الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

حشيش وهجرة وأنفاق.. من يحكم مغرب ما تحت الأرض؟

Author
راضية زبانة 04 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

كشفت تقارير دولية أن اسم المغرب، صار اليوم على رأس قائمة أكثر التهديدات الأمنية لأوروبا، حيث تتحرّك على أراضيه شبكات تهريب المخدرات والسلاح والهجرة غير الشرعية، في منظومة معقّدة تتجاوز كل الحدود المتعارف عليها للجريمة.

في السنوات الأخيرة، تحولت هذه الحقيقة إلى معطى شبه ثابت في تقارير المؤسسات الأوروبية، التي ترصد بشكل دوري تصاعد دور المغرب في شبكات الجريمة العابرة للحدود، خاصة في ما يتعلق بتهريب المخدرات والهجرة غير النظامية. هذا التحول لا يعكس فقط زيادة في حجم النشاط، بل يشير إلى انتقال نوعي من مجرد “منطقة عبور” إلى “مركز ثقل” داخل شبكة إجرامية متعددة المستويات، تتحكم في مسارات الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع، وتمتد تأثيراتها إلى عمق المجتمعات الأوروبية.

وفي هذا السياق، أكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن المغرب ما يزال من بين أكبر منتجي راتنج القنب (الحشيش) عالميا، بإنتاج سنوي يقدر بين 2500 و3000 طن. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الإنتاج، بل تكشف عن خلل هيكلي في العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، حيث يفوق المعروض بكثير قدرة السوق المحلية، ما يجعل التصدير غير المشروع الخيار الأكثر ربحية واستمرارية.

وتكمن خطورة هذه المعطيات في كونها ترتبط بسوق أوروبية تُعد من بين الأكثر استهلاكا عالميا للمخدرات، ما يخلق علاقة تبادلية معقدة بين العرض القادم من الضفة الجنوبية للمتوسط والطلب المرتفع في الضفة الشمالية. ونتيجة لذلك، أصبح المسار الغربي للمتوسط، الممتد من شمال المغرب نحو إسبانيا، أحد أهم شرايين تهريب المخدرات نحو أوروبا، في نمط ظل مستقرا لعقود، لكنه شهد في السنوات الأخيرة تحولات نوعية في الوسائل والآليات.

وما يزيد من تعقيد المشهد، أن هذه التجارة لم تعد تدار بأساليب تقليدية، بل أصبحت جزءا من منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع وغسل الأموال، مع اعتماد متزايد على وسائل حديثة وتقنيات متطورة، مثل الطائرات المسيّرة، والغواصات الصغيرة، والأنفاق العابرة للحدود، وشبكات الاتصال المشفرة، ما يعكس مستوى عال من التنظيم والاحترافية.

بؤرة تصدير السموم

وتشير المعطيات إلى أن جزءا كبيرا من هذه الكميات يُوجَّه عبر مسارات منظمة تنطلق من شمال المغرب نحو إسبانيا وباقي الدول الأوروبية، حيث تمر عبر نقاط استراتيجية مثل سبتة ومضيق جبل طارق، قبل أن تتوزع نحو مدن أوروبية كبرى، في شبكة معقدة تعتمد على التنسيق الدقيق والمعلومات الاستخباراتية الميدانية.

عز الدين نميري

وفي هذا الإطار، كشف الباحث في العلاقات الدولية عز الدين نميري – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن المغرب أصبح بؤرة مصدرة ومنتجة للمخدرات بامتياز، ما جعله يشكل تهديدا مباشرا لأمن واستقرار المنطقة الأورومتوسطية والصحراء الكبرى. ويؤكد أن هذا التحول يتجلى في توسع شبكات التهريب بشكل يتجاوز الحدود الوطنية، ليتقاطع مع أنشطة الإرهاب والجريمة المنظمة، في مشهد يعكس تداخلا خطيرا بين هذه الظواهر.

ويستند هذا الطرح إلى معطيات ميدانية دقيقة، أبرزها العمليات الأمنية التي كشفت عن بنى تحتية معقدة لتهريب المخدرات، من بينها الأنفاق العابرة للحدود. فقد أعلنت السلطات الإسبانية عن تفكيك نفق متطور مزود بسكك حديدية ووسائل رفع تحت الأرض، يُستعمل لنقل المخدرات من المغرب إلى إسبانيا، في عملية نوعية أسفرت عن حجز 17 طنا من المخدرات و1.4 مليون يورو، مع توقيف 27 شخصا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت التحقيقات أن هذا النفق مرتبط مباشرة بنفق سابق تم تفكيكه سنة 2024، ما يدل على وجود نمط ممنهج واستراتيجية طويلة المدى في اعتماد هذه الوسيلة. كما تبين أن الشبكة التي كانت تقف وراء النفق الأول تضم شخصيات سياسية تنشط داخل إسبانيا، مع امتدادها إلى داخل الأراضي المغربية، ما يعكس تعقيد البنية التنظيمية لهذه الشبكات.

وفي السياق ذاته، أوضح المحلل السياسي بدر العيدودي أن هذه الأنفاق ليست حالات معزولة، بل تندرج ضمن نمط متكرر يعكس تطورا نوعيا في أساليب التهريب. وأشار إلى أن بعض هذه الأنفاق كان يُستخدم في البداية لتهريب السلع، قبل أن يتم تحويله إلى تهريب المخدرات، خاصة بعد إغلاق المعابر التجارية سنة 2018، وهو ما يكشف عن قدرة هذه الشبكات على التكيف مع المتغيرات.

كما لفت إلى أن بعض هذه الأنفاق يمتد إلى داخل منشآت حساسة، من بينها منشآت عسكرية، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الثغرات الأمنية، أو حتى أشكال التواطؤ التي قد تستفيد منها هذه الشبكات. الأخطر من ذلك، بحسب العيدودي، أن هذه البنية التحتية يمكن أن تُستخدم ليس فقط لتهريب المخدرات، بل أيضا لنقل الأسلحة أو تسهيل عبور عناصر دون رقابة، ما يرفع من مستوى التهديد إلى أبعاد أمنية وعسكرية خطيرة.

ومن جهة أخرى، كشفت تقارير إعلامية إسبانية عن معطيات مقلقة تتعلق بوجود تواطؤ داخلي يسهل عمل هذه الشبكات. فقد تبين أن الشبكات الإجرامية تعتمد على دفع رشاوى لعناصر من أجهزة أمنية مقابل تمرير الشحنات دون تفتيش، وهو ما ظهر بوضوح في قضية حجز 15 طنا من الحشيش في ميناء ألميريا، كانت مخبأة داخل شحنة بطاطا قادمة من الناظور.

بنية إجرامية متكاملة

كما أظهرت التحقيقات أن الشبكة كانت تستخدم شركات نقل كغطاء قانوني لأنشطتها، إلى جانب تشغيل شبكات متخصصة في غسل الأموال، ما يعكس بنية تنظيمية متكاملة تشمل مختلف حلقات النشاط الإجرامي. وقد امتد نشاط هذه الشبكة عبر عدة مدن ومحاور استراتيجية، من سبتة ومضيق جبل طارق إلى كوستا ديل سول وألميريا وغرناطة ومدريد.

ولم تكن هذه العمليات عشوائية، بل اعتمدت على معلومات دقيقة حول تحركات قوات الأمن، وأفضل توقيت لتنفيذ عمليات التهريب، ما يعكس مستوى عال من التنسيق والتخطيط. كما أن تفكيك هذه الشبكة استغرق أكثر من 13 شهرا من العمل الأمني المكثف، شارك فيه أكثر من 250 عنصرا، مع استخدام طائرات مسيرة ومروحيات وتقنيات مراقبة متقدمة.

وفي عملية أخرى، تمكنت السلطات الإسبانية من تفكيك شبكة جديدة كانت تنشط في تهريب المخدرات نحو فرنسا وباقي أوروبا، حيث أسفرت العملية عن حجز 15 طنا من الحشيش وتوقيف 16 شخصا، إضافة إلى مصادرة 1.5 مليون يورو و66 جهاز اتصال. وقد نفذت هذه العملية عبر 29 مداهمة متزامنة في عدة مناطق، ما يعكس حجم انتشار هذه الشبكات.

ويضيف نميري أن تجارة المخدرات لم تعد منفصلة عن التحركات الإرهابية، إذ تُستخدم عائداتها في تمويل شراء الأسلحة ودعم الجماعات المسلحة، كما ترتبط بشكل مباشر بتصاعد الهجرة غير الشرعية وتجارة البشر، ما يمنحها أبعادا جديدة تتطلب تنسيقا دوليا مكثفا.

وعلى المستوى الاجتماعي، يشدد على أن انتشار المخدرات لم يعد مقتصرا على فئات محددة، بل امتد ليشمل شريحة واسعة من الشباب، ما أثر على الصحة الجسدية والعقلية، وأدى إلى تآكل القيم الاجتماعية وخلق اختلالات عميقة داخل المجتمعات.

المخدرات والهجرة غير الشرعية.. خارج السيطرة

تشير تقارير أوروبية إلى أن المغرب يمثل نقطة انطلاق رئيسية لهاتين الظاهرتين، ما يفرض واقعا أمنيا معقدا يستدعي تعزيز التعاون الدولي. ويؤكد الخبير في القانون الدولي ميخائيل ماهر – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية لم يعد محليا، بل أصبح تحديا عابرا للقارات.

ميخائيل ماهر

ويشير ماهر إلى أن شبكات التهريب طورت وسائلها بشكل كبير، حيث لم تعد تعتمد فقط على القوارب التقليدية، بل باتت تستخدم الشاحنات والطائرات المسيّرة والغواصات الصغيرة، إضافة إلى الأنفاق، ما يعكس تصاعد قدراتها التقنية والتنظيمية.

كما يوضح أن فائض الإنتاج يؤدي إلى انخفاض الأسعار وزيادة الاستهلاك، ما يوسع السوق السوداء ويعزز أنشطة أخرى مثل غسل الأموال والاتجار بالبشر، لتصبح تجارة المخدرات عنصرا محوريا في منظومة الجريمة المنظمة.

وفي ملف الهجرة غير الشرعية، يرى ماهر أن هذه الظاهرة تشكل ضغطا متزايدا على الدول الأوروبية، سواء من حيث البنية التحتية أو التحديات الأمنية، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية وتصاعد التوترات السياسية داخل أوروبا.

بشير محمد لحسن

يرى الخبير في الشأن الإسباني، بشير محمد لحسن – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن تأثير المغرب على السوق الأوروبية لـ”الحشيش” ليس ظرفيا، بل هو تأثير بنيوي ممتد منذ عقود. ويؤكد أن الإشكال لم يعد في وجود شبكات تهريب فقط، بل في تشكل منظومة متكاملة تشمل مختلف مراحل النشاط الإجرامي، من الإنتاج إلى التوزيع، مرورا بالنقل والتخزين وغسل الأموال، ما يجعل من هذه الظاهرة تحديا معقدا يتجاوز الحلول التقليدية.

ويضيف أن استمرار تدفق المخدرات بهذا الحجم يفتح الباب أمام فرضيات تتجاوز العجز الأمني، لتشمل وجود توازنات معقدة أو مناطق رمادية بين المكافحة والتغاضي، خاصة في ظل تشابك المصالح وامتداد الشبكات عبر عدة دول.

كما يحذر من أن تطور أساليب التهريب، خاصة عبر الأنفاق والتقنيات الحديثة، يفرض تحديات أمنية متزايدة، تتطلب استجابة دولية أكثر صرامة وتنسيقا، تعتمد على تبادل المعلومات وتعزيز التعاون القضائي والأمني.

رابط دائم
https://elayem.news/bf4s1