الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

حماية التراث الثقافي.. رهان سيادي يعزز الهوية ويواجه الجريمة العابرة للحدود

Author
إيمان عبروس 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشكّل التراث الثقافي في الجزائر إحدى الركائز الأساسية للهوية الوطنية، بما يحمله من دلالات تاريخية وحضارية تعكس عمق المجتمع وتنوعه، ومع تسارع التحولات العالمية وما تفرضه العولمة من تحديات ثقافية متزايدة، بات الحفاظ على هذا الإرث ضرورة استراتيجية لا تقبل التأجيل.

حسين سرايش

ووفق هذا التوجّه، أكد صدام حسين سرايش، رئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن حماية التراث الثقافي ليست مجرد مهمة رمزية أو احتفائية، بل رهان وطني وعمل مستمر يعكس مدى التزام الدولة والمجتمع بصون الذاكرة الوطنية وصيانة الهوية.

توضح هذه الرؤية أهمية تبني مقاربة شاملة تجمع بين الحماية القانونية، والرقمنة، والتثمين الاقتصادي والاجتماعي للتراث، بما يضمن استمراريته وتحويله إلى رافد أساسي للتنمية.

شدد سرايش على أن التراث الثقافي يمثل جوهر الهوية الجزائرية ومرآة تاريخها الممتد عبر العصور. وأضاف أن صونه يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى حماية الذاكرة الجماعية وتعزيز السيادة الثقافية، مشيرا إلى أن التراث ليس مقتصرا على الآثار والمباني التاريخية، بل يشمل كل مظاهر الموروث الحضاري من عادات، تقاليد، فنون وحرف يدوية.

وأشار سرايش إلى أن الحفاظ على التراث يعزز شعور الانتماء لدى الأفراد والجماعات، ويساعد على نقل القيم الوطنية والاجتماعية للأجيال الجديدة، مؤكدا أن التراث الثقافي يربط الماضي بالحاضر ويمكّن الشباب من فهم أصولهم وهويتهم.

حماية قانونية تحتاج إلى تفعيل

رغم وجود إطار قانوني لحماية التراث الثقافي، يرى سرايش أن التحديات المعاصرة تستدعي تفعيل هذه القوانين بصرامة أكبر. إذ يشير إلى أن العديد من المواقع الأثرية والممتلكات الثقافية لا تزال عرضة للإهمال أو التلاعب نتيجة ضعف الجرد والتصنيف.

ويضيف أن الحل يكمن في إنشاء سجلات وطنية محيّنة لكل القطع الأثرية والمواقع التاريخية، وتسريع تصنيف المواقع المكتشفة حديثًا، بالإضافة إلى فرض رقابة صارمة على المتاحف والمخازن، لضمان عدم فقدان أو تهريب القطع الثمينة.

وتعد هذه الإجراءات، بحسب سرايش، خطوة أساسية لتعزيز المسؤولية القانونية والميدانية في حماية التراث من أي تهديد داخلي أو خارجي.

التهريب والاتجار.. خطر يهدد الذاكرة

أوضح سرايش أن الممتلكات الثقافية أصبحت هدفًا لشبكات التهريب الدولية، مستغلة الثغرات القانونية وضعف الرقابة، وتحولت هذه الظاهرة إلى نشاط إجرامي منظم يهدد الذاكرة الوطنية ويستنزف الموارد الثقافية.

وأشار إلى أن جريمة الاتجار بالممتلكات الثقافية تحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد تجارة السلاح والمخدرات، وفق إحصاءات “الأنتربول”، مشددا على ضرورة تنسيق الجهود الأمنية على المستوى الوطني والدولي لاسترجاع الممتلكات المسروقة وملاحقة الشبكات المتورطة في هذا النشاط الإجرامي.

الرقمنة.. آلية حديثة للحماية

يؤدي التقدم التكنولوجي دورا أساسيا في حماية التراث، ويؤكد سرايش أن الرقمنة أصبحت أداة استراتيجية لا غنى عنها، لما توفره من وسائل دقيقة للتوثيق والمتابعة.

وتشمل هذه العملية إنشاء أرشيف رقمي وطني للقطع الأثرية، وإعداد بطاقات تعريف إلكترونية لكل قطعة، إضافة إلى اعتماد تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد لتسجيل المواقع والمتاحف. كما يُنظر إلى الرقمنة كوسيلة لتعزيز الشفافية وتسهيل الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالتراث، سواء للباحثين أو للجمهور العام.

الإعلام الثقافي.. رافعة للوعي والترويج

أشار سرايش إلى أن الإعلام يؤدي دورا محوريا في تعزيز الوعي بأهمية التراث، ويعد وسيلة لنقل المعرفة بين الأجيال، فضلا عن كونه أداة لترويج هذا الإرث على المستوى المحلي والدولي.

وأكد على ضرورة تطوير إعلام ثقافي متخصص يستخدم الوسائط الرقمية الحديثة ويستهدف الشباب، ليكون منبرا للتفاعل مع التراث، وتحفيز الاهتمام به، وتعزيز دوره كمنتج ثقافي وسياحي يعكس صورة الجزائر الحضارية.

الاستثمار في التراث.. نحو تنمية مستدامة

يشير سرايش إلى أن التراث الثقافي يمكن أن يكون موردا اقتصاديا حقيقيا، من خلال تطوير السياحة الثقافية، دعم الصناعات التقليدية، وتنظيم مهرجانات تراثية.

وتسهم هذه المبادرات في خلق فرص عمل، خاصة للشباب، وتدعيم الاقتصاد الوطني، ما يجعل التراث أداة للتنمية المستدامة وليس مجرد ذاكرة محفوظة. كما أضاف أن استثمار التراث بشكل مستدام يعزز من قدرة المجتمع على الحفاظ على هويته في مواجهة تحديات العولمة.

وتواصل الأجهزة المختصة جهودها لحماية المواقع الأثرية، عبر مراقبة مستمرة، والتصدي لمحاولات التنقيب غير المشروع، مدعومة بتقنيات حديثة مثل أنظمة المراقبة الرقمية. وأشار إلى أن هذه الجهود أسفرت عن اكتشاف مواقع جديدة واسترجاع قطع أثرية مهربة، وهو ما يعكس وعيا متزايدا بأهمية حماية التراث وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية.

مقاربة تشاركية لحماية التراث

يشدد سرايش على أن حماية التراث مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والشباب. وتشمل هذه المقاربة تعزيز الشراكات، إدماج الشباب في برامج التوعية، دعم المبادرات المحلية، وربط التراث بالمناهج التعليمية لتعميق معرفة الأجيال الجديدة بجذورهم وهويتهم. كما ويعتبر التراث الثقافي حلقة وصل بين الماضي والحاضر، ومنحه أولوية في السياسات الوطنية يعكس إدراك أهمية صونه كعنصر فعال في تعزيز الوعي والهوية.

وأشار سرايش إلى أن التراث، بمختلف أشكاله، يجب أن يُوظف في بناء مستقبل مستدام، يوازن بين الحماية والتثمين، ويستثمر في التنمية السياحية والثقافية، مع تعزيز القوانين والرقابة لضمان انتقال الإرث للأجيال القادمة بصورة سليمة.

وحسب سرايش، يبقى التراث الثقافي أحد أبرز مقومات الهوية الوطنية، وحمايته مسؤولية مشتركة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الصون، الرقمنة، التثمين والاستثمار.

ومن خلال تضافر الجهود، بين المؤسسات الرسمية، المجتمع المدني، والإعلام، يمكن للجزائر أن تحافظ على كنوزها الثقافية، وتحوّلها إلى رافد اقتصادي وثقافي واجتماعي يعزز التنمية المستدامة ويصون هويتها الوطنية.

رابط دائم
https://elayem.news/mdvpv
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي