الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

جيل لا يعرف جيرانه.. كيف تغيرت العلاقات داخل الأحياء السكنية؟

Author
إيمان بن يمينة 02 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

قبل سنوات، كانت علاقة الجيران في الأحياء الجزائرية تنبض بالحياة، فمع اقتراب المساء، يخرج الأطفال للعب في الأزقة، وتجلس النساء أمام البيوت يتبادلن أطراف الحديث، بينما يتجمّع الرجال في زوايا الحي يتداولون أخبار اليوم.

وكان الجميع يعرف الجميع؛ فالجار لا يحتاج إلى موعد ليطرق الباب، ولا إلى هاتف ليسأل عن أحوال جاره، لأن اللقاء كان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

اليوم، تغيّر المشهد في كثير من الأحياء. فقد أغلقت الأبواب، وقلّت الزيارات، وأصبحت التحية بين الجيران تمر أحيانًا في صمت، أو تغيب تمامًا.

وقد يعيش أشخاص في العمارة نفسها سنوات طويلة دون أن يعرف أحدهم اسم الآخر، أو يشعر بغيابه إذا ابتعد أيامًا.

وهذا التغير لم يأتِ من فراغ، فقد فرضت وتيرة الحياة السريعة، وانتشار الهواتف ووسائل التواصل، وطبيعة السكن الحديثة أسلوبًا مختلفًا في التعامل بين الناس، حتى أصبحت العلاقة بين كثير من الجيران محدودة، بعد أن كانت تقوم على التعارف والمساندة وتقاسم تفاصيل الحياة.

وأمام هذا الواقع، تبرز الإشكالية التالية: كيف فقدت الأحياء ذلك الدفء الذي كان يميزها؟ ولماذا أصبحت العلاقة بين الجيران أضعف مما كانت عليه؟

كيف تغيّرت علاقة الجار بجاره؟

أوضحت الخبيرة في علم الاجتماع، الأستاذة جميلة لعرابي، في حديثها الخاص لموقع “الأيام نيوز”، أن تراجع العلاقات بين الجيران وزوال مظاهر التزاور والتبادل اليومي ليست سلوكيات فردية معزولة أو ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها، إنما هي انعكاس لتحوّل بنيوي لافت في طرق بناء الروابط الاجتماعية ومفهوم المجال العام داخل المجتمع المعاصر.

وأكدت لعرابي أن النمط المعماري الحديث والتحولات الاقتصادية نجحا، وبشكل تدريجي، في إعادة تشكيل مفهوم الجوار؛ فالأحياء التقليدية التي كانت تقوم على الفضاءات المفتوحة، والمساحات المشتركة، والبيوت المتلاصقة التي تتيح التفاعل اليومي والتكافل التلقائي، باتت تُختزل اليوم في مجمعات سكنية مغلقة، وأبواب فولاذية، وكاميرات مراقبة مصممة خصيصاً لعزل الفرد عن محيطه.

وفي هذا النمط المعماري الجديد، يُطلب من الساكن الاستجابة لنماذج حياة سريعة ومجهدة، تُقدم على أنها المعيار الحديث للتمدن، حيث تُختصر العلاقات في إيماءة رأس عابرة أو سلام باهت في الممرات.

وأضافت الخبيرة في علم الاجتماع أن من أبرز التغيرات التي يشهدها المجتمع اليوم اعتماد كثير من الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي في بناء علاقاتهم، وهو ما انعكس على التواصل مع المحيط القريب. فقد يمتلك الشاب مئات الأصدقاء عبر الإنترنت، ويتبادل معهم الحديث يوميًا، في حين لا يعرف اسم جاره الذي يقطن في الشقة المقابلة.

وتوضح لعرابي أن هذا الواقع يجعل كثيرًا من الأشخاص يواجهون ظروفهم الصعبة بمفردهم، فقد يمرض أحدهم أو يتعرّض لطارئ داخل منزله، دون أن ينتبه إليه أحد، بعدما تراجعت عادة السؤال عن الجار والاطمئنان عليه، وأصبحت لدى البعض تُفسَّر على أنها تدخل في الخصوصيات.

الريف لايزال محافظا

تلفت لعرابي إلى أن هذه الظاهرة لا تظهر بالدرجة نفسها في مختلف المناطق، إذ تبدو أكثر وضوحًا في المدن الكبرى والأحياء الحضرية التي تفرض إيقاعًا سريعًا للحياة، وتغلب عليها الخصوصية وقلة التواصل بين السكان.

وفي المقابل، تشير إلى أن العديد من المناطق الريفية ما تزال تحافظ على جانب كبير من علاقات الجوار التقليدية، حيث يعرف السكان بعضهم بعضًا، وتبقى الزيارات المتبادلة والسؤال عن الجار والمبادرة إلى تقديم المساعدة ممارسات يومية لم تفقد حضورها.

وترى أن طبيعة الحياة في الريف، القائمة على التقارب الاجتماعي واستمرار العادات المتوارثة، أسهمت في الحفاظ على هذا الترابط، رغم التغيرات التي مست المجتمع في السنوات الأخيرة.

عوامل أخرى

تكشف التجربة اليومية لبعض السكان عن عامل آخر يسهم في ضعف علاقات الجوار، يتمثل في السكن بالإيجار وما يرافقه من شعور بعدم الاستقرار. وفي حديثها إلى موقع “الأيام نيوز”، تقول السيدة يمينة إنها تتجنب إقامة علاقات وثيقة مع جيرانها لأنها اعتادت التنقل بين مساكن مستأجرة، وهو ما يجعلها تشعر بأن إقامتها مؤقتة في كل حي تسكنه.

وتوضح أنها تكتفي بإلقاء التحية عند اللقاء، دون أن تتجاوز ذلك إلى الزيارات أو بناء علاقات قريبة، لأنها لا تعرف المدة التي ستقضيها في المكان قبل الانتقال إلى مسكن آخر. وتضيف أن هذا الشعور ينعكس أيضًا على تعامل بعض الجيران معها، إذ ينظرون إلى المستأجر على أنه مقيم لفترة محدودة، فلا تنشأ بين الطرفين علاقة تتطور مع مرور الوقت، كما يحدث غالبًا بين السكان الدائمين.

وترى يمينة أن كثرة التنقل تجعل تكوين علاقة مستقرة مع الجيران أمرًا صعبًا، حتى مع وجود الرغبة في ذلك، لأن كل انتقال يعني البدء من جديد في بيئة مختلفة ومع أشخاص جدد.

وترى لعرابي أن اتساع المسافة بين الجيران لا يقتصر أثره على تراجع التواصل اليومي، وإنما يمتد إلى إضعاف روح المساندة التي كانت تميز الأحياء في الماضي.

وتوضح أن كثيرًا من المواقف التي كان الجيران يتدخلون فيها تلقائيًا، مثل الاطمئنان على مريض، أو مساعدة أسرة تمر بظرف صعب، أو الوقوف إلى جانب شخص يعيش وحده، أصبحت أقل حضورًا، بعدما تراجعت المعرفة المتبادلة بين سكان الحي.

وتؤكد أن المجتمع يحتاج إلى علاقات قريبة تقوم على الثقة والتعارف، لأن الشعور بالأمان لا يصنعه السكن في المكان نفسه، وإنما تصنعه الروابط التي تجمع من يعيشون فيه.

الجار المختفي… ماذا تقول الدراسات؟

تتقاطع هذه الملاحظات التي ترصدها الأستاذة جميلة لعرابي في الأحياء الجزائرية مع ما توصل إليه الباحث الأمريكي مارك دانكلمان في كتابه “الجار المختفي” (The Vanishing Neighbor)، الذي يفسر هذا التحول من خلال ما يسميه نموذج الحلقات الثلاث في العلاقات الإنسانية.

ووفق هذا النموذج، تحيط بكل فرد ثلاث دوائر من العلاقات؛ الأولى تضم العائلة والأصدقاء المقربين، بينما تشمل الأخيرة شبكة واسعة من المعارف البعيدين، مثل متابعي مواقع التواصل أو زملاء الدراسة القدامى. وبينهما تقع الحلقة الوسطى، التي تضم الجار، وبائع الحي، والوجوه المألوفة في الحياة اليومية، وهي علاقات تقوم على التكرار والألفة، وتوفر للفرد شبكة دعم قريبة عند الحاجة.

ويشير دانكلمان إلى أن هذه الحلقة الوسطى هي الأكثر تراجعًا خلال العقود الأخيرة، في مقابل اتساع شبكة المعارف البعيدين بفضل وسائل التواصل، وهو ما أدى إلى انحسار العلاقات اليومية التي كانت تجمع الفرد بجيرانه ومحيطه القريب.

ويرى الكاتب أن الوقت والطاقة اللذين يملكهما الفرد لبناء العلاقات محدودان، لذلك أصبح التواصل مع العائلة أو معارف الإنترنت يحظى بالأولوية، بينما تراجعت العلاقة مع الجار. ويحذر من أن خسارة هذه الحلقة تضعف شبكة الأمان اليومية التي كان يوفرها الجيران، مثل ملاحظة غياب شخص، أو تقديم المساعدة عند الحاجة، أو الانتباه إلى أي أمر غير مألوف داخل الحي.

ويكتسب هذا التحليل أهمية خاصة عند إسقاطه على واقع الأحياء الجزائرية، حيث كان الجار امتدادًا لدائرة التكافل الأسري، وهو ما يتقاطع مع ما أشارت إليه لعرابي بشأن تحول علاقة الجوار من سند في المواقف الصعبة إلى مجرد تحية عابرة في الممرات.

هل فقد الجار دوره؟

ترى الأستاذة جميلة لعرابي أن ضعف علاقات الجوار يرتبط أيضًا بتغير أسلوب الحياة واختفاء كثير من الأماكن التي كانت تجمع سكان الحي. وتوضح أن تقلص الساحات والفضاءات المشتركة، إلى جانب الانشغال بالعمل وقضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، جعل اللقاء بين الجيران أقل من السابق.

كما أصبحت كثير من الخدمات التي كان يقدمها الجار أو أحد أبناء الحي تُطلب اليوم مقابل أجر، مثل أعمال الصيانة أو توصيل المشتريات، وهو ما قلل من فرص التعاون اليومي بين السكان.

وتحذر لعرابي من أن تراجع التعارف بين الجيران قد ينعكس على حياة الأحياء نفسها، لأن معرفة السكان ببعضهم كانت تسهم في ملاحظة أي أمر غير مألوف، وتوفر شعورًا أكبر بالأمان.

كما أن ضعف التواصل قد يزيد من شعور بعض الفئات، مثل كبار السن أو الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، بالعزلة، خاصة عندما يمرون بظروف صعبة دون أن يلتفت إليهم أحد.

مسؤولية مشتركة

تدعو لعرابي إلى إعادة إحياء روح الجوار عبر مبادرات بسيطة تبدأ بالتحية والتعارف والسؤال عن الجيران، مؤكدة أن هذه المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تشمل أيضًا الجمعيات المحلية والجهات المشرفة على تخطيط الأحياء السكنية، من خلال توفير فضاءات تشجع السكان على الالتقاء والتواصل.

وترى أن الحفاظ على علاقات الجوار لا يعني العودة إلى الماضي، وإنما الحفاظ على قيم ما تزال ضرورية لاستمرار التماسك الاجتماعي.

وبين التحولات العمرانية المتسارعة وتبدل أنماط العيش، تبدو علاقة الجوار واحدة من أكثر الروابط الاجتماعية التي تخضع لإعادة التشكل. وما كان يُنظر إليه يومًا باعتباره تفصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية، أصبح اليوم مؤشرًا يُقرأ من خلاله شكل المجتمع، وطبيعة العلاقات التي تنتجه.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑