، وبورتريه لآسيا جبار؛ وهي مخرجة وروائية، كل هذه المجموعات هي أعمال تروي مراحل مختلفة من مسيرتي الفنية، وتعكس تقديري للأثر الذي تركه هؤلاء المبدعون في الثقافة الجزائرية والعالمية.

“الأيام نيوز”: وصفتِ الاستعمار الفرنسي بأنه “سحق الجذور” وتسبب في غياب الأرشيف الصوري لعائلاتنا؛ هل ترين أن اللوحة اليوم هي البديل المتبقي لإعادة بناء “الجذور” التي لم نجدها في الصور أو الوثائق؟

جهيدة هوادف: هذا أمر مؤلم، فعندما نريد أن نتحدث عن بلدنا، نجد أننا لا نملك ما نستند إليه أحيانا. أنا في عائلتي حين أبحث عن صورة لأجدادي لا أجدها، لأنه لم تكن لدينا الإمكانات آنذاك. فرنسا سحقت جذورنا، فقد كان أجدادنا علماء كباراً قبل الاستعمار الذي حرّم عليهم كل شيء. لقد قتلوا فينا الجذور، والآن لا نجد شيئاً يوثق تلك الحقب من تاريخنا العائلي والوطني.

“الأيام نيوز”: دعوتِ لتأسيس منصة لحفظ الأرشيف وناديتِ بالبحث في التاريخ، كيف يمكن لهذا “التاريخ المحلي” أن يعيد الاعتبار لمن لم نسمع بهم أبداً؟

جهيدة هوادف: لا بد من إنشاء منصة لحفظ الأرشيف، يشارك فيها الناس الذين يملكون الحكايات، والباحثون الذين يسعون للكتابة عن الشخصيات المنسية ليعطوا قيمة لأناس لم نسمع بهم من قبل. يجب أن نرجع الحق لأصحابه لكي يأخذ كل واحد حقه في التاريخ. أنا لستُ مضطرة للذهاب بعيداً للبحث عن تاريخي، فهو موجود أمامي في جاري وبيئتي، وعلينا إيجاد الوسائل للبحث والحفر في المكان الذي نعيش فيه.

الأيام نيوز”: إصدارك لـ”كتب تلوين فنية” يمنح المتلقي صفة “الشريك في الإبداع” (Co-créateur)؛ هل هي محاولة لجعل الفن التشكيلي وسيلة للتنفيس وعلاجا متاحا للجميع؟

جهيدة هوادف: هذه الكتب هي سند للنقل يوصل الفن للمواطن الجزائري بطريقة مرحة. في كتاب التلوين، يكون المتلقي شريكاً في الإبداع؛ إذ يمكنه أن يشتغل بطريقة الفنان أو يحوّل العمل ويغير ألوانه كلياً. لقد وضعتُ في الكتاب الأول مجموعة “الجلوسيات”، وفي الكتاب الثاني “الطبيعة الصامتة”، وهي دعوة للاكتشاف والتنفيس عن التوتر عبر “فن العلاج” (L’art thérapie).

الأيام نيوز”: ختاما، ما هي الرسالة التي تودين توريثها للأجيال القادمة من خلال هذا الأثر الفني الذي تتركينه خلفك؟

جهيدة هوادف: التعبير هو شكل من أشكال الوجود؛ فنحن نترك آثارنا من أجل النقل والتوريث. إذا لم نتقدم كأفراد، فالإنسانية لن تتقدم. الفنان يقوم بأبحاث في مجاله ليأتي من بعده من يكمل المسار، فالعمل الفني لا يحيا من دون نظرة، ونحن نترك هذه الشعلة للأجيال القادمة لتستمر الحياة ويتواصل الإبداع.

 

​”التعبير شكل من أشكال الوجود.. ونحن نترك آثارنا للأجيال القادمة لكي يكملوا المسار من بعدنا”.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"