الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

حماية الطفولة في الجزائر.. ترسانة قانونية متكاملة وتحديات تفرض تحديث آليات الحماية

Author
بثينة صايفي 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في الجزائر، تُعدّ حماية الطفولة إحدى الركائز الأساسية في البناء التشريعي والمؤسساتي للدولة، حيث تتقاطع فيها الأبعاد الدستورية والقانونية والدينية والاجتماعية لضمان بيئة آمنة وسليمة لنمو الطفل، وتبرز هذه الحماية كخيار استراتيجي يعكس التزام الدولة بصون حقوق الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال، باعتبارهم نواة المجتمع ومستقبله.

ويستند هذا التوجه إلى منظومة قانونية متكاملة، على رأسها الدستور الجزائري الذي كرّس مبدأ حماية الأسرة والطفولة، إلى جانب ترسانة من القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الجزائر، والتي تهدف جميعها إلى تعزيز حقوق الطفل وضمان تكفله في مختلف الظروف، كما يتجلى هذا الاهتمام في تعدد الآليات المؤسساتية المتخصصة، التي تعمل على الوقاية والحماية والتكفل، بما يعكس رؤية شاملة ومندمجة لصون الطفولة من مختلف المخاطر والانتهاكات.

 

حماية الطفولة في الجزائر.. منظومة دستورية وقانونية متكاملة

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أن الجزائر اعتمدت منظومة متكاملة لحماية الطفولة، تقوم على تداخل الأدوار بين مختلف الفاعلين، بما يضمن توفير بيئة آمنة وسليمة لنمو الطفل جسديا ونفسيا واجتماعيا، موضحا أن الدستور الجزائري باعتباره المرجعية العليا للتشريع، أولى أهمية خاصة لحماية الأسرة والطفولة، من خلال ترسيخ جملة من المبادئ التي تكفل حقوق الطفل وتضمن رعايته في مختلف الظروف، وتبرز المادة 71 من الدستور كنقطة ارتكاز أساسية في هذا الإطار، إذ تنص على أن الأسرة تحظى بحماية الدولة، وأن حقوق الطفل مكفولة من قبل الدولة والأسرة على حد سواء، مع التأكيد على ضرورة مراعاة المصلحة الفضلى للطفل باعتبارها معيارا موجها لكل السياسات والإجراءات المتعلقة بهذه الفئة، ويعكس هذا التوجه الدستوري إدراكا عميقا لأهمية الطفولة باعتبارها مرحلة حاسمة في تكوين الفرد وبناء المجتمع، ما يجعل حمايتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة.

موسى بودهان أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر
موسى بودهان أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر

المادة 71.. حجر الزاوية في حماية الطفل

تُعدّ المادة 71 من الدستور الجزائري حجر الزاوية في منظومة حماية الطفولة، كونها تشكل الإطار المرجعي الذي تُبنى عليه مختلف السياسات والتشريعات المتعلقة بحقوق الطفل، وقد شدد أستاذ القانون الدستوري موسى بودهان على أن هذه المادة لا تقتصر على إعلان مبادئ عامة، بل تضع التزامات واضحة على عاتق الدولة والأسرة معا، بما يضمن حماية فعلية وملموسة للطفل في مختلف مراحل حياته وظروفه الاجتماعية.

وتنص المادة 71 على تكفل الدولة بالأطفال المتخلى عنهم ومجهولي النسب، وهو مبدأ يعكس البعد الإنساني والاجتماعي للدولة الجزائرية، التي تتعهد بضمان الرعاية والحماية لهذه الفئة التي تُعد من الأكثر هشاشة داخل المجتمع، كما تُحمّل المادة الأولياء مسؤولية قانونية وأخلاقية في ضمان تربية أبنائهم تربية سليمة وسوية، بما يتماشى مع قيم المجتمع ومتطلبات التنشئة السليمة، مع إمكانية ترتيب المتابعة الجزائية في حال الإخلال بهذه الالتزامات، وهو ما يعكس جدية المشرّع في ترسيخ مفهوم المسؤولية الأسرية.

إلى جانب ذلك، تكرّس المادة ذاتها مبدأ الحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال التي قد تطال الأطفال، سواء تعلق الأمر بالعنف الجسدي أو النفسي أو الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي، حيث يُعتبر كل مساس بسلامة الطفل أو كرامته فعلا مجرّما يعاقب عليه القانون. ويؤكد هذا التوجه على أن حماية الطفل ليست مجرد خيار اجتماعي، بل التزام قانوني صارم يهدف إلى صون كرامة الإنسان منذ مراحل حياته الأولى، وضمان نشأته في بيئة آمنة تحترم حقوقه وتصون مستقبله.

 

المرجعية الإسلامية في صون حقوق الطفل

وأشار بودهان إلى أن حماية الطفل في الجزائر لا تستند فقط إلى النصوص الوضعية، بل تجد جذورها كذلك في المرجعية الإسلامية التي تشكل أحد مصادر التشريع الوطني. واستشهد بعدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد حقوق الطفل في الرعاية والتربية والعدل بين الأبناء، معتبرا أن هذه المرجعية أسهمت في ترسيخ مبادئ الحماية والرعاية داخل المنظومة القانونية الجزائرية.

وفي السياق ذاته، أبرز المتحدث أن القانون رقم 15-12 المتعلق بحماية الطفل يمثل أحد أهم النصوص القانونية في هذا المجال، حيث يتضمن ستة أبواب و150 مادة تعالج مختلف الجوانب المرتبطة بحقوق الطفل وحمايته، كما أشار إلى دور قانون الأسرة المعدل والمتمم، خاصة المواد المتعلقة بالحضانة والنفقة والرعاية الأسرية، في تعزيز الحماية القانونية للأطفال.

 

التزام دولي بحماية حقوق الطفولة

يمثل الالتزام الدولي بحماية حقوق الطفولة أحد الأبعاد الأساسية في السياسة التشريعية للجزائر، حيث لم تقتصر جهودها على الإطار الوطني فحسب، بل امتدت إلى الانخراط الفعّال في المنظومة القانونية الدولية والإقليمية الخاصة بحقوق الإنسان، بما يعكس إرادة واضحة في مواءمة التشريعات الداخلية مع المعايير العالمية المعتمدة في مجال حماية الطفل.

وفي هذا السياق، أوضح بودهان أن الجزائر دعمت ترسانتها القانونية الوطنية من خلال المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الدولية المهمة، في مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الأمم المتحدة، والتي صادقت عليها الجزائر سنة 1992، وتُعد المرجعية الدولية الأساسية في مجال حماية حقوق الأطفال، إذ تحدد جملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن يتمتع بها كل طفل دون تمييز، مع التأكيد على مبدأ المصلحة الفضلى للطفل باعتباره معيارا أساسيا في كل الإجراءات المتعلقة به.

كما انضمت الجزائر إلى الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، الذي يُعد الإطار القاري الأبرز لحماية الطفولة في إفريقيا، ويعزز التزامات الدول الأعضاء في مجالات التعليم والصحة والحماية من الاستغلال والعنف، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للقارة، ويعكس هذا الانضمام حرص الجزائر على تعزيز بعدها الإفريقي في مجال حقوق الإنسان، والمساهمة في تطوير آليات جماعية لحماية الأطفال على مستوى القارة.

وإضافة إلى ذلك، صادقت الجزائر على البروتوكولات الاختيارية الملحقة باتفاقية حقوق الطفل، خاصة تلك المتعلقة بمنع بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية، وهي بروتوكولات تهدف إلى مكافحة أشكال الجريمة المنظمة التي تستهدف الطفولة، وتعزيز التعاون الدولي في ملاحقة الشبكات الإجرامية وحماية الضحايا، كما شملت التزاماتها الدولية الاتفاقيات الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن في ذلك الأطفال، من خلال ضمان إدماجهم الاجتماعي والتربوي وتوفير الرعاية اللازمة لهم دون تمييز.

ويؤكد هذا الانخراط الواسع في الاتفاقيات الدولية أن الجزائر تعتمد مقاربة منفتحة في مجال حماية الطفولة، تقوم على التفاعل بين التشريع الوطني والمعايير الدولية، بما يعزز من فعالية المنظومة القانونية ويضمن توافقها مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بالفئات الأكثر هشاشة وعلى رأسها الأطفال.

 

ترسانة تشريعية متعددة القطاعات

وأضاف المتحدث أن حماية الطفولة لا تقتصر على قانون واحد، بل تشمل مجموعة واسعة من النصوص القانونية ذات الصلة، من بينها قانون العقوبات، وقانون الجنسية، وقانون الحالة المدنية، وقانون الصحة، وقانون التوجيه للتربية الوطنية، والقوانين المتعلقة بالأنشطة الرياضية والجمعيات والتأمينات الاجتماعية، كما تندرج ضمن هذه المنظومة القوانين الخاصة بحماية المعطيات الشخصية ومكافحة الاتجار بالبشر والتمييز وخطاب الكراهية.

ولفت المتحدث إلى أن المشرّع الجزائري أولى اهتماما متزايدا بحماية الأطفال من جرائم الاتجار بالبشر، من خلال القانون 23-04 المتعلق بالوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته، والذي تضمن أحكاما خاصة بحماية الفئات الهشة وعلى رأسها الأطفال، كما تم استحداث آليات وطنية للتكفل بضحايا الاتجار بالبشر، خاصة الأطفال، فضلاً عن إنشاء اللجنة الوطنية للوقاية من الاتجار بالأشخاص ومكافحته.

وعلى المستوى المؤسساتي، أكد بودهان أن الجزائر أنشأت هيئات متخصصة لضمان حماية الأطفال، أبرزها الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة، التي ينظم عملها المرسوم التنفيذي 16-334، كما أشار إلى وجود أجهزة متخصصة على مستوى القضاء والدرك الوطني ومصالح الأمن تعنى بقضايا الأحداث والأطفال، ما يعزز فعالية التكفل بهذه الفئة وحمايتها من مختلف المخاطر.

 

دعوة إلى مراجعة قانون حماية الطفل

وفي ختام حديثه، دعا المحلل السياسي إلى مراجعة القانون 15-12 المتعلق بحماية الطفل، معتبرا أن مرور أكثر من عشر سنوات على صدوره أظهر وجود بعض الثغرات التي تستدعي التعديل والتكييف مع المستجدات الاجتماعية والقانونية، وأكد أن تطوير النصوص القانونية أمر طبيعي، لأن التشريعات البشرية قابلة للمراجعة والتحديث بما يضمن تعزيز الحماية الجزائية والمدنية والاجتماعية والدستورية للأطفال، الذين يمثلون “رجال ونساء الغد” وركيزة مستقبل المجتمع.