حماية “التراث الجزائري”.. الأمن الثقافي في مواجهة لصوص التاريخ

يُمثّل التراث الثقافي الوطني ثروةً هائلةً قابلة للاستثمار في مجالات داعمة للاقتصاد، وأيضا للتوظيف في التربية والتعليم، وفي بناء شخصية النشأ الجزائري. وقد أولت الدولة الجزائرية عناية كبيرة بهذا الشأن، وفق ما جاء في بيان السياسة العامة للحكومة حول “المُحافظة على التراث الثقافي الوطني وتطويره وترقيته”.

برزت أهميّة التراث الثقافي، المادي على وجه الخصوص، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سعت كثيرٌ من الدول إلى حماية موروثها واستثماره في مجالات مُنتجة للثروة. وتُعتبر الجزائر من الدول السبّاقة إلى إبرام الاتفاقيات الدولية لحماية تراثها الأثري، إضافة إلى عناية المُشرّع الجزائري بهذا المجال الحيوي، حيث صدرت مجموعة من التشريعات في هذا الإطار، تهدف إلى ضمان “انتقال” الموروث الثقافي عبر الأجيال، بالشكل الذي يحتفظ فيه بصفة “الشاهد” على العَرَاقة والأصالة وعمق الانتماء الحضاري للجزائر.

الموروث الثقافي والهوية والوطنية

إن الموروث الثقافي من أهمّ العناصر المُكوّنة للهوية الوطنية، والحفاظ عليه وتطويره وترقيته، هو تأصيلٌ للهوية وتحصينٌ للشخصية الجزائرية من الاختراقات التي تستهدفها، لا سيما عبر شبكة الإنترنت، وتريد أن تُميّع الانتماء الوطني، وتزرع فيه التشكيك والاضطراب، بما قد يتولّد عنه حالات عدم الاستقرار المجتمعي، وأيضا عدم الاستقرار حتى على مستوى الحالة النفسية والفكرية للمواطن.

حماية التراث قضيةُ “أمن ثقافي

حماية التراث الثقافي الوطني، في عصر التطور التكنولوجي وما يعيشه العالم راهنا، تُمثّل بشكل ما ضرورة أمنية متعلّقة بـ “الأمن الروحي” والتاريخي للمواطن الجزائري عموما. ولم تعد خافيةً عمليات السرقة والنهب التي تعرضّ لها التراث الثقافي في العراق وسوريا، حيث تمّ تسجيل آلاف الجرائم في نهب الآثار أو تدميرها، في خطة تستهدف إحداث القطيعة بين الأجيال الناشئة وماضيها، وهو أمرٌ يضرب صميم الهوية الوطنية، ويُحقق “خلق” الإنسان اللامنتمي حضاريا وتاريخيا.

لصوص التاريخ

يُشار في هذا السياق، إلى عمليات “التزوير” التاريخي الذي استهدف بعض الموروث الثقافي الجزائري في مجال الأزياء والطعام وحتى التصاميم الفنية، حيث حاول المغرب نسبتها إليه والترويج لذلك عالميا، في لعبة مكشوفة تؤكّد علاقة نظام المخزن بلصوص التاريخ في العراق وسوريا، فالأيادي الصهيونية هي التي تمتدّ إلى ميراث الشعوب العربية الأصيلة لتسرقها أو تدمّرها في إطار مخطّط شيطاني طويل الأمد يستهدف ضرب الهوية الوطنية من بوابة الموروث الثقافي.

وفي هذا السياق، يجب تثمين توجّهات الدولة الجزائرية لحماية الموروث الثقافي ودعمها، لأن المسؤولية كبيرة، ويجب أن يُسهم فيها المواطن من أيّ موقع كان فيه، لأن الأمر يتعلّق بكينونته ومستقبل أجياله وهوية وطنه.

ثروةٌ وطنية

اهتمام الحكومة تَوزَّع على مجموعة من المحاور تتعلق بالنشاطات الثقافية الجارية، والفنون والآداب، والكتب والمكتبات والمخطوطات، والمسارح والصناعة السينمائية، والتراث اللامادي، إضافة إلى المواقع الأثرية، حيث يجري متابعة ثمانية وعشرين موقعا أثريا تمّ اكتشافها.

للتذكير، تمتلك الجزائر ثروة هائلة من المخطوطات موجودة في مكتبات الزوايا والأفراد، إضافة إلى المكتبة الوطنية ومراكز المخطوطات. وهي دائما في حاجة إلى متابعتها بأحدث التقنيات لمعالجتها وتصويرها والحفاظ عليها. وبالتأكيد هي تحتاج إلى تظافر جهود الباحثين والدارسين والمُهتمّين لتحقيقها وإخراجها إلى الجزائريين، بما يعزّز علاقتهم بموروث أسلافهم في مختلف المجالات المعرفية.

لا وعيَ بلا موروث

تنبّه عددٌ من الباحثين العرب إلى أهمية التراث الثقافي في بناء الوعي الوطني، ومن هؤلاء “محمد عابد الجابري” الذي ألّف كتاب “نحن والتراث”، حيث بيّن فيه أن “العرب في عمومهم مرتبطين بتراثهم المجيد كارتباطهم بالحياة ذاتها، فالعربي يتلقّى التراث واللغة ويتشبع بهما منذ لحظات ميلاده، وذلك من خلال الكلمات والأساطير والقصص الشعبية، بل والخرافات التي ترتبط بالأجداد، مما يجعل أسلوب تفكيره مختلفا ومرتبطا بالتراث بشكل عام”.

إن وعينا وأسلوب تفكيرها وحتى رؤيتنا للحياة ذاتها مُرتبطٌ ارتباطا وثيقا بموروثنا الثقافي، بمعنى آخر، هذا الموروث هو بوصلتنا نحو المستقبل، ونحن نمتلك خصوصيتنا وما يُميّزنا عن غيرنا حضاريا وتاريخيا. وبدون موروثنا الثقافي سنكون أشتاتا تائهة، وليس هناك من يجمعنا ويوحّدنا ويمنحنا قوة التلاحم.

الموروث الثقافي ضمانٌ لتواصل الأجيال

وفي موضع آخر من كتابه، يقول “الجابري” بأن “كل شعوب الأرض ترتبط بموروثها الثقافي والوجداني واللغوي والنفسي والديني، ولكنها تختلف في مستوى الترابط، ومدى القدرة على حفظ ذلك التراث، وهذا ما يجعل الكل في تحدّ للحفاظ على هويته وتراثه بشكل عام”.

يجب النظر إلى الموروث الثقافي بأنه الوقود الذي يحتاجه الفرد والمجتمع على حدّ السواء للانطلاق نحو المستقبل بثقة ويقين، ويرى بعض الباحثين بأنه العنصر الذي يضمن الاستمرارية التاريخية، وهو بشكل ما يُمثّل “صلة الرحم” التي يضمن تواصل الأجيال.

المنظمات الدولية لا تحمي ولا تحافظ

للإشارة، تُمثّل “اليونسكو” أو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أكبر هيئة دولية معنية بالتراث الثقافي العالمي، وقد تأسست عام 1945 بإرادة المجتمع الدولي لحماية، على الخصوص، المواقع التاريخية أو الطبيعية وإبقاءها سليمة.

أما عربيا، فقد تأسست المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) عام 1975، وهي تعمل في نطاق جامعة الدول العربية من أجل النهوض بالثقافة العربية وتطوير مجالات التربية والثقافة والعلوم. ولكن ما حدث من إجرام بحق الموروث الثقافي العراقي والسوري، يؤكّد بأن حماية هذا الموروث والحفاظ عليه، أكبر من المنظمات الدولية، بل هو التحدّي الذي تلتزم بها كل دولة اتجاه موروثها، دون إغفال للدور الذي يجب أن يقوم بكل المواطن في هذا الإطار أيضا.