الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

حتى قبل أن تغلقه إيران.. النُداب يرتفع في “باب المندب”

Author
ربيعة خطاب 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ما حذّرت منه الأساطير قديما، يعود اليوم في صورة واقع جيوسياسي ثقيل. فمضيق “باب المندب” في البحر الأحمر، الذي ارتبط عبر التاريخ بحوادث الغرق، والرياح العاتية والتيارات القوية التي ابتلعت سفنا وأرواحا، يتحوّل اليوم إلى ورقة ضغط حارقة في الصراع الدولي، بعدما بدأت إيران تلمّح، ولو بشكل غير رسمي، إلى قدرتها على إغلاقه، عقب تنفيذ تهديدها بإغلاق مضيق هرمز في 2 مارس، ردّا على الحرب الأمريكية-الصهيونية ضدها.

هذه المستجدات أثارت قلقا غربيا، خاصة أن تعطيل الممرات الحيوية يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر مباشرة على أسعار النفط، وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية قد تمتد إلى مختلف أنحاء العالم. وفي هذا الإطار، طرحت “الأيام نيوز” سؤالا على خبيرين: ماذا سيحدث لو أغلقت إيران باب المندب؟ وما التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي؟ وما الذي يجب أن يعرفه العالم عن هذا المضيق الحيوي، وكيف يمكن لإيران التحكم فيه؟

المعروف أن تسمية “باب المندب” تحمل في حد ذاتها دلالة تاريخية على خطورة هذا الممر البحري، إذ تروي بعض الأساطير أن الاسم ارتبط بكثرة الكوارث البحرية والأرواح التي قضت غرقا فيه عبر العصور. فقد كان هذا المضيق الضيق مسرحا لتحطم سفن عديدة بسبب التيارات القوية والرياح العاتية، وحتى في العصر الحديث لم تختفِ المخاطر تماما، إذ لا تزال الألغام البحرية التي خلّفتها صراعات سابقة تشكّل تهديدا للملاحة. غير أن الخطر اليوم لم يعد طبيعيا فحسب، بل بات عسكريا وسياسيا واقتصاديا، بعدما لوّحت إيران بإمكانية إغلاقه في ظل الحرب الأمريكية – الصهيونية ضدها، لتتحول هذه الورقة إلى أداة ضغط محتملة على خصومها، الذين استخدموا مختلف أدوات التصعيد دون التقيد بخطوط حمراء، بينما يطالبونها في المقابل بالالتزام بها.

حكمت شحرور

ويوضح حكمت شحرور، خبير في الشؤون الدولية والمتخصص في الشأن الإيراني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “الأهمية الجيوسياسية لمضيقَي هرمز وباب المندب تجعل أي توتر أو تعطيل لحركة الملاحة فيهما ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي”. ويضيف أن “ما يقارب 10 بالمئة من إجمالي النفط المنقول بحرا في العالم يمر عبر مضيق باب المندب، وهو ما يعني أن إغلاق المضيقين معا قد يؤدي إلى تعطيل نحو ثلاثين في المئة من حركة نقل النفط عبر البحار، وهو رقم كفيل بإحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية”.

ويشير شحرور إلى أن طبيعة تأثير كل مضيق تختلف: فإغلاق هرمز يحمل “تداعيات مباشرة وحادة على سوق الطاقة العالمية”، نظرا لاعتماد جزء كبير من صادرات النفط والغاز الخليجية على هذا الممر الحيوي، بينما يبرز تأثير باب المندب في “سلاسل الإمداد التجارية العالمية”، إذ يشكّل الممر نقطة عبور رئيسية لسفن الحاويات العملاقة التي تنقل السلع الاستهلاكية والأجهزة الإلكترونية والسيارات والمواد الأولية بين آسيا وأوروبا.

ويضيف أن “إغلاق هذا الممر لن يوقف حركة التجارة بشكل كامل، إذ يمكن للسفن أن تسلك طريقا بديلا عبر رأس الرجاء الصالح، جنوب القارة الإفريقية”، إلا أن ذلك “يزيد مدة الرحلة بما يتراوح بين عشرة وخمسة عشر يوما”، ما يترتب عليه ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، وتأخر وصول السلع إلى الأسواق، الأمر الذي قد ينعكس على الأسعار والتضخم في العديد من الاقتصادات العالمية.

وجدير بالذكر أن المضيقين يمثلان شريانين متداخلين للاقتصاد العالمي، إذ يشكّل الأول نقطة حساسة لتدفق الطاقة، والثاني محورا استراتيجيا للتجارة الدولية، ما يجعل أي تهديد لإغلاقهما عامل ضغط اقتصادي وسياسي هائل. وفي هذا السياق، يبرز مضيق باب المندب باعتباره “مضيق هرمز ثانيا” بالنسبة لطهران، يمكن من خلاله تصعيد الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر ضرب شريان الاقتصاد الدولي، وذلك بكلفة أقل مقارنة بالتحكم في هرمز. وهو ما ألمح إليه مسؤول عسكري إيراني لقناة الجزيرة، حين تحدث عن احتمال توسيع حملة بلاده لتشمل مضيقا آخر، مشيرا إلى أن طهران تمتلك “أوراقا وخططا عسكرية جاهزة للاستخدام بشكل ممنهج ومتدرّج”.

القدرات الإيرانية والتحالفات الإقليمية

تكتسب هذه التلميحات أهمية خاصة، نظرا لقدرة إيران على الاستفادة من أنصار الله في اليمن، الذين يملكون سلطة فعلية على منطقة المضيق. فإذا ما انخرطت الجماعة المتحالفة مع طهران، في المواجهة، فإن استهداف المضيق قد يشكل “ضربة قاصمة للملاحة الدولية”، كونه أحد آخر الطرق البحرية المتاحة أمام دول الخليج لتصدير نفطها إلى الخارج. وتاريخيا، أُطلق على هذا الممر المائي اسم “باب المندب” بسبب المخاطر الكثيرة في الإبحار عبره، بما فيها التيارات القوية والرياح العاتية، وما خلفته الصراعات السابقة من ألغام بحرية.

يعد باب المندب نقطة ارتكاز رئيسية للاقتصاد العالمي القائم أساسا على طرق الشحن البحري، ويقع على الطريق الرابط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس المصرية. رغم أن المنطقة حول المضيق صحراوية منخفضة الكثافة السكانية، توجد بعض المدن الساحلية الصغيرة مثل المخّة وميناؤها، الذي اشتهر تاريخيا بتصدير البن اليمني. ويبلغ عدد السفن التي تمر عبره سنويا أكثر من 20 ألف سفينة شحن، تنقل حوالي 1,6 مليار طن من السلع.

وبحسب تقديرات 2018، يعبر نحو 6,2 مليون برميل نفط من هذا المضيق، أي ما يمثل نحو 9% من شحنات النفط المنقولة بحريا. كما تشير بعض التقديرات إلى أن بين 12 و15% من إجمالي التجارة العالمية تعبر من خلاله، وأي إغلاق سيجبر السفن على الالتفاف حول إفريقيا، ما يزيد مدة الرحلة من 10 إلى 15 يوما، مع ارتفاع تكاليف الوقود بمقدار 10 إلى 14 مليون دولار.

وبسبب أهميته الاستراتيجية، تخضع حركة الملاحة في باب المندب لقواعد المنظمة البحرية الدولية، التابعة للأمم المتحدة، ويبلغ عرض المضيق 26 كيلومترا عند أضيق نقطة، مياهه ضمن المياه الإقليمية لليمن من الشرق وجيبوتي من الغرب. ويعكس هذا الوضع الطبيعة الحساسة للممر، إذ يمكن أن يؤدي تدخل أنصار الله في أي صراع إقليمي إلى تعطيل الملاحة، خصوصا في ظل العلاقات الهشة مع السعودية ودول الخليج.

الرد الإيراني.. الدفاع عن المصالح وموازنة الردع

تتجلى أهمية المضيق اقتصاديا في أنه يشكل شريانا حيويا لتصدير النفط من دول الخليج، بما في ذلك السعودية التي تعتمد على خطوط أنابيب تصل شرقي المملكة بغربها نحو موانئ البحر الأحمر. وإغلاق الممر البحري سيوقف شحنات النفط المنطلقة من المنطقة في غضون أسابيع، ويزيد مسافة النقل بحوالي 3 آلاف إلى 4 آلاف ميل بحري، ما يرفع تكلفة النقل والوقود بشكل كبير. وحتى دون إغلاق كامل، فإن التطورات الأخيرة والهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أثرت على نشاط المضيق، إذ انخفضت حركة العبور منذ بداية 2026 بنسبة 40 إلى 60% مقارنة بنهاية 2023، بعد تدخل أنصار الله دعما للفلسطينيين في غزة وفرض حصار على السفن المتجهة لإسرائيل.

وتعزز أهمية الممر وجود قواعد عسكرية أجنبية على الضفة الغربية، خاصة في جيبوتي، التي استثمرت موقعها الاستراتيجي لاستضافة قواعد أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية وإيطالية، بما يشمل مهابط طائرات وموانئ ومراكز لوجستية. هذه التحركات تؤكد أن أي تهديد لإغلاق المضيق سيواجه تأثيرا دوليا واسعا، وقد يؤدي إلى تدخل مباشر من القوى الكبرى لضمان حرية الملاحة.

حسين قنبر

تأتي تصريحات حسين قنبر، مدير مركز دراسات الشرق للسلام في لبنان، لـ”الأيام نيوز”، لتضيف بعدا استراتيجيا مهما، حيث يشير إلى أن “ما تتعرض له إيران في الآونة الأخيرة من استهداف مباشر لمنشآتها النفطية والبنية التحتية الحيوية لا يمكن فصله عن سياق التصعيد الإقليمي المتسارع”. ويبرز أن أي دولة تواجه هذا النوع من الضربات “ستجد نفسها مضطرة للدفاع عن مصالحها وأمنها الاستراتيجي”، مضيفا أن الهجمات على منشآت الطاقة “تشكل مساسا مباشرا بعصب الاقتصاد الوطني الإيراني وبالاستقرار الطاقوي في المنطقة”، وهو ما يفتح الباب لردود فعل تتجاوز الخطوط التقليدية للاشتباك.

ويؤكد قنبر أن من يهاجم البنية التحتية الحيوية لدولة ما “لا يمكنه في الوقت نفسه أن يتوقع منها الالتزام الدائم بضوابط أو خطوط حمراء إذا كانت تلك الضربات تمس أمنها السيادي”، معتبرا أن إيران ترى في هذه الهجمات “محاولة لفرض معادلة ردع جديدة عليها بالقوة”. لذا، فإن أي رد محتمل يجب فهمه “في إطار الدفاع عن النفس ومحاولة إعادة التوازن في معادلة الردع، وليس باعتباره خطوة تصعيدية منفصلة عن سياق الأحداث”. ويختتم قنبر تحليله بتحذير من أن “استمرار استهداف منشآت الطاقة في المنطقة يحمل مخاطر كبيرة ليس على إيران وحدها، بل على استقرار أسواق الطاقة العالمية والممرات البحرية الحيوية”، محذرا من أن سياسة الضغط العسكري على طهران قد تؤدي إلى ردود أوسع تشمل مجمل التوازنات الإقليمية.

تُظهر هذه التصريحات أن أي خطوة إيرانية لإغلاق مضيق باب المندب، يجب النظر إليها من زاوية استراتيجية شاملة، تتضمن الدفاع عن المصالح الوطنية، وتحقيق توازن الردع مع القوى المعنية، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية العالمية. وترتبط هذه السياسة مباشرة بما يحدث في مضيق هرمز، حيث يُبرز شحرور أن تعطيل الممرين معا سيكون “كفيلا بإحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة”، بينما يشدد قنبر على أن الرد الإيراني على الضغوط العسكرية “ليس تصعيدا منفصلا، بل جزء من منطق الدفاع عن النفس واستعادة التوازن”.

بهذا، يتضح أن إيران، من خلال إشاراتها المتكررة لقدرتها على التحكم في مضيق باب المندب، لا تهدد الاقتصاد العالمي فحسب، بل تعلن أيضا عن إرادتها الدفاعية في وجه ما تعتبره هجمات على مصالحها الحيوية. ويظهر التنسيق بين التحليلات أن أي قرار بهذا الصدد سيكون مزيجا من حسابات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأن المراقبين الدوليين أمام تحد في فهم كيفية تعامل القوى الكبرى مع هذه المعادلة الجديدة، التي تجمع بين الردع والإكراه الاقتصادي والتأثير على حركة التجارة الدولية.