السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

حروب الشاشات وصناعة الكذب.. لماذا أصبح تأسيس هيئة عليا لمكافحة التضليل ضرورة أمنية للجزائر؟

Author
مولود صياد 12 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عصر تحولت فيه الكلمة إلى سلاح، والشاشات إلى ساحات معارك خفية، برزت الاتفاقية الاستراتيجية الأخيرة التي أبرمتها الرئاسة الجزائرية مع نظيرتها التركية لمكافحة التضليل الإعلامي، كخطوة سيادية أثارت موجة من الإشادة والتثمين في الأوساط الإعلامية وعبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذه الخطوة، التي تستند إلى الرصيد المعتبر للرئاسة التركية في هندسة الدفاعات المعلوماتية، طرحت تساؤلا جوهريا يفرض نفسه على الساحة اليوم: هل تحوّل تأسيس هيئات رئاسية عليا متخصصة في محاربة “صناعة الكذب” إلى حتمية وجودية لحماية الأمن القومي؟

 

حتمية التحصين المؤسساتي ضد “الوباء المعلوماتي”

في معرض إجابته عن هذا التساؤل الملح، يغوص الصحفي الجزائري والمختص في تدقيق الحقائق، رضا ملاح، في تفاصيل المشهد، خلال حديثه لـ”الأيام نيوز”، مؤكدا أن الحديث عن تأسيس هيئات عمومية متخصصة لم يعد ترفا، بل هو استجابة حتمية لمتطلبات حماية الفضاء الإعلامي الوطني. ويصف ملاح هذه الظاهرة بـ”الوباء المعلوماتي” الذي تتنامى مخاطره يوما بعد يوم مهددا استقرار المجتمعات.
ويستطرد ملاح موضحا: “لقد كنا شهودا على محاولات متكررة وممنهجة من جهات خفية استهدفت ضرب صورة البلاد ومؤسساتها السيادية، ومحاولة التشويش على الرأي العام في محطات سياسية، اقتصادية، ورياضية حاسمة”. ورغم أن الجزائر استبقت هذه التهديدات بسن ترسانة تشريعية صارمة تجرّم نشر الأخبار الكاذبة والمضللة التي تمس بالأفراد ومؤسسات الدولة، وترافق ذلك مع حملات توعوية واسعة، إلا أن التحدي بات يتطلب آليات هجومية ودفاعية أعمق.
ويؤكد مسؤول التدريب بالمجلس الوطني للصحافيين الجزائريين أن “التوجه نحو إرساء دعائم تعاون وشراكة دولية يضعنا أمام مقاربة متعددة الأبعاد، حيث يمثل وجود هذه الهيئات منظومة دفاعية متكاملة لصد حروب رقمية تعتمد على البروباغندا، وصناعة السرديات المسمومة، والتلاعب النفسي، واختراق العقول عبر أداة الكذب، سواء بهدف التشكيك في مؤسسات الدولة، أو تضخيم الأزمات العابرة، أو استغلال الكوارث لنشر الإشاعات وتشويه صورة الجزائر دوليا وإقليميا”.

الأبعاد الجيوسياسية لحرب المعلومات العابرة للحدود

وعلى الصعيد الإقليمي، يكتسي هذا التعاون الدولي طابعا استراتيجيا بالغ الأهمية، نظرا للوزن الجيوسياسي للجزائر وموقعها المحوري. يشير محدثنا إلى أن هذا الانفتاح يسمح بنقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات المتقدمة في الرصد والتحليل، فضلا عن تطوير أدوات رقمية فعالة وتدريب الكوادر الصحفية لمجابهة الحملات المنسقة.
إن التحولات التكنولوجية المتسارعة أفرزت تعقيدات غير مسبوقة في ظاهرة “الخلل المعلوماتي”، حيث يمكن لخبر كاذب واحد أن يكسر الحواجز الجغرافية، مجتاحا شاشات الملايين في أجزاء من الثانية ليترك أثرا مدمرا. هذا التطور الدراماتيكي فرض على الدول مراجعة عقيدتها الأمنية لتشمل حماية “الفضاء السيبراني والمعلوماتي” كجزء لا يتجزأ من حدودها الوطنية ومفاهيمها الأمنية، ما يجعل الشراكة وتبادل الخبرات ضرورة لا غنى عنها.

 

الذكاء الاصطناعي ومعركة استعادة ثقة المواطن

لم يعد التضليل مقتصرا على الأخبار النصية المفبركة، بل سجل العالم مستويات شديدة الخطورة والتعقيد، باتت تستعصي حتى على عيون المحترفين، فكيف بالمستخدم العادي الذي يستهلك المحتوى الجاهز خلف شاشته بحسن نية. يحذر ملاح من خطورة ما تتيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاسيما “التزييف العميق” الذي يُستعمل ببراعة في التلاعب بمشاعر الجماهير وتوجيه ميولاتهم، ضمن بيئة رقمية تتغذى على التفاعل بغض النظر عن مصداقية المحتوى.
هنا، يبرز الدور الحيوي لهذه الهيئات الرئاسية والمنصات المتخصصة؛ فهي لا تكتفي بالرد الإعلامي، بل تسعى لبناء “حصون الوعي النقدي” لدى الجمهور، وجعله قادرا على فرز الغث من السمين والتمييز وإصدار الأحكام. نحن نتحدث اليوم عن “المكافحة الاستباقية” التي تهدف إلى إجهاض السرديات المضللة وإسقاط حجيتها في مهدها فور وصولها إلى مستخدم واعٍ، خاصة تلك التي تروجها جهات معادية تسعى لزرع بذور الفتنة وتغذية خطاب الكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
والأهم من ذلك، أن هذه المنصات تؤدي دورا محوريا في حماية مؤسسات الدولة وتقليص فجوة الثقة بين المواطن وصنّاع القرار، وهو الوتر الحساس الذي يعزف عليه كثيرا صنّاع التضليل باستغلالهم للملفات الاجتماعية والاقتصادية وقضايا الرأي العام. وعلى الصعيد الدولي، يؤكد ملاح أن مكافحة التضليل باتت جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي في مواجهة “الحروب الهجينة”، وهو ما يفسر تسابق الحكومات لاستحداث هيئات ومراكز بحثية تعنى بتهيئة بيئة إعلامية مضادة.

مذكرة تفاهم ترسم ملامح الأمن القومي المعلوماتي

تجسيدا لهذا الوعي الاستراتيجي، أعلن رئيس دائرة الاتصال التركية، برهان الدين دوران، عن توقيع مذكرة تفاهم تاريخية بين تركيا والجزائر للتعاون في مجال مكافحة التضليل الإعلامي. وقد اتخذت هذه الخطوة طابعا سياديا رفيع المستوى، إذ جرت مراسم التوقيع مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، تحت إشراف مباشر وحضور من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان.
وأوضح دوران أن بلاده تواصل توسيع شراكاتها الثنائية لمكافحة التضليل، مؤكدا أن المذكرة تهدف إلى خلق جبهة موحدة لتبادل المعلومات، وتطوير آليات التحقق من الأخبار الزائفة، وتنفيذ أعمال ومشاريع مشتركة لدرء مخاطر التلاعب بالمعلومات، معربا عن تمنياته بأن تعزز هذه الخطوة العلاقات التاريخية القوية بين البلدين.
وفي تفاصيل الاتفاقية، أكدت دائرة الاتصال التركية أن الجانبين اتفقا على تشكيل “لجنة تقنية مشتركة” للمتابعة الدورية، تضم نخبة من الخبراء والممثلين من كلا البلدين. كما تنص المذكرة، التي دخلت حيز التنفيذ فورا وستظل سارية المفعول لمدة ثلاث سنوات، على تعزيز التبادل المهني لأفضل الممارسات، وتنظيم مؤتمرات ودورات تكوينية وورش عمل متخصصة، إلى جانب خطوة استراتيجية تتمثل في تعزيز التنسيق الرقمي المباشر بين وكالتي الأنباء الرسميتين في البلدين.

Author مولود صياد
صحفي ومدقق حقائق خريج جامعة الجزائر 3 كلية الإعلام والاتصال